أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران















المزيد.....


خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 10:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة إمبريالية لها وزنها في النظام الدولي، دخل العالم مرحلة جديدة من الصراعات السياسية والعسكرية. هذه المرحلة تميزت بسلسلة طويلة من الحروب والتدخلات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة بشكل مباشر أو غير مباشر في مناطق عديدة من العالم، خاصة في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه لعب الكيان الصهيوني الإسرائيلي دورًا أساسيًا في العديد من هذه الصراعات ضمن سياق استراتيجي أوسع مرتبط بتوازن القوى في المنطقة. هذه الحروب لم تكن مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل كانت أحداثًا تاريخية كبرى أعادت تشكيل الخريطة السياسية في عدد كبير من الدول، وتركت آثارًا عميقة على شعوبها واقتصاداتها واستقرارها السياسي، لا لشيء إلا لفرض الهيمنة الأمريكية الصهيونية الإمبريالية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وتجاريًا وماليًا و ثقافيا من خلال فرض عملة الدولار وربطها بالنفط والتجارة العالمية في كل التعاملات.
خاضت الولايات المتحدة الأمريكية منذ منتصف القرن العشرين عددًا كبيرًا من الحروب. من أبرزها حرب كوريا في خمسينيات القرن الماضي، ثم حرب فيتنام التي استمرت سنوات طويلة وأسفرت عن ملايين الضحايا. كما شاركت في حروب وتدخلات عديدة في أمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط تحديدًا، حيث كان للحروب الأمريكية تأثير كبير. فقد شنت عدوانها بالخليج سنة 1991، ثم على العراق سنة 2003 الذي انتهى بإسقاط نظام صدام حسين وشنقه بعد محاكمة سياسية مثيرة للجدل. كما شنت العدوان على أفغانستان سنة 2001 بهدف القضاء على طالبان وتنظيم القاعدة بعد اتهامهما بهجمات الحادي عشر من سبتمبر. واستمر هذا العدوان عشرين عامًا كاملة قبل أن تنسحب القوات الأمريكية ويعود نفس تنظيم طالبان إلى الحكم من جديد في أفغانستان، وهو ما طرح تساؤلات كبيرة حول جدوى ذلك العدوان والحرب الطويلة.
أما الكيان الصهيوني الإسرائيلي فقد خاض بدوره سلسلة طويلة من الحروب منذ فرضه على المنطقة من طرف القوى الاستعمارية، من بينها حرب 1948، وحرب 1967، وحرب 1973، إضافة إلى شن عدوان بين حين وأخر على كل من لبنان وسوريا وإيران وما تبقى من فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة. هذا العدوان الغاشم شكل جزءًا من الصراع المستمر في المنطقة، وأدى إلى تغييرات كبيرة في جغرافية المنطقة وفي موازين القوى، لم يستفد منه سوى الكيان الصهيوني الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية التي تستنزف ثروات وخيرات المنطقة من غاز ونفط، وتبيع أوهامها و أسلحتها وتفرض خططها وأوامرها وأجندتها على الشرق الأوسط بدعوى حماية أنظمته الحاكمة من الزوال مقابل الهيمنة على جميع الأصعدة، وفي كل الحروب المرتبطة بالكيان الصهيوني الإسرائيلي في الشرق الأوسط سقطت أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين والعسكريين، إضافة إلى تهجير ملايين الأشخاص وتدمير واسع للبنية التحتية.
