|
|
الفيتو الروسي والمشروع الأمريكي في الصحراء الغربية: عندما تتحول المصالح الجيوسياسية إلى عامل حاسم في صناعة القرارات الدولية
علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 09:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من المعروف، منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أن العلاقات الدولية لم تكن يوماً خالية من الصراع والتنافس بين القوى الكبرى، وأن هذا الصراع لا يتخذ بالضرورة شكلاً عسكرياً مباشراً، بل كثيراً ما يتجلى في المواجهة السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية، ولا سيما بين المعسكر الغربي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والمعسكر الشرقي سابقاً بقيادة الاتحاد السوفياتي، وروسيا الاتحادية حالياً. فمجلس الأمن، الذي أُنشئ أساساً للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، أصبح في كثير من القضايا ساحة تعكس موازين القوى والتنافس على النفوذ وتضارب المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية للدول الكبرى. ذلك أن المشاريع والقرارات التي تتقدم بها هذه الدول لا يمكن فصلها عن تصوراتها لمستقبل النظام الدولي، وعن مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية ومواقع نفوذها في مختلف مناطق العالم. ومن هذا المنطلق، فإن كل مشروع أو قرار تتقدم به إحدى القوى الكبرى أمام مجلس الأمن، مهما كانت المبررات المعلنة وراءه، لا بد من قراءته أيضاً في ضوء المصالح التي تسعى تلك الدولة إلى تحقيقها من خلال تمريره. وفي المقابل، قد تلجأ القوة المنافسة إلى استعمال حق النقض، ليس بالضرورة لأنها تعارض جميع مضامين المشروع أو لأنها تتبنى موقفاً مبدئياً موحداً مع الأطراف المعنية بالنزاع، وإنما لأنها ترى أن تمرير ذلك المشروع من شأنه أن يمنح الطرف الآخر مكاسب سياسية واستراتيجية ويكرس نفوذه على حساب مصالحها وموقعها في المعادلة الدولية. وهكذا، يصبح حق النقض (الفيتو) إحدى أهم أدوات الصراع السياسي بين الدول الكبرى داخل مجلس الأمن، حيث يستطيع طرف تعطيل مشروع الطرف الآخر، حتى وإن كان ذلك التعطيل قد يترتب عليه استمرار النزاع أو الإضرار بمصالح أحد أطرافه. وهذا ما يفسر أيضاً لجوء الولايات المتحدة الأمريكية، في عدد من الحالات، إلى تنفيذ تدخلات وعمليات عسكرية وشن اعتداءات خارج إطار تفويض صريح من مجلس الأمن، عندما تكون مدركة مسبقاً أن مشروع القرار الذي تريد تمريره قد يصطدم باستخدام روسيا أو الصين حق النقض ضده. وفي هذا السياق، تبرز قضية الصحراء الغربية باعتبارها نموذجاً واضحاً لهذه المواجهة السياسية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا داخل مجلس الأمن، وتكشف كيف يمكن أن يجد طرف دولي نفسه أمام خيارات صعبة، تكون نتائجها في جميع الأحوال مكلفة. فمنذ سنة 1991، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم المينورسو (MINURSO)، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، وذلك في إطار مخطط التسوية الذي وافق عليه المغرب وجبهة البوليساريو، والذي كان يقوم على وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لتنظيم استفتاء يتيح للشعب الصحراوي الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. وقد اضطلعت البعثة، طوال سنوات وجودها، بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار الميداني، فضلاً عن المهام المرتبطة بالتحضير للاستفتاء، الذي لم يتم تنظيمه بسبب الخلافات حول شروطه والهيئة الناخبة والمسائل المرتبطة بتنفيذه. غير أن هذا الوضع ظل قائماً لعقود، دون التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع، إلى أن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدفع باتجاه تغيير الإطار السياسي الذي تتم من خلاله معالجة القضية، مستندة إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007.
