أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - علي لهروشي - من الإنسان الأمازيغي الحر إلى الإنسان الأمازيغي المُدجَّن: كيف تُحوِّله الديكتاتورية العلوية إلى عبد؟















المزيد.....



من الإنسان الأمازيغي الحر إلى الإنسان الأمازيغي المُدجَّن: كيف تُحوِّله الديكتاتورية العلوية إلى عبد؟


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 23:22
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


يولد الإنسان حراً، مهما كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيش فيها والداه، ومهما كانت طبيعة المكان الذي احتضن ولادته ونشأته. يولد بصفحة بيضاء، وعقل لم تتشكل فيه بعدُ الأحكام المسبقة، ونفس لم تتشبع بعدُ بأمراض المجتمع وانحرافاته، ولا تحمل في بداياتها تلك الأشكال المتراكمة من الشرور التي قد يكتسبها الإنسان لاحقاً بفعل التربية والبيئة والتجارب والظروف المحيطة به. غير أن هذه الحرية الفطرية لا تظل بالضرورة على حالها، لأن الإنسان، منذ لحظاته الأولى، يدخل في علاقة مستمرة مع محيطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ويتأثر به ويتفاعل معه، وتنمو شخصيته بالتوازي مع نموه العقلي والفسيولوجي والنفسي والسيكولوجي والعاطفي، أي إنه يتشكل على جميع المستويات، ولا ينفصل تكوينه عن طبيعة البيئة التي يعيش داخلها. ولعل المقولة الشهيرة التي تقول إن الإنسان ابن بيئته تختصر جانباً مهماً من هذه الحقيقة؛ فالإنسان لا يولد حاملاً لمنظومة مكتملة من القيم والأخلاق والمبادئ والأفكار والرغبات والطموحات والأحلام، وإنما يكتسب معظمها تدريجياً من خلال احتكاكه بالمحيط الذي ينشأ فيه، ومن خلال ما يتلقاه من أسرته ومجتمعه، وما يراه من سلوكيات وممارسات، وما يختبره من علاقات ومواقف وتجارب. ولذلك، فإن طبيعة البيئة التي تحتضن نموه تترك بصماتها العميقة على شخصيته، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.
فإذا كان المحيط الذي نشأ فيه منحرفاً، فقد يتأثر الإنسان بهذا الانحراف في مرحلة من مراحل نموه، وقد يصبح جزءاً منه، ويمارسه باعتباره سلوكاً عادياً ومقبولاً، وقد ينجو منه بأعجوبة عندما يبلغ من الوعي ما يجعله يدرك أن الاستمرار في ذلك المسار يهدد مستقبله وكرامته وحياته. وفي المقابل، إذا كان محيطه مستقيماً، فقد ينشأ مستقيماً ويحافظ على القيم التي تربى عليها، لكنه قد ينحرف بدوره عندما يلاحظ، أو يعتقد، أو يقتنع بأن استقامته أصبحت عبئاً عليه، وأنها لم تحقق له ما كان ينتظره من حياة كريمة، بينما يرى أشخاصاً آخرين، ممن تخلوا عن تلك القيم، يعيشون أوضاعاً مادية واجتماعية أفضل منه. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يصبح الإنسان أمام اختيار صعب بين المحافظة على مبادئه وتحمل تبعات ذلك، وبين التخلي عنها بحثاً عن مصالح ومكاسب عاجلة. وقد تنطبق هذه الحالات بصورة أوضح على الإنسان الذي نشأ في بيئة متذبذبة، تتصارع داخلها القناعة والطمع، والتواضع والغرور، والبساطة والرغبة في التميز، والاستقامة والانتهازية. ففي مثل هذه البيئات لا يكون تشكل الشخصية عملية مستقرة، وإنما يصبح الإنسان عرضة للتناقضات التي قد تدفعه إلى تبني قيم متعارضة بحسب الظروف والمصالح التي يواجهها. ومن هنا فإن الحالة الأمازيغية تفرض نفسها، باعتبارها نموذجاً اجتماعياً وتاريخياً يستحق التوقف عنده طويلاً.
إن الشعب الأمازيغي، الذي عانى ولا يزال يعاني في مناطق واسعة من قساوة الظروف المعيشية، والفقر والحرمان والتهميش، وصعوبة المناخ، ولا سيما في المناطق الجبلية التي يشتد فيها البرد، يجد نفسه في مواجهة واقع يومي قاسٍ، تفتقر فيه العديد من المناطق إلى أبسط شروط الحياة الكريمة. فهناك غياب وسائل العلاج والنقل والتمدرس والرعاية الصحية، والبنيات التحتية والخدمات الأساسية، وحرمان من كثير من الإمكانات التي يحتاج إليها الإنسان لكي ينمو نمواً عادياً وطبيعياً، ويتمتع بالحد الأدنى من الحقوق التي يفترض أن تكون مضمونة لكل المواطنين. وفي ظل هذه الظروف القاسية، ينشأ الإنسان الأمازيغي في واقع مختلف عن الواقع الذي ينشأ فيه كثير من أبناء المدن. فهو يتعلم منذ طفولته مواجهة الطبيعة، وتحمل المشقة، والتكيف مع قساوة الحياة، والاعتماد على الذات، والتعامل المباشر مع الآخرين دون كثير من الوسائط والتعقيدات الاجتماعية. ولذلك، قد تتشكل لديه خصائص سلوكية وثقافية ونفسية وثورية تختلف عن تلك التي تتكون لدى الإنسان الذي نشأ في فضاء مديني تحكمه علاقات ومصالح وحسابات اجتماعية أكثر تعقيداً.