وغالبًا ما تقدم الولايات المتحدة أسبابًا سياسية وأخلاقية لتبرير عدوانها، مثل الدفاع عن الأمن القومي، ومحاربة الإرهاب، و نزع الأسلحة النووية ، ونشر الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان. ففي حالة العراق تم تبرير الحرب بوجود أسلحة دمار شامل وبضرورة إسقاط نظام صدام حسين. لكن بعد سنوات من العدوان تبين أن مسألة أسلحة الدمار الشامل لم تثبت صحتها، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول الأسباب الحقيقية للعدوان الذي تم شنه من قبل الدول الغربية الطاغية المتحالفة. وفي أفغانستان كان الهدف المعلن هو القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكم طالبان. لكن بعد عشرين عامًا من العدوان والحصار وتجويع الشعب الأفغاني عاد طالبان إلى الحكم، وهو دليل قاطع على فشل المشروع العسكري الأمريكي في تحقيق أهدافه المعلنة. لقد خلف هذا العدوان أعدادًا هائلة من الضحايا، حيث تشير تقديرات مختلفة إلى أن العدوان على العراق أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين، بينما أدى في أفغانستان إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا. كما قُتل آلاف الجنود الأمريكيين، إضافة إلى إصابة عشرات الآلاف منهم بجروح دائمة. أما الخسائر الاقتصادية والمالية فقد بلغت تريليونات الدولارات.
فالعدوان الذي شنته الولايات المتحدة أدى إلى تغييرات سياسية كبرى في عدد من الدول. في العراق تم إسقاط نظام صدام حسين، لكن البلاد دخلت في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والصراعات الطائفية. وفي أفغانستان سقط نظام طالبان ثم عاد مرة أخرى بعد عشرين عامًا من العدوان. وفي ليبيا سقط نظام معمر القذافي، لكن البلاد دخلت في حالة من الانقسام السياسي والصراع المسلح الذي لم يعرف نهايته بعد. كما شهدت المنطقة سقوط أنظمة أخرى مثل نظام حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، إضافة إلى الأحداث التي شهدها اليمن مع علي عبد الله صالح. بينما في سوريا تعقد الصراع بشكل كبير، فقد ظهرت جماعات مسلحة متعددة، بعضها معارض للنظام وبعضها يحمل أفكارًا متطرفة إرهابية. وتم خلال هذه الحرب قتال تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا ضمن تحالف دولي واسع تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه الحرب أظهرت أيضًا مدى تعقيد الصراعات في المنطقة، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية وتتشابك التحالفات بين أطراف متعددة، وهو ما جعل هذا التحالف الغربي يساند عدوه المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية للانفراد بالحكم في سوريا، والتضحية بالأكراد ونكران مجهوداتهم وخدماتهم التي قدموها للصهيونية الأمريكية في المنطقة مقابل وعد بتحريرهم واستقلالهم، وهو ما يكشف بوضوح عن الوجه الشرير للولايات المتحدة، التي تعلن علانية بأنه ليس لديها عدو دائم ولا صديق دائم، بل لديها مصالح دائمة، ومن أجل تحقيق هذه المصالح فهي مستعدة للتحالف مع الشيطان إن لم تكن هي الشيطان نفسه كما يصفها الإيرانيون بذلك.
ويظل دور المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان عاجزًا أمام قيامها بأي دور لإيقاف طغيان وتعنت وجرائم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل، التي لا أحد يجرؤ على مطالبتها بالتخلص من أسلحتها الفتاكة والنووية التي تمتلكها ولا تخفي ذلك عن أحد في تحدٍ سافر للجميع، فيما تتجرأ هذه المؤسسات الدولية على عرض انتقاداتها اللاذعة وعظلاتها على الدول الأخرى التي ليست من مستوى القوى الإمبريالية الصهيونية الاستعمارية، وعلى رأسها أمريكا. فهذه المؤسسات يفترض أن تكون محايدة ومستقلة وأدوات لتحقيق العدالة الدولية وحماية الإنسان لو كان هناك توازن دولي حقيقي، لكنها في الواقع تتأثر بالتوازنات السياسية وتنبطح أمام القوى الكبرى. فبعض الدول يمكن أن تواجه عقوبات دولية أو محاكمات وحصارًا، بينما تتمتع دول أخرى بحماية سياسية بسبب نفوذها داخل مجلس الأمن أو تحالفاتها الدولية.
فالدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ترفع شعار الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لتبرير تدخلاتها في الشؤون الداخلية لبعض الدول. لكن هذه السياسة تبدو متناقضة. فبينما يتم التدخل في بعض الدول بحجة دعم الديمقراطية وفرض الحرية وحقوق الإنسان، تغض الطرف وتحافظ نفس الولايات المتحدة والدول الغربية على علاقات قوية مع أنظمة ديكتاتورية مثل محميات الخليج والمغرب، حيث لا حرية ولا كرامة ولا حقوق الإنسان ولا ديمقراطية، بل تكميم الأفواه واغتيال وتصفيات واختطاف وتعذيب المعارضين والزج بالمناضلين في السجون عبر محاكمات صورية انتقامية. وهذا يطرح سؤالًا منطقيًا: إذا كانت النية صادقة في تحرير الشعوب من بطش الديكتاتورية، فلماذا لا يتم التدخل في هذه الدول أيضًا أو على الأقل إثارة جرائمها والتعريف بها ورفع السرية عنها والتوقف عن مساندتها وتحسين صورتها؟
إن الهدف الاستراتيجي لهذه السياسات يتمثل في فرض الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي وإضعاف الدول المنافسة، وإضعاف الدول المجاورة لإسرائيل خدمة لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وفتح الطريق أمام مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وفي هذا السياق يتم تنفيذ الخطاب الديني من خلال استعمال الخطاب السياسي والعدوان العسكري لتطبيق نصوص دينية أو ما ورد في الكتب السماوية في إطار ميتافيزيقي بدل تحميل المسؤولية للقرارات السياسية البشرية.
وبذلك يعيش الإنسان اليوم في عالم مضطرب، عالم يتزايد فيه الشعور بعدم الأمان، وكأن القيم التي بُنيت عليها العلاقات الدولية قد تلاشت أو جرى تجاوزها دون مساءلة. لقد أصبح من الصعب على أي إنسان يتابع ما يجري حوله أن يقتنع بأن هناك نظامًا دوليًا حقيقيًا يحكم العالم، أو أن هناك مؤسسات قادرة فعلاً على فرض القانون الدولي أو حماية الضعفاء من تغول الأقوياء. فالواقع الذي يتكشف يومًا بعد يوم يوحي بأن العالم الحالي صار أشبه بغابة، يأكل فيها القوي الضعيف، ويهرول فيها الجميع تقريبًا خلف القوة والنفوذ، حتى وإن كان ذلك عبر الأوهام أو عبر التبريرات السياسية والإعلامية الواهية. فلم يعد الكثير من الناس يسألون أنفسهم أو ضمائرهم عن معنى العدالة الحقيقية أو المسؤولية الفردية والجماعية لحماية الحق والقانون، بل صار المعيار في كثير من الأحيان هو من يملك القوة ومن يفرض الأمر الواقع.
إن العالم الحالي الذي نمر منه غير آمن، ولا أحد يقوم بواجبه محترمًا لعمله ولوظيفته ومتحمّلًا لمسؤوليته، ولا أحد يسأل أو يتساءل مع ذاته وضميره عن أن منطق الهيمنة والربح والقوة والقرصنة والنهب والسرقة، والأكاذيب والافتراءات والتبريرات التي يستعملها الصهاينة لقتل الأبرياء، صارت هي السبيل الوحيد لشرعنة عدوانهم العسكري والاستخباراتي والاقتصادي و الإعلامي عبر فرضهم للحصار الاقتصادي والتجاري، والمالي و تجميدهم لأموال الدول المستهدفة.