أولاً: خلفية المشروع الأمريكي وما الذي كانت واشنطن تسعى إلى تحقيقه؟
لم يكن المشروع الأمريكي الذي عُرض على مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026 مجرد مشروع تقني يرمي إلى تمديد ولاية بعثة المينورسو، وإنما كان يتضمن توجهاً سياسياً جديداً لإعادة صياغة دور الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، وتغيير طبيعة المهمة التي أُنشئت البعثة من أجلها. فقد استند المشروع الأمريكي، الوارد في الوثيقة S/2026/868، إلى اعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات، واعتبر الحكم الذاتي الحقيقي في إطار السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق. كما اتجه إلى تغيير اسم البعثة، بحذف الإشارة إلى الاستفتاء، لتصبح بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (MINUSO)، بدلاً من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO). ولم يتوقف الأمر عند تغيير التسمية، بل تضمن المشروع تصوراً لإعادة هيكلة البعثة وتقليص طابعها العسكري، وإنهاء مهمتها المتعلقة بحفظ السلام بصيغتها السابقة، والانتقال التدريجي إلى بعثة سياسية خاصة، مع إعادة تنظيم وجودها الميداني. وكانت هذه التوجهات امتداداً للمسار الذي سبق أن أرساه القرار رقم 2797 لسنة 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، مع الإبقاء في الوقت نفسه على الإشارة إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وإلى ضرورة التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه. ومن خلال هذا المسار، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى نقل القضية من إطار التسوية الذي تأسس سنة 1991، والذي كان يتضمن الاستفتاء كخيار لتقرير المصير، إلى إطار سياسي جديد تكون فيه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية نقطة الانطلاق الأساسية للمفاوضات. وهنا تكمن حساسية المشروع الأمريكي؛ إذ إن جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً حصرياً أو مرجحاً للمفاوضات، وإعادة تشكيل مهمة البعثة وفق هذا التوجه، من شأنه أن يغير ميزان العملية السياسية، ويضعف الإطار الذي كان يتيح للشعب الصحراوي المطالبة بخيار الاستقلال إلى جانب خيار الاندماج مع المغرب. وبعبارة أخرى، لم يكن الأمر يتعلق بمجرد تغيير اسم بعثة أممية، بل بتغيير المرجعية السياسية التي تتحرك في إطارها، وإعادة توجيه دور الأمم المتحدة من الإشراف على عملية تسوية تتضمن الاستفتاء إلى مواكبة مسار سياسي يتمحور حول الحكم الذاتي.
ثانياً: لماذا استعملت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة، وإلى السؤال الذي يستحق التوقف عنده: لماذا قررت روسيا استعمال حق النقض ضد المشروع الأمريكي، رغم أن ذلك كان يعني تعريض استمرار بعثة المينورسو للخطر؟ إن الموقف الروسي لا يمكن فهمه فقط من خلال التصريحات الدبلوماسية المتعلقة بالدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وإنما ينبغي أيضاً قراءته في سياق التنافس الدولي على النفوذ، وفي ضوء طبيعة المشروع الأمريكي والنتائج السياسية التي كان من الممكن أن تترتب على اعتماده. فروسيا أعلنت، خلال جلسة مجلس الأمن، أن المشروع الأمريكي يتضمن انحرافاً عن الأسس التاريخية التي قامت عليها تسوية النزاع، وأنه يربط تقرير المصير بمقترح الحكم الذاتي المغربي، بما يؤدي، من وجهة نظرها، إلى تهميش مقترح جبهة البوليساريو وإضعاف مبدأ التفاوض المتكافئ بين الطرفين. كما اعتبرت موسكو أن مجلس الأمن لا يملك أن يحسم مسبقاً مسألة السيادة على الإقليم، وأن الحل ينبغي أن يكون مقبولاً من المغرب وجبهة البوليساريو معاً، وألا يتم فرض تصور أحادي على أحد أطراف النزاع. وبالتالي، فإن روسيا رأت أن تمرير المشروع الأمريكي سيؤدي إلى تكريس توجه سياسي يخدم الرؤية الأمريكية والمغربية للحل، ويقلص من هامش المناورة أمام الطرف الآخر، فضلاً عن تغيير طبيعة الدور الأممي الذي ظل قائماً منذ سنة 1991. ومن زاوية التحليل الجيوسياسي، يمكن فهم هذا الموقف أيضاً باعتباره رفضاً روسياً لمنح الولايات المتحدة فرصة الانفراد بتوجيه مسار تسوية نزاع إقليمي ذي امتدادات استراتيجية، وإعادة تشكيل الإطار الأممي وفق التصور الذي تدعمه واشنطن. فروسيا لا تريد أن تتحول قرارات مجلس الأمن إلى مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية الدولية على تصورات سياسية تتبناها الولايات المتحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنزاع لم تتم تسويته بصورة نهائية، وما زال أحد أطرافه يتمسك بخيار تقرير المصير والاستقلال. ولذلك، فإن استعمال روسيا حق النقض لم يكن مجرد اعتراض إجرائي على صياغة مشروع القرار، بل كان رفضاً للمسار السياسي الذي أرادت الولايات المتحدة تثبيته من خلال ذلك المشروع.