فالإنسان الأمازيغي، في صورته التقليدية التي أفرزتها ظروف العيش في الجبال والسهول والبوادي والوديان، لا يبحث بالضرورة عن إرضاء الآخرين من خلال التظاهر والمجاملة المصطنعة، ولا يتقن، في كثير من الحالات، أساليب النفاق الاجتماعي التي قد يستعملها البعض للوصول إلى مصالحهم أو تحسين أوضاعهم. إنه إنسان اعتاد أن يقول ما لديه بصورة مباشرة، وأن يعبر عن رأيه دون لف أو دوران، وأن يتعامل مع الأشياء كما يراها، لا كما يريد الآخرون أن يروها. ولا يعني ذلك أن الإنسان الأمازيغي منزّه عن الأخطاء أو أن جميع الأمازيغ يتصفون بالخصال نفسها، فليس هناك مجتمع يخلو من التناقضات أو السلوكيات السلبية. وإنما المقصود هو إبراز نمط من الشخصية الاجتماعية التي تشكلت في بيئة يغلب عليها الاحتكاك المباشر بالطبيعة، والاستقلال النسبي عن مؤسسات السلطة، والاعتماد على الأعراف والتقاليد المحلية، وهو نمط جعل الصراحة والاستقلالية والاعتزاز بالكرامة من الخصال التي ارتبطت تاريخياً بكثير من المجتمعات الأمازيغية.
فالإنسان الأمازيغي لا يبحث عن الشكليات، ولا يعطي المظاهر الفاخرة أهمية تفوق قيمة الإنسان نفسه، ولا يرى ضرورة في التباهي بالملابس أو الممتلكات أو المكانة الاجتماعية لإثبات قيمته أمام الآخرين. وحتى عندما يحاول أحدهم التنكر لأصوله الأمازيغية، أو الانسلاخ عن هويته، أو الادعاء بأنه أصبح إنساناً مدينياً متحضراً يختلف عن أبناء منطقته، فإن آثار البيئة التي نشأ فيها قد تظل ظاهرة في طريقة مشيه، ورنة لسانه، وحركاته وسكناته، وفي أسلوب تعامله وتفاعله مع الآخرين. فالأمازيغي الذي تشكلت شخصيته داخل بيئته الأصلية لا يستطيع، بمجرد تغيير ملابسه أو عنوان سكنه أو وضعه الاجتماعي، أن يمحو تاريخه الشخصي والثقافي، أو أن يصنع بسهولة شخصية بديلة لا تمت بصلة إلى جذوره وتكوينه الأول. فهناك أشياء تتجاوز المظهر الخارجي، وتستقر في أعماق الإنسان، وتظهر في طريقة تفكيره وتعبيره ومواقفه، وفي علاقته بالحرية والكرامة والسلطة. ولعل أبرز ما يميز هذا النموذج من الشخصية هو الاستعداد للتعبير عن الحقيقة كما يراها صاحبها، حتى عندما تكون لذلك عواقب خطيرة. فالإنسان الذي اعتاد على الحرية في بيئته الأصلية، ولم يتربَّ على الخوف من إبداء رأيه، قد يجد صعوبة بالغة في ممارسة الصمت المصطنع أو الخضوع المهين، خصوصاً عندما يشعر بأن كرامته أو كرامة جماعته أو حقوقه تتعرض للانتهاك. لقد عاش الإنسان الأمازيغي، عبر تاريخ طويل، في الجبال والسهول والبوادي والوديان، حراً طليقاً، مرتبطاً بالطبيعة، متفاعلاً معها، ومستلهماً منها جانباً مهماً من نمط عيشه وتفكيره. كان يصرخ ويغني ويبكي، ويعبر عن أفراحه وأحزانه بطريقته الخاصة، ويتعامل مع الطبيعة بعفوية تشبه علاقة الطيور بالفضاء الذي تحلق فيه. ولم تكن الحدود الإدارية والسياسية الحديثة، ولا الحواجز المؤسساتية، ولا القيود البيروقراطية، تشكل دائماً الإطار الذي ينظم تفاصيل حياته اليومية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من حساسيته تجاه رسم الحدود، وتضييق مجال حركته، وفرض القيود على حياته، وإخضاعه لسلطة لا يشعر بأنها تعبر عنه أو تنبع من إرادته الجماعية. فالحرية بالنسبة إليه ليست مجرد شعار سياسي أو مادة دستورية، بل هي تجربة معيشة، وامتداد لعلاقة تاريخية بالأرض والطبيعة والمجتمع، وشعور متجذر بالاستقلال والقدرة على تدبير شؤونه بنفسه. غير أن هذه الحرية بدأت تتقلص، في المناطق الأمازيغية، مع توسع حضور أجهزة السلطة ومؤسساتها في مناطقهم، بعدما كانت هذه المناطق تعيش لفترات طويلة خارج نطاق الحضور الإداري المكثف للسلطة. فقد كانت هذه السلطة الحاكمة نفسها تنعت بعض هذه المناطق بالمغرب غير النافع، في تعبير يكشف عن نظرة دونية إلى المجالات القروية والجبلية التي لم تحظَ بما تستحقه من استثمار وتنمية واهتمام. وفي تلك الفترات، كانت الأعراف المحلية وقوانين القبيلة والجماعة تشكل الإطار الأساسي لتدبير كثير من شؤون الحياة المشتركة، وتسوية النزاعات، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات. وكانت هذه القواعد، في نظر المجتمعات التي اختارتها وتوارثتها، تعبيراً عن إرادة محلية مستقلة، ولم تكن بالضرورة نتيجة تدخل قوة خارجية أو فرض منظومة غريبة عنها. ولا يعني ذلك أن الأعراف كانت دائماً عادلة أو خالية من العيوب، أو أنها لم تكن تحتاج إلى التطوير والمراجعة، وإنما يعني أن المجتمعات الأمازيغية امتلكت تقاليدها الخاصة في التنظيم والتدبير الجماعي، وأنها لم تكن مجتمعات بلا نظام أو بلا قواعد، كما حاولت بعض التصورات المتعالية تصويرها. ومن هنا ظل الإنسان الأمازيغي، في كثير من تجلياته الاجتماعية والتاريخية، صريحاً في أقواله، معتداً برأيه، حريصاً على العدل في قراراته وشهاداته، وشجاعاً في مواقفه، لا يرى في إبداء الرأي أو الدفاع عن الحق جريمة تستوجب الاعتذار أو الخضوع. لكن المشكلة تبدأ عندما يخرج هذا الإنسان من بيئته الأصلية ويدخل إلى المدينة، حيث يجد نفسه أمام منظومة مختلفة من القيم والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية.
فالمدينة، التي يفترض أن تكون فضاءً للتقدم والمعرفة والتحرر والعدالة، قد تتحول في بعض تجلياتها إلى فضاء تسوده التناقضات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وتنتشر فيه مظاهر النفاق والانتهازية والفساد والتظاهر والمزايدات، ويصبح فيه النجاح أحياناً مرتبطاً بقدرة الفرد على المناورة وإرضاء أصحاب النفوذ، أكثر من ارتباطه بالكفاءة والاستقامة والصدق. وهذا التناقض هو ما جعل بعض أبناء المدن ينظرون إلى أبناء البوادي، ومن بينهم الأمازيغ، نظرة استعلاء وسخرية، ويصفونهم بالتخلف والبدائية وعدم مواكبة الركب الحضاري، وكأن التحضر يقاس بمكان الإقامة، وبنوع الملابس، وبالقدرة على استعمال لغة معينة، أو بإتقان قواعد المجاملة الاجتماعية، وليس بمستوى الوعي والأخلاق والقدرة على احترام الإنسان وحقوقه وكرامته. بينما أن التمدن لا يعني بالضرورة التحضر، كما أن الإقامة في المدينة لا تجعل الإنسان أكثر وعياً أو أخلاقاً أو عدلاً من الإنسان الذي يعيش في القرية أو الجبل. فقد تجد في المدينة أشخاصاً يحملون أعلى الشهادات العلمية، ويتقنون فنون الكلام والمظاهر الاجتماعية، لكنهم يفتقرون إلى أبسط مقومات النزاهة والصدق والوفاء، في حين تجد في القرى والجبال أناساً بسطاء، لم تتح لهم فرص التعليم والتكوين، لكنهم يمتلكون من الكرامة والاستقامة والوفاء ما قد يعجز عنه كثير ممن يتباهون بمكانتهم المدينية.
وهكذا يجد الأمازيغي الذي يضطر إلى دخول المدينة لأسباب مختلفة، سواء لمتابعة دراسته أو البحث عن العمل أو تحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي، نفسه أمام تناقض عميق بين منظومة القيم والمبادئ والأخلاق التي نشأ عليها، وقناعاته الثورية التي يحملها، وبين واقع اجتماعي جديد قد يفرض عليه التعامل مع ممارسات كان يعتبرها في بيئته الأصلية أموراً مرفوضة أو غير مقبولة. يدخل المدينة حاملاً معه صدقه وصراحته وبساطته واعتزازه بكرامته، وهي خصال تشكلت داخله منذ طفولته، ونمت معه كما ينمو جسده، وتغذت من تربيته الأسرية والاجتماعية، ومن قيم أمه وأبيه وعائلته ومجتمعه، حتى أصبحت جزءاً من تكوينه العميق، وكأنها شيء ورثه مع حليب ثدي أمه. لكنه قد يصطدم بواقع يتعامل فيه بعض الناس مع النفاق والانتهازية والفساد والمجاملة المصلحية وإظهار القوة البدنية و التباهي بالمعارف و العائلة و الأنساب و مراكزهم السلطوية القمعية باعتبارها سلوكيات عادية، بل قد يعتبرونها أدوات ضرورية للنجاح والترقي الاجتماعي والمهني والحصول على اهتمام الآخرين بهم. وهنا يجد الإنسان البدوي الأمازيغي نفسه في حيرة: هل يحافظ على شخصيته وقيمه، ولو كلفه ذلك التأخر في مساره المهني والاجتماعي؟ أم يتخلى تدريجياً عن بعض مبادئه حتى يصبح مقبولاً داخل محيط لا يشبه المحيط الذي نشأ فيه؟
وهذه ليست مجرد أزمة فردية، بل هي أزمة هوية وانتماء وتكيف اجتماعي، لأن الإنسان قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار بين أن يظل وفياً لذاته وتاريخه وبيئته، وبين أن يتقمص شخصية جديدة يعتقد أنها ستمنحه الاعتراف والقبول والمكانة التي يبحث عنها. غير أن الأمر في المغرب لا يتوقف عند حدود التناقض بين القرية والمدينة، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة أكثر خطورة، تتعلق بمحاولات تدجين الإنسان الأمازيغي وإعادة تشكيل وعيه السياسي والاجتماعي.
ففي المغرب، قد تتدخل السلطة وأجهزتها وأعوانها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مسارات بعض الأمازيغ الذين ينتقلون من مناطقهم الأصلية إلى المدن، من خلال استقطابهم عبر الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات والمنظمات ومختلف المؤسسات التي تدور في فلك السلطة أو تتعامل معها. وتبدأ عملية الاستقطاب أحياناً بإظهار الاهتمام بهذا الإنسان، وإقناعه بأنه يحتاج إلى مزيد من الوعي والتوعية والتكوين الفكري والسياسي والنقابي والجمعوي، وكأن المشكلة تكمن في نقص وعيه أو في عدم قدرته على فهم الواقع السياسي والاجتماعي. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل الهدف الحقيقي من بعض عمليات الاستقطاب والتكوين هو تحرير الإنسان من الجهل والتبعية، وتمكينه من أدوات التفكير النقدي والاستقلالية، أم أن الغاية الخفية هي تدجينه وترويضه وإعادة تشكيل وتغيير أفكاره ومواقفه الثورية إلى مجرد مواقف إصلاحية، ومن رفضه المطلق للحكم الديكتاتوري إلى مجرد رفع شعارات مثل محاربة الفساد وتخليق الحياة السياسية حتى يصبح أكثر انسجاماً مع المصالح السياسية والمؤسساتية للجهات التي استقطبته و جعله أعمى سياسياً، حيث لم يعد يرى كما في السابق على أن الديكتاتورية العلوية الحاكمة هي رأس الفساد، ودون زوالها لن يعرف المغرب لا تقدماً ولا ازدهاراً و لا استقرارا؟
إن الفرق بين التكوين والتدجين شاسع. فالتكوين الحقيقي يحرر العقل، ويوسع أفق التفكير، ويمنح الإنسان القدرة على مساءلة السلطة ومحاسبتها ورفض الظلم، حتى لو صدر عن الجهة التي ينتمي إليها أو يتعامل معها. أما التدجين فيحول التكوين إلى وسيلة للسيطرة على الوعي، ويجعل الإنسان يتخلى تدريجياً عن استقلاليته الفكرية، ويستبدل مواقفه المستقلة بمواقف جاهزة، ويتحول من صاحب رأي وموقف إلى تابع ينتظر التعليمات والإشارات. وقد يجد هذا الأمر تطبيقاته، بصورة خاصة، في أوساط بعض الطلبة الأمازيغ الذين اختاروا النضال السياسي أو الثقافي أو الحقوقي، وقرروا الدفاع عن هويتهم وكرامتهم وحقوق مناطقهم. فبدلاً من أن تكون المؤسسات والأحزاب والجمعيات فضاءات حقيقية لاحتضان طاقاتهم وتطوير قدراتهم، قد تتحول بعض هذه الإطارات إلى وسائل لاستقطابهم وإبعادهم عن مواقفهم النقدية، وتوجيههم نحو تبني خطاب يتلاءم مع مصالح الجهات التي تملك سلطة القرار. وبمرور الوقت، قد يجد الطالب الذي دخل الجامعة حاملاً أفكاراً مستقلة ومواقف رافضة للتهميش والقمع والاستبداد والاستعباد نفسه أمام ضغوط مختلفة، تدفعه إلى مراجعة مواقفه ليس بناءً على قناعة فكرية حرة، وإنما سعياً إلى الحصول على موقع أو امتياز أو فرصة عمل أو اعتراف مؤسساتي. وهكذا يمكن أن يتحول النضال من وسيلة لمواجهة الظلم إلى وسيلة للاندماج في منظومة كانت أهدافه الأولى هي نقدها ومقاومتها.
أما الأمازيغ الذين يلتحقون بمختلف أجهزة الدولة ومؤسسات السلطة، من ضباط الجيش والأجهزة العسكرية والأمنية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والأجهزة المعروفة بالسيمي، والحرس الملكي، والمخابرات بمختلف أنواعها، وصولاً إلى القواد والباشوات والعمال والولاة، وحتى رؤساء المجالس الحضرية، فإنهم يجدون أنفسهم بدورهم داخل منظومة مؤسساتية لها قواعدها وتراتبيتها وضوابطها ومصالحها الخاصة. وقد تفرض عليهم طبيعة مواقعهم المهنية والاجتماعية إعادة ترتيب علاقاتهم ومواقفهم، والتكيف مع ثقافة المؤسسات السلطوية الفاسدة التي ينتمون إليها، بما قد يؤدي إلى تراجع ارتباطهم بالقيم التي تربوا عليها في قراهم ومناطقهم الأصلية. وفي هذا السياق، يمكن طرح مسألة الزواج والروابط العائلية بوصفها أحد المجالات التي قد تتداخل فيها المصالح الاجتماعية والسياسية. فقد تذهب السلطة أو محيطها إلى حد نسج وتشجيع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بعض الارتباطات الزوجية بين الضباط والمسؤولين الأمازيغ ونساء من عائلات مدينية موالية للسلطة، بما يخلق شبكات من العلاقات والمصالح والانتماءات المتداخلة، ويساهم في تعزيز اندماج هؤلاء المسؤولين داخل محيط اجتماعي وسياسي جديد. باعتبار الزواج أداة للسيطرةعبر توظيف الروابط العائلية والاجتماعية في بناء شبكات الولاء والنفوذ، وعن تأثير هذه الشبكات في استقلالية بعض المسؤولين ومواقفهم، وفي علاقتهم بالمجتمعات التي ينحدرون منها. فالهدف هو أن تتراجع تدريجياً ذاكرة الإنسان الأمازيغي المرتبطة بقريته وأسرته وتاريخه وقيمه الأولى، وأن يصبح أكثر التصاقاً بالمحيط الجديد الفاسد والمستبد الذي يعيش فيه، وأكثر استعداداً لتبني منظومة الولاءات والمصالح التي تحكم ذلك المحيط، حتى وإن كانت متعارضة مع المبادئ التي نشأ عليها. ولا يقتصر الأمر على العسكريين والأمنيين والمسؤولين الإداريين، بل قد يمتد أيضاً إلى الأساتذة الجامعيين والأطباء والمحامين وغيرهم من أصحاب المهن والنخب التي تتمتع بمكانة اجتماعية وعلمية. فهؤلاء قد يتعرضون بدورهم لأشكال من التأثير الفكري والاجتماعي، تدفع بعضهم إلى تبني تصورات مسبقة عن أبناء البوادي الأمازيغية، باعتبارهم جماعات بدائية أو متخلفة، لا تمتلك من مقومات الحاضر والحضارة ما يؤهلها للمشاركة الفاعلة في المجتمع الحديث. وهذه النظرة الدونية ليست مجرد موقف فردي عابر، بل تتحول إلى خطاب اجتماعي وثقافي يعيد إنتاج الإحساس بالدونية لدى أبناء المناطق الأمازيغية، ويجعل بعضهم يشعر بالخجل من أصوله ولهجته وهويته وطريقة عيش أسرته ومجتمعه، خاصة و أن في المغرب لا يرفع من شأن الإنسان سوى ماله وجاهه أو سلطته ونسبه و أحيانا مظهره حتى وإن كان خادعا.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج هذا المسار: أن يتحول الإنسان الأمازيغي من شخص معتز بأصله وهويته إلى شخص يتردد في الإقرار بأمازيغيته، ويتجنب الحديث عن جذوره، ويخفي انتماءه الاجتماعي والثقافي، بل وقد ينظر إلى أسرته ومحيطه الأصليين باعتبارهما عائقاً أمام تقدمه واندماجه في المجتمع المديني. وبذلك يصبح الإنسان غريباً عن بيئته الأولى، ومنفصلاً عن الخصال والقيم التي تربى عليها على أيدي آبائه وأمهاته وعائلته، دون أن يكون قد اكتسب بالضرورة قيماً أفضل أو أكثر إنسانية. بل قد يكون قد استبدل بعض خصاله الأصيلة بمجموعة من السلوكيات المتناقضة التي فرضها عليه محيط جديد، أو تبناها طمعاً في الاعتراف الاجتماعي والمكانة والمصلحة. ومع ذلك، فإن بعض هؤلاء يصعب عليهم الاستمرار في العيش داخل هذا التناقض الفكري والقيمي والأخلاقي. فهم يحملون في أعماقهم ذاكرة البيئة الأمازيغية التي نشأوا فيها، ويتذكرون القيم التي تربوا عليها، ويشعرون أحياناً بأن الحياة التي أصبحوا يعيشونها لا تشبه الإنسان الذي كانوا عليه قبل انتقالهم إلى المدينة أو التحاقهم بمؤسسات السلطة. وقد يصل التناقض إلى مرحلة لا يعود فيها الإنسان قادراً على تحمل ارتداء الأقنعة، أو الاستمرار في تمثيل شخصية لا تشبهه، أو الدفاع عن ممارسات تتعارض مع قناعاته العميقة. وهنا تظهر، بين الفينة والأخرى، أصوات أمازيغية ترفض الصمت والخضوع، وتعلن تمردها على منطق العبودية والاستغلال والقمع والاستعباد والاستبداد والتبعية العمياء والخنوع والاستسلام والركوع والانحناء أمام من لا يستحق ذلك، سواء كان يستمد سلطته من الدين أو القانون أو المركز الإداري أو السياسي أو الأمني. إنها أصوات تخرج أحياناً من داخل أجهزة السلطة نفسها، أو من الأحزاب والمنظمات والجمعيات والنقابات والمؤسسات المختلفة، لتقول إن الإنسان لم يخلق ليكون عبداً، وإن الوظيفة لا تعني التخلي عن الكرامة، وإن الانتماء إلى مؤسسة لا يفرض على صاحبها أن يتنازل عن عقله وضميره، وإن احترام القانون لا يعني الخضوع الأعمى لمن يستعمل القانون لخدمة مصالحه الخاصة.
وهذه الصرخات ليست مجرد ردود فعل عاطفية أو مواقف احتجاجية عابرة، بل قد تكون تعبيراً عن صراع عميق بين ذاكرة الإنسان وقناعاته من جهة، وبين المنظومة التي أصبح جزءاً منها من جهة أخرى. إنها لحظات يستعيد فيها الإنسان شيئاً من ذاته، ويرفض أن يتحول إلى مجرد أداة لتنفيذ إرادة الآخرين، أو إلى رقم داخل شبكة من الولاءات والمصالح. وقد تهز هذه الأصوات أركان بعض المؤسسات والأحزاب والمنظمات والجمعيات والنقابات، لأنها تكشف التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية. فهناك مؤسسات تتحدث عن الديمقراطية والحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية، لكنها لا تهتم بالإنسان اهتماماً حقيقياً بقدر اهتمامها بالتقرب من أصحاب القرار والتزلف للسلطة والحفاظ على مواقعها ومصالحها. وهناك جهات ترفع شعارات الدفاع عن المواطنين، لكنها قد تتحول إلى أدوات لترويضهم وإخضاعهم، وتفضل إرضاء مراكز النفوذ على الوقوف إلى جانب المظلومين والمهمشين. وقد يصل الأمر ببعض الانتهازيين إلى التعامل مع كرامة الإنسان وحقوقه باعتبارها سلعة قابلة للمساومة، وكأن الجميع معروضون في سوق للنخاسة السياسية، لا قيمة لهم إلا بمقدار ما يقدمونه من خدمات لأصحاب السلطة والنفوذ.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد ممتلكاته أو موقعه الاجتماعي، وإنما أن يفقد استقلالية تفكيره، وأن يصبح عاجزاً عن التمييز بين قناعاته الحقيقية والمواقف التي لقنته إياها الجهات التي تتحكم في مساره. فالفقر قد يحرم الإنسان من وسائل الراحة، والتهميش قد يحرمه من فرص الحياة الكريمة، لكن الاستلاب الفكري والأخلاقي قد يحرمه من ذاته، ويجعله يدافع عن المنظومة التي ساهمت في إضعافه وتهميشه. وهكذا قد يتغير الإنسان الأمازيغي الذي كان يعتقد أنه يتحرر من قساوة وقسوة محيطه الأصلي، ومن الفقر والبرد والعزلة وصعوبة الحياة في الجبال والبوادي، ليجد نفسه منغمساً في شكل آخر من أشكال العبودية، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. فقد يتحسن وضعه المالي والمادي والسكني، ويحصل على وظيفة مرموقة، ويمتلك سيارة أو منزلاً، ويصبح صاحب مكانة اجتماعية أو إدارية أو مهنية، لكنه قد يفقد في المقابل جزءاً من استقلاليته وصدقه وجرأته وارتباطه بقيمه الأولى. إنه يعتقد أنه تحرر لأنه غادر الجبل أو القرية، وانتقل إلى المدينة، وخرج من دائرة الفقر والحرمان، بينما يكون قد انتقل، دون أن يدرك، من قيد مادي واضح إلى قيود فكرية ونفسية واجتماعية أكثر خفاءً. لقد استبدل قسوة الطبيعة بقسوة التبعية، واستبدل محدودية الإمكانات بخضوعه لشبكات المصالح والولاءات، واستبدل الحرية التي كان يشعر بها في بيئته الأصلية بامتيازات مادية قد يكون ثمنها التنازل عن استقلالية القرار والموقف. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين تحسين الوضع المادي للإنسان وتحريره الحقيقي. فليس كل من انتقل من الفقر إلى الغنى قد تحرر، وليس كل من حصل على منصب أو وظيفة أو مكانة اجتماعية أصبح مستقلاً، وليس كل من ارتدى ملابس أنيقة أو امتلك مسكناً في المدينة أصبح أكثر تحضراً أو وعياً. فالتحرر الحقيقي لا يقاس بما يملكه الإنسان، وإنما بما يستطيع أن يفكر فيه ويقوله ويفعله دون خوف أو إكراه أو ابتزاز.
إن الإنسان الذي لا يستطيع التعبير عن رأيه خوفاً على منصبه، والذي يتجنب قول الحقيقة حتى لا يخسر امتيازاته، والذي يغير مواقفه بحسب هوية صاحب السلطة، والذي يبرر الظلم عندما يصدر عن الجهة التي ينتمي إليها، لا يمكن اعتباره إنساناً متحرراً لمجرد أنه أصبح ميسور الحال أو صاحب مركز اجتماعي مرموق. فالحرية ليست مجرد خروج من الجغرافيا، وإنما هي خروج من دائرة الخوف والتبعية والاستلاب. وهي ليست مجرد انتقال من القرية إلى المدينة، بل هي القدرة على حمل قيم الكرامة والاستقلال والصدق إلى أي مكان، والمحافظة عليها في مواجهة كل أشكال الإغراء والضغط والإكراه. ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى التي ينبغي أن نتوقف عندها: كيف يمكن لإنسان نشأ في فضاء واسع، اعتاد فيه التنفس بحرية والتعبير عن رأيه والتعامل مع الطبيعة والناس بعفوية، أن يتحول بعد انتقاله إلى المدينة أو التحاقه بمؤسسات الدولة إلى شخص يخشى التعبير عن موقفه، ويحسب لكل كلمة يقولها ألف حساب، ويخضع لمنظومة من الولاءات التي قد تتعارض مع قناعاته؟ وكيف يمكن لإنسان تربى على الاعتزاز بكرامته أن يقبل بأن يصبح تابعاً، وأن يتنازل عن حقه في الاعتراض، وأن يبرر الانحناء أمام أصحاب النفوذ، وأن يشارك في ممارسات كان يرفضها في السابق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في إدانة المدينة أو رفض التعليم أو التكوين أو الوظيفة ، فهذه كلها مجالات يمكن أن تكون أدوات للتحرر والتقدم والارتقاء بالإنسان. كما لا ينبغي تحويل الاختلاف بين أبناء القرى والمدن إلى تصنيف أخلاقي يجعل فئة أفضل من أخرى. فهناك أناس أحرار ومستقلون في المدن، كما يوجد من يمارس الاستبداد والانتهازية في البوادي، والعكس صحيح. إن جوهر المشكلة يكمن في طبيعة العلاقات التي تنتجها منظومة السلطة والمصالح، وفي الطريقة التي يمكن أن تستعمل بها المؤسسات والامتيازات والفرص لإخضاع الإنسان، وفي قدرة بعض النخب على تحويل التكوين إلى أداة للضبط، والاندماج إلى وسيلة لمحو الهوية، والترقي الاجتماعي إلى ثمن يدفعه الفرد من استقلاليته وكرامته. ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن السلطة قد عجزت عن إخضاع بعض المجتمعات الأمازيغية في فضائها القروي والجَبلي بالوسائل نفسها التي نجحت بها في التأثير على بعض مكونات المجتمع المديني. فحين لم تتمكن من تغيير كل ما تحمله البادية من استقلالية واعتداد بالذات، وجدت في بعض مظاهر الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وفي الحاجة إلى التعليم والعمل والترقي الاجتماعي، منافذ جديدة للتأثير في الأفراد واستقطابهم وإعادة تشكيل مواقفهم. وبذلك قد تتحول المدينة، التي كان يفترض أن تكون فضاءً للحرية والانفتاح وتعدد الأفكار، إلى مجال لإعادة إنتاج التبعية والاستلاب، وتصبح بعض مؤسساتها أدوات لتدجين الإنسان بدلاً من تحريره، ويصبح بعض أبنائها ضحايا لمنظومة سياسية واجتماعية تستثمر في حاجاتهم وطموحاتهم وتطلعاتهم من أجل ضمان استمرار الولاءات وإضعاف المواقف المستقلة.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن يغادر الأمازيغي جباله وقراه وبواديه بحثاً عن حياة أفضل، بل في أن يغادرها مضطراً إلى التخلي عن ذاته، وأن يعتقد أن التخلي عن هويته وقيمه وأخلاقه هو الطريق الوحيد نحو التحضر والنجاح والاندماج. فلا عيب في أن يتعلم الأمازيغي، ولا في أن يصبح أستاذاً جامعياً أو طبيباً أو محامياً أو مسؤولاً إدارياً أو سياسيا أو نقابيا أو جمعويا، ولا في أن ينتقل إلى المدينة أو يحسن وضعه الاقتصادي والاجتماعي. بل إن من حقه أن يحصل على أفضل فرص التعليم والعمل والسكن والعلاج والترقي، وأن يتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها غيره من المواطنين. لكن العيب الحقيقي هو أن يتحول هذا التقدم إلى وسيلة لمحو ذاكرته، وأن يصبح النجاح مرادفاً للتنكر لأصوله، وأن تتحول الوظيفة إلى قيد، والمنصب إلى وسيلة لإسكات الضمير، والاندماج إلى تنازل عن الكرامة. فالأمازيغي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن أمازيغيته حتى يصبح إنساناً معاصراً، ولا يحتاج إلى أن يخفي لهجته أو يخجل من قريته أو ينكر أسرته حتى يحصل على الاعتراف الاجتماعي. كما لا يحتاج إلى أن يستبدل صراحته بالنفاق، أو استقلاليته بالتبعية، أو كرامته بالخضوع، حتى يصبح جزءاً من المجتمع المديني، لكن مخططات الديكتاتورية هي تركيع الجميع وتغيير عقلية الأحرار إلى عقلية العبودية حتى تقتنع الرعية أن الراعي قد يستطيع رعي القطيع كما يشاء بل تبديله بقطيع أخر إذا استدعى الأمر ذلك.
إن ما يحتاج إليه الإنسان هو تعليم يحرر عقله ولا يصادره، وتكوين يوسع مداركه ولا يدجنه، ومؤسسات تحترم استقلاليته ولا تستعمله، ودولة تضمن حقوقه ولا تحوله إلى تابع، ومجتمع يعترف بتنوعه ولا يفرض عليه الانسلاخ عن هويته. فالإنسان الأمازيغي الذي خرج من الجبال والسهول والبوادي بحثاً عن حياة أفضل، لا ينبغي أن يجد نفسه أمام خيارين زائفين: إما البقاء في الهامش والفقر والحرمان، وإما الاندماج في منظومة تفرض عليه التخلي عن ذاته وقيمه ومواقفه. بل من حقه أن يجمع بين الحرية والكرامة والهوية، وبين التعليم والتقدم والعيش الكريم، دون أن يكون مضطراً إلى دفع ثمن ذلك من ذاكرته واستقلاليته وضميره. فالتحرر لا يعني أن يصبح ابن الجبل نسخة مشوهة من ابن المدينة، ولا أن يتحول الإنسان الأمازيغي من شخص حر إلى موظف خائف، أو مسؤول تابع، أو مثقف يبرر ما كان يرفضه، أو مناضل يتخلى عن قضيته وقناعاته الثورية وتبديلها بقناعات إصلاحية مقابل موقع أو امتياز. التحرر الحقيقي هو أن يدخل المدينة دون أن يفقد نفسه، وأن يلج المؤسسات دون أن يصبح عبداً لها، وأن يحصل على السلطة دون أن يُستعبد أو يستعبد الآخرين، وأن يمتلك المال دون أن يبيع كرامته، وأن يتعلم دون أن يتنكر لجذوره، وأن يتطور دون أن يتخلى عن إنسانيته و هويته.
وفي النهاية، قد يكون أخطر انتصار تحققه الديكتاتورية ليس إخضاع الإنسان بالقوة، وإنما إقناعه بأن خضوعه تحرر، وأن تبعيته تطور، وأن تخليه عن هويته اندماج، وأن صمته حكمة، وأن انحناءه أمام أصحاب النفوذ سلوك حضاري. وعندما يقتنع الإنسان بكل ذلك، يصبح السجن الذي يعيش داخله سجناً لا يحتاج إلى أسوار أو حراس، لأنه يحمل قيوده في عقله، ويمارس رقابته على نفسه، ويدافع عن سجانيه دون أن يدرك أنه أصبح ضحية لهم. وهكذا يتحول الإنسان الأمازيغي الحر، الذي اعتاد فضاء الجبال والسهول والوديان، إلى إنسان محاصر بتناقضات المدينة، وأسير لشبكات المصالح والولاءات، وضحية لخطط سياسية واجتماعية لم تستهدف دائماً تحسين أوضاعه بقدر ما استهدفت، في بعض تجلياتها، إعادة تشكيل وعيه وتوجيه سلوكه وإضعاف استقلاليته. إنها المفارقة التي تستحق أن تُطرح بقوة: لقد عجز التهميش عن قتل كل أشكال الحرية في البادية، لكن بعض آليات الاستقطاب والتدجين قد تنجح في إضعافها داخل المدينة. فالديكتاتورية العلوية الحاكمة بالمغرب التي لم تستطع إخضاع الإنسان الأمازيغي الحر في فضائه الأصلي، قد تجد في بعض تناقضات المدينة ومؤسساتها ومصالحها فرصة لتحويله إلى إنسان آخر، لا يشبه الإنسان الذي كان عليه، ولا يدرك أنه لم يتحرر من قيوده القديمة، وإنما استبدل بها قيوداً جديدة، أكثر نعومة وخطورة، وأشد التصاقاً بعقله وضميره وحياته حيث تحوّل إلى عبد لن يجرؤ على انتقاد سيده.

أمستردام



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيتو الروسي والمشروع الأمريكي في الصحراء الغربية: عندما تت ...
- المغرب : حين ينتفض أبناء الأطلس ضد الانتهازية الحقوقية، تفضح ...
- المغرب: هل يفلح القصر الملكي هذه المرة في فرض ملك جديد على ا ...
- الثروة للشعوب، لا للرأسمالية الخاصة ولا للخوصصة ونهب المال ا ...
- المغرب: الملكية الديكتاتورية وتفريخ الأحزاب السلطوية، من جبه ...
- مسرحية الانتخابات بالمغرب، المحسومة نتائجها قبل إجرائها
- على إثر انتصار المغرب على هولندا في تصفيات كأس العالم 2026
- المغرب: خمس سنوات سجناً نافذاً لجمهوري مغربي مساند لفلسطين و ...
- صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح
- التضامن مع إيران وغيرها؛ فلا انتماء عرقي أو أيديولوجي أو مذه ...
- استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية
- خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران
- هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم ...
- العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع ...
- المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
- المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل ...
- ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
- الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
- المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش ...
- المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى ...


المزيد.....




- رضائي يكشف تفاصيل لقائه مع بوتين.. ماذا بحثا بشأن مرحلة ما ب ...
- -كصاعقة من السماء-.. الرئيس الإسرائيلي يعلق على إعلان ترامب ...
- السيدة الأولى الأمريكية تطلب نقل رسالة شخصية للرئيس الروسي
- -أنصار الله- تعلن استهداف مطار فهد الدولي بالدمام
- إيلون ماسك ضمن دائرة تحقيق الديمقراطيين في فساد ترامب
- رضائي يسلم بوتين رسالة من خامنئي ويبحث إنهاء الحرب
- بوتين: الاستخبارات المالية الروسية تضاهي أفضل المعايير العال ...
- قبل أن يصبح سيناتوراً أمريكياً، ما هي كواليس صور آدم حموي مع ...
- أراد استبدال الدولة الألمانية بـ-مملكة- خاصة .. محاكمة مؤسس ...
- مباحثات سرية بين إدارة ترامب وإيران بشأن ترحيل إيرانيين خلال ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - علي لهروشي - من الإنسان الأمازيغي الحر إلى الإنسان الأمازيغي المُدجَّن: كيف تُحوِّله الديكتاتورية العلوية إلى عبد؟