في هذه الحروب القذرة التي شنتها، ولا تزال تشنها، الصهيونية الإمبريالية المتمثلة في كل من أمريكا والكيان الإسرائيلي على الكثير من الدول، تنكشف بعض الأشياء للإنسان المتتبع، حيث يُظهر بعض الناس ممن لا تأثير لهم لا على العدوان ولا على المقاومة ولا على الأحداث، كراهيتهم وحقدهم على الدول المظلومة ومساندتهم للدول الظالمة. كما يصبح نفس الإنسان المتتبع والمهتم بمجريات الأحداث، والعارف والمدرك لأهداف ونوايا وأغراض هذه الصهيونية الإمبريالية في الاستحواذ على العالم واستعباد الإنسان، مدركًا أن الإعلام المأمور والموجَّه لن يعطي أي خبر أو معلومة صحيحة تظهر أن إيران، التي تتعرض الآن للعدوان، قوية وتقاوم ولديها تكنولوجيا حديثة غير متوقعة، لأن ذلك قد يجعل المستمع والمشاهد والقارئ يدرك أن أمريكا ليست قوية كما يُروَّج لذلك، وأن أوروبا ضعيفة. ومن جانب آخر، وبشكل ديكتاتوري، لجأت أوروبا عبر العصابة المسيرة للاتحاد الأوروبي وللبرلمان الأوروبي إلى حجب كل وسائل الإعلام الروسية التي قد يستطيع الإنسان الأوروبي الوصول من خلالها إلى أخبار ومعلومات ومعطيات تفند ما يروجه الإعلام الصهيوني و الأوروبي من أكاذيب.
لقد تم تجاوز القانون الدولي، وتجاوزت معه المؤسسات الدولية التي كان يفترض بها أن تكون الضامن لتوازن العالم وعدالته. فأصبحت الهيمنة و تحقيق الأرباح الخيالية السريعة هي أظهارالقوة والقرصنة والنهب والسرقة كلوسائل أساسية لفرض الذات على الآخرين. وفي ظل هذا المشهد، تتكرر أحداث ووقائع تثير أسئلة عميقة حول حقيقة ما يجري في العالم. فعلى سبيل المثال، فالهجوم الذي طال فنزويلا، واختطاف رئيسها المنتخب من أجل الهيمنة على نفطها وذهبها، وحوادث اختطاف سفن نقل النفط في المياه الدولية من قبل قوى كبرى مثل الولايات المتحدة أو فرنسا، كما تتكرر الاعتداءات الإسرائيلية على بلدان الجوار في الشرق الأوسط، دون أن يُحاسَب أحد أو يُطرح السؤال الجاد حول مسؤولية هذه الأفعال. كل هذه الوقائع، سواء اختلف الناس في تفسيرها أو في تقييمها، تطرح سؤالًا واحدًا: أين هي المؤسسات الدولية؟ وأين هو القانون الدولي الذي يفترض أن يضبط العلاقات بين الدول؟ ولماذا يبدو أن هذه المؤسسات قد جرى تعطيل قراراتها وتهميشها بالكامل؟
إن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال العقود الماضية تركت آثارًا عميقة في النظام الدولي وفي الشرق الأوسط بشكل خاص. هذه الحروب طرحت أسئلة كبيرة حول العلاقة بين القوة والسياسة، وبين الشعارات المعلنة والمصالح الاستراتيجية. ويبقى السؤال الأساسي المطروح اليوم هو كيف يمكن بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة، يضمن احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب ويحد من الحروب والتدخلات التي تدفع الشعوب ثمنها الأكبر.
إن الإنسان الذي يحب السلام والأمن والاستقرار للجميع يجد نفسه وسط تناقضات صارخة. من جهة، تُرفع شعارات كبرى عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، تتكرر الحروب والتدخلات والصراعات التي يدفع ثمنها الأبرياء. وفي هذا السياق فإن الإمبريالية الصهيونية ودورها في الصراعات الجارية، وعن التحالف الذي يجمع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في سياسات قائمة على الهيمنة والتوسع وفرض الأمر الواقع، إذ أن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي مرتبط ومبني على الحروب والصراعات أكثر مما هو مرتبط بالسلم والاستقرار.