ثالثاً: المأزق الروسي ومعضلة الاختيار بين أمرين أحلاهما مرّ
لكن المفارقة الكبرى في هذه القضية تكمن في أن روسيا، عندما قررت استعمال الفيتو ضد المشروع الأمريكي، كانت تعلم أن ذلك قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو وانتهاء وجودها بصيغته المعتمدة منذ سنة 1991. وهنا وجدت روسيا نفسها أمام خيارين صعبين: الخيار الأول هو السماح بتمرير المشروع الأمريكي، وهو ما يعني القبول بإعادة تشكيل مهمة المينورسو، والتخلي عن مرجعيتها المرتبطة بالاستفتاء، وتوجيه المسار السياسي بصورة أكبر نحو مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية، وهو ما تعتبره موسكو مساساً بمبدأ تقرير المصير وبالتوازن الذي يفترض أن يحكم العملية التفاوضية. أما الخيار الثاني، فهو استعمال حق النقض لإسقاط المشروع الأمريكي، مع العلم أن هذا الرفض قد يترتب عليه عدم التوصل إلى قرار بديل يجدد ولاية البعثة، وبالتالي انتهاء مهمتها وبدء سحب عناصرها من المنطقة. ولم تكن روسيا تجهل أن هذا الاحتمال وارد، خصوصاً أن الولايات المتحدة كانت قد دفعت باتجاه تغيير طبيعة البعثة، وأن استمرارها في صيغتها القديمة لم يعد يحظى بالتوافق اللازم داخل مجلس الأمن. ومع ذلك، اختارت روسيا استعمال حق النقض، لأنها رأت أن تمرير المشروع الأمريكي قد يؤدي إلى تغيير يصعب التراجع عنه في الأساس السياسي الذي قامت عليه تسوية النزاع. ولم تكتف موسكو بإسقاط المشروع الأمريكي، بل تقدمت بمشروع مضاد، حمل الوثيقة S/2026/870، يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على طبيعتها ومهمتها الأصلية، حتى يتسنى مواصلة الجهود الدبلوماسية دون فرض تغيير مسبق في مرجعية التسوية. لكن المشروع الروسي لم يحصل بدوره على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما صوتت لصالحه ثلاث دول فقط، وعارضته الولايات المتحدة، بينما امتنعت إحدى عشرة دولة عن التصويت. وهنا تتجلى حقيقة المأزق: روسيا أسقطت المشروع الأمريكي باستخدام الفيتو، لكنها لم تتمكن من تمرير مشروعها البديل، لأن الولايات المتحدة بدورها استطاعت تعطيل التجديد الذي كانت موسكو تسعى إليه، من خلال تصويتها ضد المشروع الروسي، وعدم حصوله على الأغلبية المطلوبة، فضلاً عن عدم تمكن موسكو من إقناع بقية أعضاء المجلس بالتصويت لصالحه. وهكذا، لم يتمكن أي من الطرفين من فرض تصوره على مجلس الأمن.
رابعاً: لماذا انتهت مهمة المينورسو؟ وهل كان ذلك هدفاً روسياً؟
من الضروري هنا التمييز بين استعمال روسيا حق النقض وبين القرار القانوني والسياسي الذي أدى إلى انتهاء ولاية البعثة. فالمينورسو لم تُنهَ بموجب قرار روسي أو قرار أمريكي صريح بحلها، وإنما انتهت ولايتها بسبب فشل مجلس الأمن في اعتماد أي من مشروعي القرارين المتنافسين قبل انتهاء التفويض القائم في 31 أكتوبر 2026. فالمشروع الأمريكي الذي حصل على أحد عشر صوتاً مؤيداً سقط بسبب الفيتو الروسي، بينما لم يحصل المشروع الروسي، الذي كان يرمي إلى تمديد المهمة بصيغتها الأصلية، على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده. وبذلك دخلت البعثة في وضع لم يعد يسمح لها بمواصلة عملياتها بموجب التفويض السابق، وانتهت ولايتها عند منتصف ليلة 31 أكتوبر، وبدأت الأمم المتحدة إجراءات إنهاء العمليات والانسحاب المنظم للعناصر والموظفين، مع الإبقاء على المساعي الدبلوماسية للأمين العام ومبعوثه الشخصي. وهذا يعني أن روسيا لم تكن تسعى، وفق تصريحات ممثلها في مجلس الأمن، إلى إنهاء مهمة المينورسو؛ بل كانت تطالب صراحة بتمديدها سنة أخرى. وقد وصف ممثلها الفيتو الروسي بأنه فيتو لإنقاذ البعثة، وحذّر من أن عدم تمديد ولايتها سيؤدي إلى إنهاء وجود الأمم المتحدة الميداني. ومن هنا يمكن القول إن روسيا وجدت نفسها أمام نتيجة لم تكن تريدها، ولكنها قبلت بمخاطرها بدلاً من الموافقة على المشروع الأمريكي. وهذا تحديداً ما يجعل موقفها مثالاً على الاختيار بين أمرين أحلاهما مرّ: إما السماح للولايات المتحدة بفرض تغيير جوهري في الإطار السياسي للبعثة، وإما إسقاط المشروع الأمريكي مع المخاطرة بفقدان الوجود الأممي الميداني. لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو أن تحميل روسيا وحدها مسؤولية انتهاء مهمة المينورسو يُعد قراءة غير مكتملة لما حدث داخل مجلس الأمن. فروسيا، باستعمالها حق النقض، أسقطت المشروع الأمريكي، لكنها لم تكن الطرف الوحيد الذي ساهم في الوصول إلى النتيجة التي انتهت إليها البعثة. ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تتمكن من تمرير مشروعها بسبب الفيتو الروسي، لم تقبل في المقابل بتمرير المشروع الروسي الذي كان يهدف إلى تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، بل صوتت ضده، وأسهمت بذلك بصورة مباشرة في إفشال محاولة الإبقاء على البعثة وفق مهمتها الأصلية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة كانت تدرك أن إسقاط مشروعها بالفيتو الروسي قد يفتح الباب أمام انتهاء ولاية البعثة، لكنها، عندما عرضت روسيا مشروعاً بديلاً لتجديد هذه الولاية، لم تدعم ذلك المشروع، بل وقفت ضده، ولم تعمل على توفير الأصوات اللازمة لإنقاذ استمرار المهمة. بل إن التحركات الدبلوماسية الأمريكية الرامية إلى حشد مواقف أعضاء مجلس الأمن لصالح توجهها السياسي، وعدم تأييد المشروع الروسي من جانب غالبية الدول، أسهمت في جعل تمديد الولاية أمراً مستحيلاً. ومن ثم، لا يمكن اختزال المسؤولية السياسية عن انتهاء وجود المينورسو في الفيتو الروسي وحده؛ لأن الفيتو الروسي منع اعتماد المشروع الأمريكي، في حين أن الموقف الأمريكي من المشروع الروسي ساهم في منع تجديد ولاية البعثة. وبمعنى أوضح، روسيا أسقطت المشروع الذي أرادت واشنطن تمريره، لكن واشنطن ساهمت بدورها في إسقاط المشروع الذي أرادت موسكو من خلاله الإبقاء على المينورسو. وهنا ينبغي التوقف عند نقطة جوهرية: لو كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل استمرار وجود بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، حتى بعد سقوط مشروعها الأول، لكان بإمكانها دعم مشروع التمديد الروسي أو التفاوض بشأن صيغة توافقية تسمح باستمرار المهمة إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي. لكنها اختارت التصويت ضد المشروع الروسي، الأمر الذي يكشف أن استمرار المينورسو بصيغتها القديمة لم يكن يتوافق مع التوجه الأمريكي الجديد بشأن النزاع. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن واشنطن لم تكن مجرد طرف ينتظر نتيجة استعمال روسيا للفيتو، وإنما كانت طرفاً فاعلاً في المعادلة التي أدت إلى انتهاء الولاية، لأنها رفضت أيضاً البديل الذي كان يمكن أن يحافظ على استمرار البعثة. أما الحديث عن تحريض الولايات المتحدة للدول الأخرى أو ممارسة ضغوط عليها للتصويت ضد المشروع الروسي أو الامتناع عن تأييده، فيندرج ضمن التحليل السياسي لتحركاتها الدبلوماسية، ويحتاج إلى الاستناد إلى تصريحات أو وثائق تثبت طبيعة تلك التحركات حتى يمكن الجزم به بوصفه واقعة ثابتة. وبالتالي، فإن الصورة الأكثر دقة لما حدث هي أن روسيا تتحمل مسؤولية إسقاط المشروع الأمريكي باستعمال الفيتو، بينما تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية موقفها الرافض لتمديد ولاية المينورسو من خلال التصويت ضد المشروع الروسي، مع عدم حصول هذا الأخير على الأصوات التسعة اللازمة. ولا يمكن بالتالي القول إن روسيا وحدها هي التي أنهت استمرار بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية؛ لأن الولايات المتحدة كانت تملك بدورها فرصة دعم استمرار البعثة، لكنها لم تستخدم تلك الفرصة. بل إن موقفها من المشروع الروسي جعلها شريكاً أساسياً في النتيجة النهائية، حتى وإن كان السبب الإجرائي المباشر لانتهاء الولاية هو عدم اعتماد قرار جديد قبل انتهاء التفويض السابق.
خامساً: ماذا تكشف هذه الواقعة عن حقيقة الصراع داخل مجلس الأمن؟
إن ما حدث بشأن الصحراء الغربية يكشف أن مجلس الأمن ليس دائماً فضاءً تتلاقى فيه الإرادات الدولية من أجل الوصول إلى حل توافقي، بل قد يتحول إلى ساحة مواجهة بين مشاريع متعارضة، بحيث يصبح مصير النزاعات الإقليمية مرتبطاً بقدرة القوى الكبرى على فرض رؤيتها أو منع الطرف الآخر من فرض رؤيته. فالولايات المتحدة كانت تريد إعادة توجيه مسار التسوية نحو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في حين كانت روسيا ترفض أن يتحول هذا التوجه إلى مرجعية وحيدة أو شبه محسومة للعملية السياسية، وتصر على الإبقاء على الأسس التي تسمح بمناقشة تقرير المصير دون استبعاد خيار الاستقلال. ومن هذه الزاوية، فإن استعمال روسيا للفيتو لا يعني بالضرورة أن موسكو استطاعت حماية المينورسو، بل يعني أنها فضّلت منع اعتماد مشروع ترى أنه يضر بالتوازن السياسي والقانوني للنزاع، حتى وإن كانت النتيجة المباشرة لذلك هي انتهاء ولاية البعثة. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة، التي لم تستطع تمرير مشروعها، لم تتجه إلى دعم المشروع الروسي الذي كان من الممكن أن يضمن استمرار البعثة، بل صوتت ضده، وهو ما يجعل مسؤوليتها عن النتيجة النهائية جزءاً أساسياً من فهم ما جرى، ولا يسمح بتقديم الفيتو الروسي باعتباره السبب الوحيد في إنهاء وجود المينورسو. كما أن الولايات المتحدة، من جهتها، لم تكن مجرد دولة تسعى إلى تمديد مهمة أممية، وإنما كانت تحاول تحويل الزخم الدبلوماسي الذي تحقق في إطار القرار 2797 لسنة 2025 إلى واقع مؤسساتي جديد، ينعكس على تسمية البعثة واختصاصاتها وطبيعة وجودها في المنطقة. وعندما فشلت في تمرير مشروعها، لم تدعم في المقابل استمرار البعثة وفق الصيغة التي اقترحتها روسيا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان الهدف الأمريكي يتمثل فقط في إعادة هيكلة المينورسو أم في إنهاء مهمتها بصيغتها السابقة، وإغلاق مرحلة من مراحل التدخل الأممي الذي استمر منذ سنة 1991. وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بالخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو، وإنما تتجاوز ذلك إلى تنافس دولي على تحديد المرجعية التي ستُحلّ في إطارها القضية، وعلى الطرف الذي سيكون له التأثير الأكبر في توجيه مستقبل التسوية. يمكن القول إن ما حدث في الصحراء الغربية من منظور سياسي واستراتيجي يكشف أن روسيا وجدت نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف: إما السماح بتمرير المشروع الأمريكي، بما يحمله من تغيير في طبيعة مهمة المينورسو وتوجيه للمفاوضات نحو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإما استعمال الفيتو لإسقاط المشروع، مع احتمال فقدان البعثة الأممية التي كانت تسعى إلى استمرارها. وقد اختارت روسيا الخيار الثاني، لأنها اعتبرت أن التنازل عن الأسس التي قامت عليها تسوية النزاع أخطر من تحمل تبعات انتهاء ولاية المينورسو. لكن النتيجة النهائية كانت أكثر تعقيداً: الولايات المتحدة لم تتمكن من تمرير مشروعها، وروسيا لم تتمكن من تمرير مشروعها المضاد، والشعب الصحراوي وجد نفسه أمام واقع جديد يتمثل في غياب البعثة الأممية التي ظلت لعقود تؤدي دوراً في مراقبة وقف إطلاق النار والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الميداني. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: قد تستعمل دولة كبرى حق النقض دفاعاً عن تصور سياسي معين، لكنها لا تستطيع بالضرورة ضمان النتائج التي ستترتب على ذلك الاستعمال، لأن الطرف الآخر يمتلك بدوره أدوات التعطيل والتأثير. والأكثر دلالة في هذه القضية أن روسيا لم تكن وحدها صاحبة القرار الذي أدى إلى عدم استمرار المينورسو؛ فقد أسقطت المشروع الأمريكي بالفيتو، لكن الولايات المتحدة أسهمت بدورها في منع تمديد البعثة عندما صوتت ضد المشروع الروسي، ولم توفر دعماً بديلاً لاستمرارها. وبذلك لا يمكن إعفاء واشنطن من المسؤولية السياسية عن النتيجة، ولا اختزال ما حدث في مجرد قرار روسي منفرد. وهكذا يصبح النزاع الدولي رهينة لتوازنات القوى الكبرى، في حين تظل الشعوب المعنية هي التي تتحمل قسطاً كبيراً من نتائج هذا الصراع. وهذا هو جوهر الإشكال الذي أريد التأكيد عليه: إن الصراع بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن قد يجعل مصالح الدول وحساباتها الاستراتيجية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية والسياسية للشعوب التي تعيش تحت وطأة النزاعات، حتى عندما يكون الهدف المعلن من تدخل تلك القوى هو تحقيق السلام والاستقرار . أمستردام
#علي_لهروشي (هاشتاغ)
Ali_Lahrouchi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المغرب : حين ينتفض أبناء الأطلس ضد الانتهازية الحقوقية، تفضح
...
-
المغرب: هل يفلح القصر الملكي هذه المرة في فرض ملك جديد على ا
...
-
الثروة للشعوب، لا للرأسمالية الخاصة ولا للخوصصة ونهب المال ا
...
-
المغرب: الملكية الديكتاتورية وتفريخ الأحزاب السلطوية، من جبه
...
-
مسرحية الانتخابات بالمغرب، المحسومة نتائجها قبل إجرائها
-
على إثر انتصار المغرب على هولندا في تصفيات كأس العالم 2026
-
المغرب: خمس سنوات سجناً نافذاً لجمهوري مغربي مساند لفلسطين و
...
-
صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح
-
التضامن مع إيران وغيرها؛ فلا انتماء عرقي أو أيديولوجي أو مذه
...
-
استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية
-
خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران
-
هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم
...
-
العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع
...
-
المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
-
المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل
...
-
ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
-
الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
-
المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش
...
-
المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى
...
-
المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
المزيد.....
-
حاكم فلوريدا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي: -تهديد للوجود
...
-
متحدث خارجية إيران يعلق ويبيّن معنى نتائج الانتخابات النصفية
...
-
ترامب ينتقد مجلس الشيوخ لتأخيره إقرار إلغاء تغيير التوقيت
-
الشماتة الإيرانية قد تدفع ترامب لاستئناف الحرب
-
إعصار يضرب البرازيل ويتسبب بدمار هائل في مطار شابيكو
-
ترامب تحت الضغط لإطالة حصار إيران بحريا
-
موسكو تحذر أوروبا من إطلاق عمل عسكري في البحر الأسود
-
تقرير اتحاد شركات الطيران العربية يتوقع خسارة صافية بـ3.82 م
...
-
السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
-
لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|