وفي خضم العدوان والاعتداءات الواضحة خلال الحرب القذرة التي شنتها وتشنها هذه الإمبريالية الصهيونية، المتمثلة في الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، على إيران، بدأت تتكشف أمور كثيرة للإنسان المتابع للأحداث. فهناك من يظهر موقفًا معاديًا لإيران، وهناك من يقف إلى جانبها، بينما يبدو بعض الناس وكأنهم لا ينتمون إلى أي تأصيل واضح، لا على مستوى العدوان ولا على مستوى المقاومة، بل يظهرون كراهية للمظلوم وتعاطفًا مع الظالمين، وكأنهم يعتقدون أن ذلك قد يعود عليهم بالنفع أو القرب من القوة.
وهنا يجد الإنسان المتابع نفسه أمام حالة من الضياع الإعلامي. فهو يتنقل بين الأخبار والصور والفيديوهات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وبين التصريحات الرسمية الصادرة عن أطراف الصراع المختلفة. ففي الوقت الذي تصرح فيه الجهات الأمريكية والإسرائيلية بأنها حققت أهدافها في عدوانها على إيران، وأن النظام الإيراني قد انتهى، وأن صواريخه وعتاده العسكري ومختبراته و ثكناته قد دُمّرت، وأن مضيق هرمز أصبح مؤمَّنًا بالكامل، تأتي تصريحات مضادة من الجانب الإيراني تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل قد أخفقتا في تحقيق أهدافهما، وأن إيران ما تزال قوية وستظل قوية، وأن نظامها السياسي موحد ومتماسك مع شعبه. بل إن الخطاب الإيراني يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يؤكد أن مضيق هرمز قد أُغلق، وأن أي سفينة تحاول تحدي هذا الإغلاق قد تتعرض للتدمير أو الإحراق.
أمام هذه الروايات المتناقضة، يجد الإنسان الباحث عن الحقيقة نفسه حائرًا. فهو يريد خبرًا صادقًا ومعلومة دقيقة، انسجامًا مع الفكرة التقليدية التي تقول إن مهنة الصحافة مهنة نبيلة تقوم على نقل الأحداث كما هي. لكن الواقع المعاصر يظهر أن الأمر لم يعد بهذه البساطة. لقد تحول الإعلام إلى مجرد بوق للسياسيين أو لأجهزة الاستخبارات أو للمصالح الاقتصادية الكبرى. الأخبار التي تُبث — سواء كانت سمعية أو بصرية أو مكتوبة — غالبًا ما تكون متماشية مع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والإيديولوجية والتحالفية للدول التي تنتمي إليها هذه الوسائل الإعلامية. ولهذا لم يعد الإعلام يفي لا بالأمانة ولا بالرسالة النبيلة التي خُلق من أجلها، وبهذا لم تعد ثقة الإنسان في الإعلام كما كانت في السابق.
فالإعلام الأوروبي، على سبيل المثال، لا يبث إلا الأخبار والمعلومات التي تتماشى مع ما تريده السياسات الغربية المتحالفة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالتالي، فإن هذا الإعلام لا ولن يعطي مساحة للأخبار التي قد تظهر أن إيران، رغم تعرضها للهجوم، لا تزال قوية أو تملك تكنولوجيا عسكرية متقدمة غير متوقعة. لأن مثل هذه الأخبار قد تزعزع الصورة التي جرى ترسيخها في أذهان الجمهور حول القوة المطلقة والساحقة للولايات المتحدة، أو قد تكشف في المقابل ضعف القوى الغربية بما فيها أوروبا. كما أن أوروبا نفسها، وبشكل يتناقض مع الشعارات التي ترفعها حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الوصول إلى المعلومة، قد لجأت إلى حجب وسائل الإعلام الروسية، مما يمنع كثيرًا من المواطنين الأوروبيين من الاطلاع على روايات أخرى قد تفند أو تناقض ما يقدمه الإعلام الغربي. أما الجانب الأمريكي والإسرائيلي فهو معروف بفرض تعتيم إعلامي صارم وأوامر عسكرية تمنع نشر أي أخبار قد تظهر إخفاقاتهما أو حجم الخسائر أو الفشل في تحقيق الأهداف، وذلك بهدف الحفاظ على صورة القوة التي لا تُقهَر، وعلى الهيبة المرتبطة بالسلاح والقوة العسكرية.
لقد نشئ الاتحاد الأوروبي أساسًا من أجل تحقيق الوحدة والقوة والتعدد من مجموعة الدول الأوروبية حتى يصبح قوة عالمية قادرة على منافسة القوى الكبرى مثل روسيا والصين والهند وأمريكا. لكن الواقع يظهر أن هذا الاتحاد الأوروبي غالبًا ما يبدو ضعيفًا أمام الولايات المتحدة. فحتى الدول الأوروبية المؤثرة مثل فرنسا وألمانيا لا تستطيع وغير قادرة على إبرام صفقات استراتيجية كبرى مثل بيع الغواصات لكل من كندا وأستراليا دون مواجهة اعتراض أمريكي. كما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى أزمة اقتصادية وسياسية كبيرة في أوروبا. فقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغاز والنفط في الأسواق الأوروبية. كما أدى ذلك إلى ارتفاع التضخم وغلاء المعيشة ونقص بعض المواد الأساسية، مما أثر بشكل مباشر على المواطنين الأوروبيين وعلى الصناعة الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة. في حين أن قوة الاتحاد الأوروبي تكمن في وحدته واستقلال قراره السياسي، وفي قدرته على بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى. كما أن الشراكة والتعاون والإخاء والاتحاد والاندماج مع روسيا الاتحادية هو المخرج العقلاني الذي لا مفر منه، وهو القوة الضاربة التي تجعل الولايات المتحدة الأمريكية تعود إلى حجمها وتحترم قدرات الآخرين، وهذا الاتحاد مع روسيا يعتبر عنصرًا مهمًا في تحقيق الازدهار والتقدم والاستقرار الاقتصادي والمالي والأمني والسلم العالمي، ويوفر الطاقة ويضع أوروبا في موضع قوي بإمكانها أن تفرض قراراتها وإملاءاتها ندا للند مع الولايات المتحدة الأمريكية عوض أن تكون تابعة لها.
وهكذا يجد الإنسان نفسه في وسط ضباب كثيف من المعلومات المتناقضة والدعاية السياسية. تتداخل الأخبار مع الإشاعات، وتتداخل الحقيقة مع الدعاية، ويصبح من الصعب على المتابع العادي أن يعرف من يقول الحقيقة ومن يمارس التضليل. في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الكبير معلقًا: إلى أين يمكن للإنسان أن يتجه ليحصل على خبر صادق؟ ومن هي الجهة الإعلامية التي يمكن الوثوق بها في نقل الأحداث كما هي؟ وهل ما زال هناك إعلام يحترم عقل الإنسان ويحترم الرسالة النبيلة التي وُجد من أجلها؟
إن هذه الأسئلة ليست مجرد تساؤلات عابرة، بل هي تعبير عن قلق عميق يشعر به كثير من الناس في عالم يبدو أنه يفقد تدريجيًا بوصلته الأخلاقية والإنسانية. فإذا كان القانون الدولي قد جرى تجاوزه، وإذا كانت المؤسسات الدولية قد عُطِّلت، وإذا كان الإعلام قد تحول إلى أداة للدعاية المغرضة، فإن الإنسان العادي سيبقى عالقًا بين روايات متصارعة، باحثًا عن الحقيقة وسط عالم يتزايد فيه الضجيج وتقل فيه اليقينيات. وفي النهاية، ربما تكون أكبر أزمة يعيشها الإنسان المعاصر ليست فقط الحروب أو الصراعات، بل أزمة الثقة: الثقة في كل شيء بدءًا بالسياسة والسياسيين، ثم القانون، والثقة في المؤسسات، والثقة في الإعلام الذي يستنزف جيوب المواطنين من خلال الأموال الباهظة التي يتلقاها من مؤسسات الضرائب، ورغم ذلك يخل بواجبه ويخون الرسالة النبيلة والأمانة التي خُلق من أجلها، ناهيك عن ثقة الإنسان في إمكانية أن ينتصر العدل والحق يومًا ما على منطق الأنانية والقوة والغطرسة والهيمنة والظلم والطغيان.
إن تعجرف أمريكا ورئيسها الحالي دونالد ترامب، الذي أهان مرارًا الحكام الأوروبيين ونعت بلدانهم بالمتخلفة، بل هددهم برفع الرسوم الجمركية على كل البضائع والمواد التي يتاجرون بها مع أمريكا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل هددهم علانية برغبته في احتلال أرض الدنمارك "غرينلاند"، وفرض عليهم رفع ميزانية الدفاع بنسبة خمسة في المائة من الميزانية العامة لكل دولة. وقد هرع الجميع كالأطفال لتنفيذ ذلك، باستثناء إسبانيا وإيرلندا اللتين تقفان في وجه الرئيس الأمريكي، وقد انضمت إليهما النرويج مؤخرًا. وهذا الرعب هو ما جعل الكاتب العام لحلف الناتو الهولندي "مارك روت" ينادي الرئيس الأمريكي بالأب، لمنحه مكانة قوية لما يحمله الأب من هيبة وتوجيه ومكانة داخل الأسرة، فهو يراقب ويأمر ويربي أبنائه، وبالتالي فقد وضع الحكام الأوروبيون أنفسهم مكان أبناء الرئيس الأمريكي الذي يهينهم كما يشاء. ومع ذلك، لم تحسب أمريكا لهذه التصرفات حسابًا من قبل، لأن غضب الأوروبيين مؤخرًا عجل ببعضهم أن يستيقظ من الوضع المهين الذي وضعوا أنفسهم فيه أمام الرئيس الأمريكي، وجعلهم يراجعون حساباتهم ويظهرون نوعًا من العصيان عن تنفيذ أوامر أمريكا. وهو ما جعلهم لم يتورطوا بعد في تحالفهم الجماعي ضد إيران، كما كان شأن انسياقهم جماعة كالخراف في تحالفهم مع أمريكا ضد العراق. فلو كان الرئيس الأمريكي سياسيًا محنكًا، لنافقهم و أخفى إهانته لهم إلى حين حتى يجرهم للتحالف معه ضد إيران قبل أن يظهر أنيابه ضدهم، لكن رب ضارة نافعة، حيث أنه من حسن حظ إيران أن الذئاب لم تجتمع كلها على الفريسة.

أمستردام



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم ...
- العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع ...
- المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
- المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل ...
- ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
- الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
- المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش ...
- المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى ...
- المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
- صرخة مناضل في مغرب بلا أمل
- مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
- المسافة بين الهروب والمواجهة
- قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ ...
- جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
- المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء ...
- المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور ...
- المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و ...
- من وراء دعوات الحوار بين المغرب والجزائر؟
- مظاهرات جيل -زد - بالمغرب وديكتاتورية محمد السادس، حين يتحوّ ...
- هولندا تحقق في قضية تجسس المغاربة وتستدعي مدير الاستخبارات ا ...


المزيد.....




- هل أصبحت الموضة مقتصرة على أصحاب الملايين فقط؟
- سائق حافلة يتقاضى أجره بعملة نادرة تعود لأكثر من ألفي عام
- أول تعليق من الكرملين على قرار ترامب بشراء النفط الروسي
- هل الحرب هذه على إيران بداية لحرب عالمية ثالثة؟ - مقال في ال ...
- خسائر فادحة.. ما مستقبل قطاع السياحة في دول الخليج بعد حرب إ ...
- لم الشمل في ألمانيا: 4029 طلباً.. وتأشيرتان فقط
- تابعوا التقرير الحصري لفرانس24 بمدينة الصور في جنوب لبنان
- ماكرون يدعو إسرائيل إلى -محادثات مباشرة- مع لبنان في باريس ب ...
- من مقعد الحكواتي إلى شاشة التلفزيون.. الجذور التاريخية للشغف ...
- 5 أسئلة عن القصف الأمريكي لجزيرة خارك الإيرانية


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران