أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي لهروشي - صرخة مناضل في مغرب بلا أمل















المزيد.....



صرخة مناضل في مغرب بلا أمل


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:54
المحور: الادب والفن
    


من جاء بي نطفةً من ماءٍ مهين إلى هذه الأرض القاحلة؟ ولمن أحكي واقعتي المبتورة من جسد اليأس والدمار؟ ولمن أقدّم نفسي ككائنٍ لا صلة له بأرضٍ يهواها ويعشقها حدّ الجنون؛ أرضٍ لا ينفعني مطرها، ولا ثلجها، ولا بحرها، أرضٌ لن تمدّني بشيء، ولو هطلت سماؤها نفطًا، وانهمر المال فيها زخّاتٍ كالمطر؟
أنا أسكنها حقًّا، لكنني لستُ من أولئك الذين ينتفعون بثمارها، ولا من المتقنين فنَّ امتصاص خيراتها. من انتزع نصيبي منها كما تُنتزع الرضاعة من فم صبيّ؟ أهو مفعول الجِعَة الفاسدة؟ أم علبة سجائر مهرّبة ممزوجة بالمخدّر يستهلكها حُماة الطاغية؟ أم بقرار «شوفيني» صادر من بين أسوار القصور الملكية البالية؟ أم بأمرٍ خرج من شفتي الحاكم الطاغية، أو من رحم نظامٍ ملكيّ فاسدٍ لا يرى فيّ سوى رقمٍ زائد في هذه البلاد التعيسة؟
متى كانت الأظافر الحادّة تمزّق لحم صاحبها حتى مزّقت أظافري جسدي إربًا إربًا؟ هل باعوا مكاني حتى في
الجنّة مقابل حبّة أسبرين تُهدّئ غليان دماغي؟ من ختم على حظّي كما خُتم على قلوب القضاة وهم يحكمون بالباطل؟ من أطفأ ناري، فصرتُ سلبيًّا، مهزومًا، معطّلًا، كمن نُهب على يد محامٍ يتقن لصوصية النصوص القانونية؟ لماذا تُركتُ جيفةً بين الأحياء من المهمَّشين، في مجتمعٍ مغربيٍّ يشبه السوق؟
إن سألتني عن البحر، فأنا زبده الملعون، تقذف أبواب الحانات بجثّتي كما تقذف الأمواج شاطئًا حجريًا. وإن سألتني عن الشمس، فأنا خيطُها الأصفر في صباحٍ صيفيّ. وإن سألتني عن النار، صرتُ جمرًا متّقدًا في قعر معبدٍ مجوسيّ. يعجبك أن تعرف منّي كلّ شيء: عن الناس، عن النجوم، عن الليل والظلام؛ لكنني لن أحدّثك إلا عن الحزن والسكون، عن لؤلؤٍ ملطّخٍ بالدم. تخشى أن تسألني عن الحقيقة، وعن الإيمان، وعن الأمان، لأنك تستنتج أنّني لم أنبت كالشجرة أو الوردة في محيطهم؛ فجذورهم منغرِسة في زمنٍ مثقلٍ بالانتكاسات، ولم يتعلّم أحد بعد كيف يفصل الخيوط البيضاء عن السوداء.
في مساءٍ هادئ، ركنتُ إلى مقهى اعتادت قدماي أن تجرّاني إليه، رغم المرض والإعياء اللذين انتاباني ذلك اليوم. مقهى قابع عند زاوية الشارع الرئيسي للمدينة الحزينة؛ مدينةٍ لا أدري لِمَ تُطلق أسماء المجرمين والقتلة على شوارعها، كأنّ الخرائط نفسها تُخلّد الجريمة. كان الليل يبتلع النهار، وتضمحلّ الخيوط البيضاء تحت زحف العتمة. احتسيتُ قهوتي السوداء جرعةً جرعة، ببطء المريض وحذره، خشية أن يفرغ الكوب فتنتهي الجلسة ويُعجَّل الرحيل. كنتُ أضع الكأس على حاشية الطاولة كلّما امتدّت إليّ يدٌ بالتحيّة، إيمانًا منّي بأن يُعامَل الأخيار بما يستحقّون، والأنذال بما يستحقّون. زبناء المقهى يعرفونني جيّدًا: مناضلًا صبورًا، جريئًا، لا تهزمني الملذّات ولا تغويني الحياة، صخرةً في صورة إنسان، لا أتأثّر بتقلّبات الطبيعة. يعرفونني بصرامتي وتضحياتي، وبوعيي أنّ الظلام لا يهزمه إلا النور، وأنّ النور لا يُخفى إلا بالظلام.
كلّمتُ نفسي طويلًا: ماذا وقع لي هذا المساء؟ كأنني أشعر بالموت يخترق خيوط الظلام، كحمامٍ مرفرفٍ قادمٍ صوب جسدي. كأنّ نداءً حاسمًا صدر بانتزاع روحي وعودتها إلى عالم الغيب والمجهول. تسقط هذه الروح من بدني كورقة شجرةٍ داهمها خريفٌ بارد. اهتزّ قلبي وارتعش جسدي، وتزاحمت تساؤلاتي في ذهني ومخيّلتي: ما مصدر هذا الشعور، والموت حقٌّ على الجميع؟ لماذا هذا اليأس؟ لماذا هذه الحرارة التي تجتاح جسدي؟ ولماذا هذا العجز عن التسامح مع الذات والآخرين؟
كان ذهني ينفث دخانًا كثيفًا كبركانٍ مشتعل. شعرتُ أنّني عبءٌ ثقيل على الدنيا منذ ولادتي، بلا آمال، في أحضان بلادٍ لا يشغلها سوى إشباع بطون المتحكّمين في دواليبها. حتى الموت لن يمنحني فرصةً للمراجعة، ولا وقتًا للتسامح مع الذات أو مع الآخرين.. من سيبكيني بعد اليوم؟ قلتُها في صمتٍ موجِع. فلماذا الدوام والبقاء، أيّها المؤهّلون للسقوط والانهيار؟ تخلَّ عن إنسانيتك كي تُخفّف عبئك عن الآخرين… هكذا يريدونك. حبّك كان أضحوكةً باهتة؛ صفراء أو زرقاء، لا فرق في اللون بعد أن فُقد المعنى. مستقبلك كان صخرةً على مكاتب المسؤولين، فاختاروا أن يتجاوزوك بدل أن يكسروها. جرّدوك من إنسانيتك. قلتُ في صمتٍ قاتم: رحيلي أفضل من بقائي. جُرّدتُ من إنسانيتي حين حوّلوني إلى مجرّد رقمٍ مُجسَّد في بطاقةٍ وطنية بلا وطن، لا يُنادى عليّ إلا حين يشتهون تعذيبي نفسيًا بعصا الإحصاء أو الاستفتاء أو الانتخابات التي حُسمت نتائجها قبل أن أُدلي بصوتي فيها. لا بيت يأويني، ولا كوخ يحميني من صفعات الطقس، ولا من عنف السلطة، ولا من اعتداءات المجرمين، ولا صدر أمٍّ أرتضع منه حليب الحنان. أنا حفيد الليل والخلاء والتهميش الممنهج، وليس لي مكانٌ بعد اليوم بين هؤلاء.
كان المساء يطارد النهار، وأحاديث زبناء المقهى تنتقل من مقعدٍ إلى آخر كالطيور. لا يهمّهم سوى التمتّع بلحظة راحة؛ يتبادلون الكلام والضحكات والقهقهات في جوٍّ مغمورٍ بالغبطة. يعرفونني جميعًا، لكنهم يجهلون أنّني في هذا المساء فقدت السيطرة على مشاعري. هيمن على نفسي ضغطٌ خانق، وتناقضٌ وجدانيٌّ يكتسح دواخلي، وكانت مملكة عاطفتي حبلى بالتعقيد. تراكمت الأحزان، فنبشت مخيّلتي في قعر الأسباب. أحيانًا أقمع نفسي خوفًا من أن أبدو ضعيفًا، وأحيانًا أساير العادات أملًا في أن يتقبّلني الجميع وأشعر بالوجود. كنتُ أنافق ذاتي حين أشارك من حولي وكأنني فرحٌ ظاهريًا، بينما أواجه نفسي بانتقاداتٍ عنيفة باطنيًا، مردّدًا: أنا الهمّ والغمّ، وصبري تجاوز صبر الآخرين في بلادٍ لا تُنتزع الحياة فيها إلا بالمواجهة.
انهارت ذاكرتي في جرحها العميق. بدت جثّتي فوق كرسيّ المقهى كقبرٍ ينتظر زيارة أحدٍ من الأحياء. سافرت روحي وذهني في رحلةٍ شاقّة، لا تصطدم إلا بغيومٍ سوداء تبرق وترعد، تبحث عن دفءٍ وحنينٍ يشبهان الطفولة. خيّمت الأسئلة، وزادت نيرانها من ألمي، فقلت في الخفاء: ما قيمة الوجود وسط هذا الجمود؟ إلى متى الصبر على ثقل الهموم؟ ماذا بعد الحياة غير الموت حين تُستنفد طاقة القتال؟ لم أجد سببًا يجعلني أتذوّق لذّة اللقمة أو نعمة المأكل والملبس، وأنا عاطلٌ عن كلّ عمل، شاقٍّ كان أم يسير، أنتظر شيئًا لا يأتي… ولن يأتي.
سافرت طموحاتي لتعود منكسرة الأجنحة، كالحمام غير المتمرّن على الطيران، المصاب بطلقات الصيّاد الغادرة. لم تُنهِ تلك الإصابة البليغة حياتي لأموت مرّةً واحدة فأرتاح، بل تركتني أحتضر ببطء تحت ثقل البطالة التي تقتل شراييني وأوردتي رويدًا رويدًا، بهمومها وسموم قهوتها السوداء المرّة.
فعجبًا، كيف تُفهم الكرامة لدى الحاكم الطاغية؟ أيّ كرامة لمن يستهلك ولا يُنتج؟ أيّ كرامة للعاطلين والمعطّلين بلا دخل؟ كيف لهم أن يعشقوا نساءً لا يمنحنهم دفءَ الحب؟ كيف لهم أن يحبّوا وطنًا لا يعترف بوجودهم ولا بإنسانيتهم؟ تساءلتُ حزينًا: كيف لي أن أظلّ مقيّد اليدين والرجلين أنتظر الموت، وأنا أموت موتًا متباطئًا كفرخ حمام أصابته طلقة صيّاد؟
سأسافر سفري الأخير، فأرض الكون واسعة. سأبحث فيها عن بقعةٍ تعترف حقّ الاعتراف بوجودي وبإنسانيتي. لن ينشغل بالي بعد اليوم بأرضٍ لا أجني ثمارها، ولا أرعى ماشيتها، ولا أتقاسم الرأي مع من يحكمها، ولا أتبادل الحبّ مع نسائها، ولا أنتفع بخيراتها. أحبّ الشغل، وأعشق العلم والتحصيل والمعرفة. أحببت المرأة والجمال، حلمت بالسكن والبنين، حلمت بالمساواة والعدالة. عشقت كلّ ما هو إنسانيٌّ طبيعيّ، لكنني الآن الميّت الحيّ الذي صمد أمام فقدان الحبّ والمال، وصبر على فقدان أبويه في ظروفٍ مأساوية وهو طفلٌ يحتاج إلى الدفء والرعاية، غير أنّه ثائر لفقدانه الشغل والتشغيل والحقوق والكرامة.
أنت حفيد الليل والنهار والخلاء المتوحّش، وحفيد التهميش الممنهج المقصود. مكانك ليس بين هؤلاء.
سقطت ذاكرتي في جرحها العميق، وسقط جسدي معها، مُحدِثًا بركةً من الدم لوّنت الأرض. كانت دموعي تحرق جفنيّ، تغلي في عينيّ كما يغلي البركان. تمزّق الجسد، وتشتّتت الروح أشلاء، وشُلّ الذهن عن الحكي والتفكير. كان الهمّ سيّد الموقف، والغمّ حاكمًا، والبطالة سببًا مباشرًا في تحطيم ما تبقّى من كرامتي؛ بطالةٌ مرغت أنفي في روث البهائم. انكسرت كبريائي، وانتحرت شهامتي، واهتزّت رجولتي. أستهلك ولا أُنتج، أقتات من فتات موائد المنتجين، فتنحطّ قيمتي في ميزان مجتمعٍ لا يعترف إلا بمن يُحرّك عجلة الربح فيه.
كان مشهدي في ذلك المساء صورةً لجحيمٍ مفتوح؛ لم ترحم ناره جثّتي ولا عظامي البالية، المتآكلة من طول انتظار الذين استسلموا للهزيمة وارتضوا القاع مقامًا. تغيّر لون وجهي من الاحمرار إلى الاصفرار، كأنّ الغضب يسحب الدم من أطرافي دفعةً واحدة. تاهت أحلامي بين الواقع والخيال، واحتارت نفسي في تحديد اتجاه الحلم: أهو هروب؟ أم بحث؟ أم انكسارٌ أخير قبل السقوط؟ بقيتُ أخاطب نفسي في الخفاء بانفعالٍ كاد يخرج إلى العلن، وأنا أسبّ وأشتم المارّة والواقفين والجالسين حولي، أولئك المستسلمين للهزيمة. كانت أحلامي تسيل بين الواقع والخيال، ونفسي عاجزة عن الحسم، إلى أن انكسر شرودي بقدوم احمايزة.
احمايزة، أحد أصدقائي، عاشق الخمر، ومعانق الجِعَة كما يعانق المسافر أبناءه الصغار الذين لم يتواصل معهم لسنوات طويلة. لا شيء يشغل باله غير الشغل، وإتقان تصاميم البنايات المشيّدة على أرض مكناس الزيتون؛ مدينة العاطلين والمتقاعدين قبل بلوغهم سنّ ذلك. كان يشتغل مصمّمًا معماريًا، لكنّ السكر والسياسة هما موضوعاه المفضّلان؛ يجمع بينهما كما يُجمع بين نقيضين لا يلتقيان إلا في فمٍ ساخط. كان عمره عالقًا بين نهاية الشباب وبدايات الشيخوخة، ومع ذلك بدا في صورة شابٍّ ناشط، رافضٍ للزواج؛ ربّما لأن الزواج عنده ارتباطٌ نهائيّ قد يحدّ من حريته، أو لأنه يؤمن أنّ الزواج عدوّ الحبّ والعشق، وقد يكون لأنه يحبّ امرأةً لا يعرفها غيره، ومن الصعب أن يجد من تملأ مكانها في قلبه. كان حبّه غامضًا، لا يبوح به لأحد. وأنا على يقينٍ أنّه يُخفي سرًّا عن الحبّ: حبًّا حكمت عليه الظروف الذاتية والموضوعية بالموت داخل صدره، كرصاصةٍ استقرّت في قلبه لإسكات نبضاته، أو حبًّا محكومًا عليه بالسجن الأبدي في داخله. قد يغادر الجميع كراسيهم نحو بيوتهم، لاستكمال ساعات الليل مع نسائهم أو صديقاتهم، بينما يظلّ احمايزة وحده يحلّق بين الأرض والسماء، كطيرٍ بلا وكر، أو يتيمٍ بلا مأوى. ولولا قوّة الجاذبية، لحلّق في السماوات السبع بحثًا عن موطنٍ يمنحه الحبّ والخمر، حتى في شهر الصيام. بحماسه المألوف، طلب كعادته مبتسمًا أن أصاحبه، مشيرًا إليّ أمام أنظار الجالسين في المقهى، وهو يناديني من بعيد بتسمية «القائد» التي أطلقها عليّ منذ تعارفنا داخل التنظيم السياسي الذي جمعنا، قائلًا:

— «قُم.»
إلى أين؟ تساءلتُ قبل أن أغادر الكرسي.
— «إلى المكان المعهود.»
وما هو المكان هذه المرّة؟ لقد مررتُ بكلّ الأمكنة.
— «هذه المرّة إلى مكانٍ لم تطأه قدماك من قبل.»
لا أظنّ أنّ هناك مكانًا أجهله.
— «قُم وستعرف كلّ شيء… هيا بنا.»

لكلّ إنسانٍ نقاط ضعفه ونقاط قوّته، وللأيام كذلك. فنقاط ضعف الأسبوع هي يومَا السبت والأحد بالنسبة للموظّفين، ولرجال السلطة المرتشين، بينما أيّام العمر كلّها نقاط ضعفٍ في حياة العاطلين.
تشلّ الحركة، تتوقّف الأشياء، ويعمّ الصمت والهدوء. تتجوّل الأفراد والجماعات كأسراب الطيور؛ منهم من يبحث عن الأفراح والمسرّات عبر السفر والتنقّل، والتجوّل، والإبحار في فضاءات الغابات والشواطئ، ومنهم من يصطدم بالجدران وثقل الرتابة، ومنهم من يعاني الوحدانية والانفراد، ممّن لا يجد أمامه سوى الاختيار بين الركون إلى المسجد، أو الاعتكاف في المقهى، أو الارتماء في الحانة. إنها ثلاثية موحَّدة في جذب مؤخّرات البشر بمقاعدها أو بأفرشتها المرتّبة. استضافني صديقي احمايزة إلى الحانة، علّه يجرّدني من الأجواء المشؤومة التي علقت بي في المقهى. كانت حانة يُطلق عليها الزبناء اسم «بيكال». فكنتُ، على طريقتي، من هذا الصنف من الطيور.
ولجت قدماي هذه الحانة المحاطة بالقضبان الحديدية، في الطابق السفلي لإحدى البنايات المتمركزة في قلب حيٍّ يُنعَت بالثكنة العسكرية. حانة تجمع كلّ الشرائح الاجتماعية. زجاجها الشفّاف يكشف من في خارجها، بينما القابعون بين أسوارها يتلذّذون بسموم الكحول التي تُعجّل بالموت، ويتفرّجون في الوقت نفسه على الفواكه والخضر المعروضة على واجهتها من طرف الباعة المتجوّلين. هؤلاء الباعة ينتظرون الفرار في كلّ لحظة، هربًا من رجال السلطة الذين لا يعرفون من القانون سوى عصا الابتزاز؛ يطاردونهم حيثما حلّوا بكراريسهم، لنهب أموالهم وسرقتها عبر إرغامهم على دفع الرشوة لغضّ النظر عن تجارتهم، أو بنسف كراريسهم وتدميرها، ورفس مبيعاتهم رفسًا لا يقوم به سوى المجانين. ولِمَ لا؟ وكلّ أجهزة الديكتاتورية في المغرب مجانين.
كان المشهد، على قسوته، فاتنًا. كأنّ الحانة انتزعت لنفسها مواصفات الجنّة: حوريات، ووديان من الخمر، ومن كلّ فاكهةٍ نوع. راحةٌ مؤقّتة، نسيانٌ سريع، وشهوةٌ بلا حساب. أرضية الحانة أشبه بمرآةٍ كاشفة، فاقدةٍ لصباغتها الأصلية من كثرة احتكاك أقدام الزبناء؛ منها الأقدام النظيفة، ومنها القذرة. وجوهٌ ملتفّة نحو شاشة التلفزة تهتف بحماس، مطالِبة بانتصار الفريق الكروي لإحدى مدن البلاد: الرجاء البيضاوي في مواجهته مع الترجي التونسي. الرجاء مجرَّدة من حروف الزيادة، بينما الترجي مزيدة. تداخلت حسابات علماء الفقه واللغة وسماسرة المال، واختلطت الأسماء والأماني داخل إناء الدين والعقيدة. فإلى أيّة جهة سيميل الإله بكفّة الانتصار؟ هل سينحاز إلى المجرّد أم إلى المزيد؟ أم أنّ الجلد المنفوخ بالهواء، كالمنطاد، هو من سيحسم أمر الهزيمة والانتصار، بعيدًا عن ضغط الإله ورغبته في الانحياز؟
المقاعدُ مهترئة، قديمةٌ قِدَمَ القهر، والطاولاتُ الخشبيةُ مربّعةُ الصنع، تشهد على عصورٍ تعلّم فيها الإنسانُ القنصَ من أجل البقاء. ذلك عصرُ الأصنام لم ينقرض؛ مرّت العصور، ولا يزال القنصُ سلاحًا ونهجًا.
ها هو أستاذٌ جامعيّ، أحد زبناء الحانة، يصطاد طلابه، مستغلًّا نقاطَ ضعفهم المتجسّدة في العجز والكسل؛ يشهد على اجتهادهم مقابل حفنةٍ من المال، يصرفها لاحقًا على موائد الخمر. وإلى جانبه موظّفُ ضرائب، زميلُه في الكأس والمائدة، صيّادٌ ماهرٌ بدوره، يبدّل أرباح بعض المستثمرين وأصحاب العقارات، ويُعيد تشكيلها للتحايل على الضرائب، ودفع أقلّ ما يمكن لخزينة البلاد، بحِيَلٍ تعلّمها في مؤسّسات نفس البلاد التي يخرب الأن ميزانيتها، حيث تخرّج هذا الصنف من الصيّادين الجبناء.
يتقاسمان الغنيمة على موائد الخمر، ويتبادلان خطط جلب المزيد من النقود لتسديد فواتير الكحول، وإطالة لياليهما داخل الحانة. أمّا النساء، فكنّ يلعنّ بثّ المباراة، لأنّ الشاشة سرقت الرجال من بين أيديهن؛ كانت الشاشة، في تلك الليلة، أجملَ عاهرةٍ في الحانة.
وجوه العاملات بالحانة توحي بالغضب والرفض لبثّ المقابلة الكروية؛ كنّ يرغبن في مواصلة الحديث مع الرجال الذين يصاحبونهم. غير أنّ الشاشة نجحت في خطف رغبات الذكور، وشلّ انتباههم، فغدت التلفاز كأنها فتاة فاتنة، جذّابة، ساحرة، فرضت قطيعةً درامية بين الرجال والنساء في ذلك المساء. لم يبق من الذكور سوى أجسادٍ غارقةٍ في السكون والخشوع، معلّقةٍ على أمل تسجيل هدف الانتصار.
وعلى أمتارٍ محسوبة من الباب الخارجي، ينزل الزبون الدرج ببطءٍ شديد، كحلزونٍ يجرّ قوقعته المثقلة بالوهم، متّجهًا نحو حفرةٍ تلمع في قعرها فتاةٌ فاتنة. فتاةٌ براقة كوردةٍ صباحية، تشدّ الأنظار بزرقة عينيها، ووجهها المستدير الناعم كاللؤلوء، وشفتيها الحمراوين كالرحيق المسكوب عمدًا لإثارة العطش.
اجتمع حولها الزبناء كالنحل حول الخلية؛ كلٌّ يستعرض ما في جيبه من نقود، وكلٌّ يتظاهر بما ليس فيه، طمعًا في أن تلتفت إليه وحده، أن ترضخ، أن تُفرَد له كما تُفرَد الغنيمة للصيّاد الأقوى. أمّا هي، فكانت توزّع ميولها وعواطفها بحسابٍ بارد، ترفع منسوب التنافس بين المتنافسين، ضامنةً رضا صاحب الحانة واستمراريتها في تشغيل هذا الركن المظلم. ركنٌ يهيمن عليه ضجيج مراهقين في أعمارٍ متأخّرة؛ أصواتٌ رخوة، متأرجحة بين الذكورة والأنوثة، تقول كلّ شيء أملاً في نيل الرضا. يظهر أحدهم بمظهر القوي، يصفع صديقه صفعاتٍ متتالية على خده الأيمن، فيدير له خده الأيسر، كمن ينفّذ وصيّة المسيح في التسامح: «إن صفعك أحد على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر». غير أنّ هذه المقولة لدا المسلمين، في سياقها هذا، تُستعمل لا للتسامح، بل للإذلال والانتقام؛ حيث يأكل القويّ الضعيف. كانت الفتاة تُحدّق فيه بعينٍ تُظهر شفقةً مصطنعة، مع أنّ عالم العاهرات لا يعرف الرحمة؛ تعرف متى تضحك، ومتى تلمس، ومتى تسحب جسدها خطوةً إلى الخلف. لم تكن امرأةً بقدر ما كانت سوقًا: يعرض الرجال فيها فحولتهم، وتعرض هي بضاعتها، ويخرج الجميع خاسرين… إلا صاحب الحانة .
كان النادل يتحرّك بين الزبناء، يلوك شيئًا مجهولًا، ونواجذه لا تتوقّف عن المضغ كحيوانٍ جائع. سمينَ البدن، أبيضَ اللون، كأنّ بلّورات الشمس لم تلمسه قطّ، صدره مستدير كصدر فرس، رأسه أصلع كجبل في صحراء قاحلة، وأذناه طويلتان. بدا مرتاح البال ظاهريًا، لا يشغله سوى تلبية الطلبات، والتنسيق بين الذكور والإناث، وتوزيع أكبر عدد ممكن من القنينات؛ يظهر وسط الزبناء كأنّه واحدٌ من أعضاء الحكومة، أو البرلمان بغرفتيه.
امرأةٌ ترتدي نظّاراتٍ طبيّة، ترفع عنها شبهة السهر والمرح مع الرجال في مثل هذه الأمكنة. معطفها البنّي يشدّه حزامٌ يجعلها أقرب إلى واحدةٍ من الهيئة الدبلوماسية، أو إلى أستاذةٍ من سلك التعليم العالي بإحدى الجامعات. كانت تعانق كأسها بحرارة، وتتجاذب أطراف الحديث مع رجلٍ يشبهها لونًا وبشرةً ودمًا وحركة. احترمهما الزبناء كأسرةٍ اختارت الحانة مهربًا مؤقّتًا من فضاء البيت والأسرة وجدرانهما الكئيبة، حيث تتعشّش السلفية، ويعمّ الغبن والكبت والانضباط الأعمى للتقاليد الرجعية.
أمّا صاحب الحانة، فكان ضابطًا سابقًا في جهاز الأمن، مختصًّا في محاربة ترويج المخدّرات. حارب كلّ ما من شأنه أن يحرمه السيطرة على هذه الحانة، باعتبارها مشروع أحلامه المستقبلية، ضابطًا كلّ شيء بدقّة، رغم قصر قامته. كانت نظرته مستقرة في بؤر الربح والفساد، وذكاؤه خارق حين أدرك أنّ مصدر الثراء لا يأتي من الوطنية و حب الوطن، بل من داخل جهاز الأمن نفسه؛ حيث التنسيق الخفيّ مع المهرّبين، بدل الإيمان بقيمٍ لا تُشبع البطن ولا تقي من الجوع. كان طموحه يشبه طموح صديقه، المهندس الفلاحي المغامر بوقته المنقسم بين الإدارة وإخضرار ضيعة الأمير. مهندس لم يمسّه الشيب بعد، كما لم تمسّه عين المراقبة؛ فالعين لا ترى كلّ شيء، ولا تُبصر أمثال هؤلاء الساعين إلى الربح بعيدًا عن العمل. رجل في الأربعين، طويل القامة كعمود هاتف، مخيف النظرة كالذئب، يرتدي معطفًا بلون الثعلب. كثير الحركة بين المرحاض والزبناء، كأنّه يعقد صفقاتٍ غير قانونية في الخفاء، تدرّ عليه المال. ولمَ لا يكون هو نفسه مصدر الخضر المتراكمة قرب الحانة، مستغلًّا ضعف الباعة المتجوّلين وتردّي الوضع الاجتماعي في البلاد؟
كانت عدستي تنتقل من ركنٍ إلى آخر، وقد ضاقت أنفاسي من المقابلة الكروية، فآثرت الصمت. لم أكن معنيًّا بالنصر أو الهزيمة، بقدر ما كنت أبحث عن عزلةٍ داخل هذا الفضاء، أفرغ بعض مكبوتاتي. حدّقتُ في صمتٍ مخيف نحو امرأةٍ تتنقّل بين الزبناء، تلبي رغباتهم بحذرٍ شديد، توزّع الجعة وقنينات النبيذ الأحمر، بلون الدم، خشية أن تُخطئ في الحساب فتتعرّض لعقابٍ قاسٍ من صاحب الحانة، الذي تمرّس على القمع والتعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوّة في مخفر الشرطة الذي كان يرأسه. تأمّلت شعرها المقصوص على الموضة الإيطالية، ابتسامتها المغرية، قامتها القصيرة، ولباسها الأسود الحريري. فتحت محفظتي التي لا تفارقني، وأخرجت ورقةً بيضاء وقلمي الأسود الذي أفضّله للكتابة، علّ النصّ يولد واضحًا. قرّرت أن أكسر الصمت، بعدما خطفت المباراة أنظار رفيقي احمايزة، الذي وضع عنقه بين أنياب منشار الانتصار أو الهزيمة.
كنت أراقب المشهد بصمتٍ ثقيل. لم أشعر برغبةٍ جنسية تجاه تلك المرأة، ولا بغيرةٍ ممّن يحاول الاقتراب منها، ولا برفضٍ لها كامرأة؛ فأنا أدرك جيّدًا الدوافع التي جاءت بها إلى هذا المكان. لو كان كلّ مغربيّ معترفًا به كإنسان من طرف الحاكم، متمتّعًا بحقوقه كما البشر في بقاع العالم، لما وجدت هؤلاء النساء يبعن أجسادهنّ هنا. كنت أعلم أنّ كلّ واحدةٍ منهنّ تمرّ على ثلاثة أو أربعة رجال في الليلة الواحدة: من يسدّ حاجتها إلى الكحول ومن يوفّر لها الطعام والتدخين، ومن يدفع المال، وهو الأخير الذي يغلق عليها باب الليل. لم يكن ما أشعر به شهوة، بل شيء أعمق: الفراغ. تساءلت في داخلي: كيف تتحوّل الأنثى إلى أداة نسيان وكيف يتحوّل الرجل إلى محفظةٍ متحرّكة؟ ومتى صارت العلاقة الإنسانية صفقةً قصيرة العمر، تبدأ مع أوّل سيجارة وتنتهي مع آخر كأس؟
عدت بذاكرتي إلى جسدي المنهك، إلى عمري الذي يُستنزف في هذه البلاد بلا مقابل. كلّ ما حولي كان يُستهلك: الوقت، الجسد، الكرامة، وحتى الحلم. لم يكن الخمر ما يؤلمني، ولا النساء، ولا الضجيج؛ كان يؤلمني أن أرى نفسي في وجوههم جميعًا، نسخةً محتملة إذا استسلمت خطوةً أخرى. قلت في سرّي: ماذا أفعل هنا وسط هذا الضجيج، كأنّنا في سوق؟ وفجأة ارتفعت الهتافات: هدفٌ في الشباك. قفزت الأجساد، انفجرت الكؤوس، وتعانقت الأكتاف، بينما بقيتُ متجمّدًا في مكاني، كأنّ الهدف سُجّل في مرمى حياتي. لم أشعر بالانتصار. لم أفرح يومًا بانتصارٍمغربي كرويّا كان أو غيره؛ فأنا، بصدقٍ موجع، أشعر أنّني مهاجرٌ سرّيّ في وطني الأم. كنت أعلم أنّ الانتصارات المؤقّتة لا تغيّر الهزائم الكبرى، وأنّ وطنًا لا ينتصر لأبنائه العاطلين ولا لشعبه، لا قيمة لانتصاراته الرياضية. نظرتُ إلى احمايزة، فوجدته غارقًا في نشوته؛ يضحك، يصرخ، يتدخّل كطفلٍ في تفاصيل المباراة، ثمّ يعود إلى حديث السياسة، كأنّ شيئًا لم يكن.
كنتُ أعرفُ مسبقًا كيف ستبدأ الليلةُ مع احمايزة، وكيف ستنتهي؛ فهو يبدأها إمّا بأكل جَبّةٍ من الحلزون وشرب مائها، أو بقطعة خبزٍ مملوءة بلحمٍ مشويّ ممزوجٍ بالبصل. ومنذ تلك اللحظة، لا يتوقّف عن الشرب إلى أن تُغلِقَ الحانةُ أبوابها. وقد ينتقل بين حاناتٍ عدّة، لا بحثًا عن الجِعَة — فالجِعَة تُباع في كلّ الحانات — ولا بحثًا عن النساء، إذ تعجّ بهنّ الحانات كلّها، من مختلف الأعمار، بل بحثًا عمّن يُريحه في النقاش، ويُصغي إلى حديثه، ويتحمّل ضحكاته ونُكَته أحيانًا. ولديه سنٌّ متقلقلة، عوّضها طبيبُ الأسنان بسنٍّ اصطناعية؛ وأنا أعرفه جيّدًا: حين يقتلعها ويضعها في جيبه، أعلم أنّ مفعول الجِعَة قد استبدّ به، وأنّ لسانه سيبدأ في التلعثم. يخشى أن يبتلع سنَّه المتحرّكة، فيُزيلها احتياطًا. عندها، لا يُغادر الحانةَ إلا مع إغلاقها، ليبدأ فجرُ اليوم الموالي بذهابه إلى بائعٍ متجوّل في المدينة القديمة، متخصّص — بحسب احمايزة — في طهي رؤوس الماشية. يأكل الرأس دون أن يسأل: أهو رأسُ خروفٍ أم ماعزٍ أم عجلٍ أم بقرة، أم كلبٍ، أم حمار، أو حتى إنسان؛ فالسكّير لا يفرّق بين الأشياء، والكحول لا تترك للسان فرصة تذوّق ما يُلقى في الفم. كلّ النكهات، حينها، متشابهة، كفرنٍ مفتوحٍ تذوب فيه الأذواق.
حتى الأطفالُ المشرّدون — بائعو السجائر بالتقسيط، وماسحو الأحذية، والمتسوّلون — يتوافدون على الحانات أسرابًا كالطيور، عارضين خدماتهم طلبًا لبضعة دراهم. كانوا يثقون في زبائن الحانات، وفي الحانات ذاتها، ولا يثقون في المساجد ولا في المصلّين؛ إذ تنعدم الرحمة فيهم، على حدّ تجارب هؤلاء. كان منظرُ الحانة فاتنًا على نحوٍ خادع؛ فالنفسُ تستريح وتنسى أحزانها وهي تُشبع رغباتها بالسكر، وتتلذّذ بمشاهدة خيرات البلاد من فواكه وخضر. استطاعت هذه الحانة أن تنتزع، زيفًا، ملامحَ الجنّة: جنّةَ النعيم المقيم، حيث الحورُ العين، واسعاتُ الأعين، طيّباتُ الوجوه، يبدون ظاهريًا وكأنّ يدَ الزمن لم تطأهنّ، ولم تُثقِل كواهلَهنّ همومُ الدنيا، بينما تعرف كلُّ واحدةٍ منهنّ مدى عمق جراحها. خمرٌ لذّةٌ للشاربين، لا سُكرًا ولا نصبًا؛ نعيمٌ موهوم، يُدخل السرور لحظةً، ثم يترك خلفه فراغًا أعمق. .
كنت أعلم أنّ الخمر لا يغيّر القناعات، بل يؤجّل الألم فقط. ضاقت أنفاسي، وشعرتُ بالجدران تقترب ببطء، وبالأصوات تتداخل والروائح تختلط، كأنّ المكان يتحوّل إلى رحمٍ خانق. تذكّرت نفسي جالسًا على كرسي المقهى، ثم هنا، ثم هناك… المكان يتغيّر، لكن القيد واحد. قلتها داخلي بوضوحٍ موجع: خرجتُ من الحانة قبل أن يكتمل سكري. لم أودّع أحدًا، ولم ألتفت خلفي؛ لأنّ الالتفات ضعف.
في الشارع، ابتلع الليل المدينة كاملة. الأنوار شاحبة، والخطوات متردّدة، والمدينة تبدو ككائنٍ ضخم بلا قلب. سرتُ بلا وجهة، أحمل جسدي المتعب كحمولةٍ زائدة، وأجرّ خلفي عمرًا لم يُستثمر. لم أفكّر في الموت مباشرة، لكنّ فكرة الرحيل بلا عودة كانت حاضرة، والفرق بينهما ضئيل حدّ التطابق. استقرّ الليل في صدر المدينة كما يستقرّ المرض في جسدٍ مهمل. الأزقّة شبه فارغة، والأنوار العمومية ترتجف كقلوبٍ فقدت يقينها. سرتُ بخطى غير منتظمة، لا أُسرع ولا أتباطأ، كأنّ الزمن نفسه فقد قدرته على دفعي أو إيقافي. لم أفكّر في الرحيل كفعلٍ مباشر، بل كخيارٍ منطقي، كحلٍّ أخير بعدما استُهلكت كلّ البدائل. همست في داخلي: اللعنة على هذا الزمان الغادر، والخزي لملكٍ ديكتاتوري أفسد حياة الأبرياء لينعم هو وعائلته في النعيم.
جلستُ على رصيفٍ بارد، وضعتُ رأسي بين كفّي. كان التعب أعمق من الجسد؛ تعبًا وجوديًا، تعبًا من الشر، من التبرير، من الانتظار. تذكّرتُ كلّ الأبواب التي طرقتُها: أبواب الإدارات، أبواب المسؤولين، أبواب الوعود. كلّها فُتحت قليلًا… ثم أُغلقت في وجهي نهائيا بلا ابتسامة. لم أبكِ. كنتُ قد تجاوزتُ مرحلة البكاء منذ زمن؛ فالبكاء امتيازٌ لمن لا يزال يملك أملًا في أن يسمعه أحد ، أخرجتُ سيجارة، أشعلتُها، وراقبتُ الدخان وهو يصعد ثم يتلاشى. همستُ، وشعرتُ فجأة بثقلٍ غريب في صدري. لم يكن ألمًا، بل وعيًا حادًا. وعيٌ يقول لي: أنت لست فاشلًا، أنت مُقصى. وأدركتُ، لأول مرة بصفاءٍ جارح، أنّ الفرق بين الفشل والإقصاء هو أنّ الأوّل ذنبي، والثاني جريمة غيري.
نهضتُ، مسحتُ غبار الرصيف عن ثيابي، لا لأنني أهتمّ بالمظهر، بل لأنني لا أريد أن أرحل مهانًا، حتى في التفاصيل الصغيرة. نظرتُ إلى السماء، لم أرَ نجومًا؛ الضوء الاصطناعي ابتلعها كلّها. ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، وقلتُ في سرّي: القرار يتشكّل داخلي ببطء، لا كصرخة، بل كقناعة. قرار ألّا أستمرّ في الوضع نفسه، بأيّ ثمن. الرحيل خلاص؟ فليكن. المواجهة أكثر ألمًا؟ فلتكن. المهم ألّا أبقى معلّقًا بين حياة لا تُعاش، وموت لا أجرؤ عليه.
مشيتُ، والمدينة خلفي لم تحاول منعي. لم ينادني أحد باسمي، وكان ذلك أقسى حكمٍ صدر عليّ في حياتي. لم يكن القرار وليد تلك الليلة وحدها، بل خلاصة تراكمٍ طويل؛ طبقات من الخذلان تراكمت على صدري حتى صار التنفّس ترفًا. توقّفتُ عند حافة شارعٍ عريض. السيارات تمرّ مسرعة، أضواؤها تخترق العتمة ثم تختفي، كأنّها أعمارٌ قصيرة لا تملك وقتًا للنظر خلفها. تساءلتُ: كم واحدًا من هؤلاء يعرف إلى أين يذهب؟ وكم واحدًا يسير فقط لأنه يخشى الوقوف؟ لمّا قرّرتُ المغادرة، لم أُخبر أحدًا. فالرحيل فعلٌ صامت، لا يحتاج شهودًا ولا وصايا. الذين لم يسألوا عنك وأنت حاضر، لن يبكوك حين تختفي.
عدتُ إلى الغرفة الضيّقة، النتنة، القذرة، التي تفوح منها رائحةُ السجائر الكريهة التي دخّنها أعضاءُ وزوّارُ المنظمة السياسية التي أنتمي إليها، والتي اتخذتُ مقرّها مسكنًا لي. أنام فيها كلَّ ليلةٍ منذ أكثر من تسع سنوات، بعدما أركّب كراسيها الخشبية على هيئة سرير، كما كنتُ أسمّيه ساخرًا: «السرير الأوتوماتيكي»، حين يغادر الأعضاءُ إلى بيوتهم، على أن أعيد في اليوم الموالي فكَّ السرير، وإرجاع الكراسي إلى أماكنها، كما أفعل كلَّ مساء و كل صباح، وكانوا جميعًا يعرفون ذلك. غرفةٌ لا تحمل من صفات البيت سوى الاسم؛ جدرانها شاهدةٌ على ليالٍ طويلة من العدّ: عدّ الأيام، وعدّ الجراح، وعدّ الخيبات.
جمعتُ أشيائي في حقيبةٍ صغيرة: جرائد، كتب، مجلّات، ثوبين، ومعطفًا أحدثت فيه الفئران الضخمة—«الطُّوبى»—ثقبًا حين جاعت، إذ لا شيء في هذا المقرّ الحزبي يُؤكل. ثم دفترًا مهترئًا يحمل كتاباتي، وصورةً قديمةً لأبي المتوفّى. أمّي لم تكن لها صورة قطّ، لا على الورق ولا في مخيّلتي؛ ماتت وأنا طفل، قبل أن تدخل آلة التصوير القرية. تركتُ خلفي لوحةً خشبيةً رسمتُ عليها صورة المعتقل السياسي المناضل، الشهم، الذي اغتالته مخابرات الديكتاتور. لم أعرف لماذا احتفظتُ بكلّ هذه الأشياء، لكنني أدرك الآن أنّ بعض الأشياء لا تُؤخذ لأنها مفيدة، بل لأنها تمنعنا من الانهيار التام. نظرتُ إلى المكان نظرةً أخيرة، لا حنين فيها، بل حساب بارد. أغلقتُ الباب دون أن ألتفت، كأنّ الالتفات قد يعيدني شخصًا آخر… شخصًا قرّرتُ ألّا أكونه بعد الآن.
سرتُ في الطريق بخطواتٍ لا تعرف العودة إلى الخلف. لم أفكّر في شيءٍ سوى تلك اللوحة التي تركتُها خلفي للضياع؛ لوحة رسمتُها شهادةً في زمن الخيانة، لا بالريشة واللون فقط، بل بقلبي ودمِي، لمناضلٍ حرّ قضى أكثر من عشرين سنة خلف القضبان. وحين خرج من الزنزانة، لم يُنصفه أحد عمّا سُرق من عمره، بل اغتيل لأنه استمرّ في قول كلمة الحق، كما فعل دائمًا. وأدركتُ أنّ مصيري لن يختلف عن مصيره إن بقيتُ في بلدٍ يحكمه ملكٌ ديكتاتور، وعصابةٌ إجرامية.
في اليوم الخامس من شهر نوفمبر سنة 1992، رنّ هاتف مقرّ منظمة العمل الديمقراطي الشعبي الكائن بزنقة الإسكندرية، شارع علال بن عبد الله بمكناس. كان الخبر مفجعًا: اغتيال المعتقل السياسي عبد السلام المودن، عضو هيئة تحرير جريدة «أنوال»، وعضو اللجنة المركزية والكتابة الوطنية للمنظمة. كان مناضلًا يُقلق الديكتاتورية العلوية بكتاباته ومقالاته وآرائه، فكان لا بدّ من تصفيته. نُفِّذت الجريمة عبر سيناريو «حادثة سير» بمنطقة بولقنادل؛ روايةٌ رُوِّج لها رسميًا، و—بما هو أفدح—تبنّاها حتى بعض رفاقه، أولئك الذين أزعجتهم شعبيته داخل المنظمة، وضيّقت عليهم آراؤه الجريئة التي لم تكن تخدم خطط الجناح الانتهازي والوصولي. ذلك الجناح، المبنيّ على التزلّف والتقرّب من وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، طمعًا في نصيبهم من كعكة البرلمان، التي كانت تُقسَّم بين وزارة الداخلية والأحزاب داخل الفيلات الفاخرة بالرباط، تنفيذًا لأوامر الديكتاتور الحسن الثاني وإرضاءً لها. وبالفعل، حصلت المنظمة على مقعد برلماني ثانٍ إضافي، بعدما ظلّ رصيدها التاريخي مقعدًا واحدًا فقط. وكان هدف وزارة الداخلية من تلك «المنحة» هو منافسة ومضايقة صاحب المقعد الأول، محمد بنسعيد آيت يدر، عن دائرة سوس ماسة، عبر تشتيت المنظمة باستعمال العضو البرلماني المراكشي الانتهازي.
كان المخطّط واضحًا منذ البداية: اغتيال المناضل الشهم، ثم توريط رفاقه الانتهازيين في تلوين جريدة «أنوال» بعناوين زائفة، من بينها " مات عبد السلام وفي قلبه غصّة، لأن الحركة الديمقراطية لم تستثمر الفرصة التاريخية المتاحة». كانت تلك رسالةً صريحة إلى القصر الملكي: أن بعض رفاق عبد السلام يعترفون بوجود «فرصة تاريخية» لم تُستثمر. لكن السؤال ظلّ معلّقًا: هل كانت هناك فعلًا فرصة لا يعرفها الشعب المغربي، ولا حتى قواعد المنظمة؟ أم أنّ رفاق عبد السلام الحقيقيين هم من أفشلوا المساومة، لأنهم رفضوا بيع ضمائرهم للديكتاتورية وحلفائها من الخونة والمندسين؟
كنتُ آنذاك في الثالثة والعشرين من عمري، ورغم مقالاتي الصحفية المتواضعة، لم أستطع أن أقدّم لهذا المناضل، ولكلّ المناضلين المغتالين والمعتقلين والمختطفين، سوى التقدير والاحترام، ووعدًا داخليًا بالاستمرار على خطّهم الثوري، إلى حين قيام دولةٍ حقيقية، لا ملكيةٍ متعفّنة. كان حزني على اغتياله عميقًا إلى حدّ أنّني عبّرت عنه لا بالكلام، بل بالعزلة. انكفأتُ في غرفة شبه مظلمة بمقرّ المنظمة، بعد أن عثرتُ على لوح خشبيّ مهمل تحت درج العمارة، وبقايا صباغة. رسمته جالسًا، كما كان يفعل كلّ صباح في مقرّ جريدة «أنوال» بالرباط. لم أكن رسّامًا، ولم أجرّب الفنّ التشكيلي من قبل، لكن الحزن—حين يبلغ مداه—يخلق أدواته بنفسه ، لم أحتفظ باللوح الخشبي، لكنني احتفظت بالصورة. ولا يزال رفاق الأمس يذكرون تلك اللوحة، وتلك العبارة التي كتبتُها أسفلها: كنتَ في القلب ولا زلت، لن تموت أبدًا، إلى أن تنبت البذور التي زرعت
حيّيتُ كلَّ من لا يزال يؤمن بأنّ الخطَّ الثوري والكفاح الثوري المسلح—قولًا وفعلًا—هما وحدهما القادران حقًّا على تحرير المغرب والشعب المغربي من قبضة الديكتاتورية العلوية الصهيونية وحلفائها الاستعماريين.
أمّا النضال الإصلاحي، العلني، الشرعي، والمؤسساتي، وتبنّي وهم «التغيير من الداخل»، فليس سوى خيانة كبرى لتاريخ هذا الشعب.
، في طريقي إلى منزل صديقٍ بالمهجر، سلّمني مفاتيحه لأسكن فيه إلى حين أجد حلًّا آخر لأزمة سكني؛ فأنا لا أملك شبرًا من أرض الوطن. كان مقرّ المنظمة يتقلّص خلفي تدريجيًا؛ لا كتنظيم سياسي فقد مستقبله، بل كفكرة رجعية ساهمت—بوعي أو بدونه—في استقرار الديكتاتورية. المقاعد مهترئة، الوجوه متعبة، والصمت يسود كصلاة بلا إيمان. كلّ واحد يحمل قصته في صدره، لكن لا أحد يحكي. فالحدود تُدرّب البشر على الصمت، وتعلّمهم أنّ الكلام قد يكلّفك حياتك. راقبتُ الوجوه شبابٌ بعيون شاحبة، رجالٌ أضاعوا أعمارهم في انتظار الإصلاح، ونساءٌ يحملن الخوف في حقائبهنّ أكثر مما يحملن الملابس
عند تخوم الرباط، تغيّر الهواء؛ صار مالحًا، ثقيلًا، مشبعًا بالخطر. البحر بدا ساكنًا على غير عادته، كأنّه يتعمّد الطمأنينة ليخدع القادمين إليه. وقفتُ أمامه طويلًا. لم أشعر بالعظمة ولا بالرعب، بل بشيءٍ يشبه الاعتراف. قلتُ في صمت في الظلّ، كان سماسرة العاصمة يتحرّكون بخفّة الجرذان داخل القصر، والوزارات، والبرلمان، والمقرّات الحزبية والإعلامية. وعود، أرقام، أسعار، وأكاذيب مغلّفة بكلمة واحدة: الأمل.
دفعتُ ثمنًا باهظًا من عمري، ولن أُضحّي بما تبقّى منه. لا لأنني أثق في هذه البلاد، بل لأنني لم أعد أملك ما أخسره، بعدما سُحبت كرامتي قطعةً قطعة، كما تُسحب الملابس من جسدٍ أعزل. لكن هذه المرّة قرّرتُ أن أقاوم بأسلوبٍ آخر. حين يحين وقت الإبحار، لن تكون هناك خُطب، ولا دموع، ولا وداع.
أجسادٌ تصعد شمالًا يوميًا، كأسراب الطيور، هربًا من موتٍ بطيء في مغربٍ يشبه سجنًا واسعًا. كانت الهجرة وسيلةَ نجاة. بعضُنا قد يمتطي الطائرة، وبعضُنا الحافلة، ثم الباخرة لمن امتلك التأشيرة، بينما تتحرّك آلافُ قوارب الموت لمن لم يُسعفهم الحظ. الجميع ينظر إلى المغرب وهو يتراجع ببطء إلى الخلف، وفي تلك اللحظة بالذات يدركون—وأدركتُ معهم—شيئًا مفزعًا: أنّنا لم نشعر بالخوف. بل بالتحرّر

أمستردام



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
- المسافة بين الهروب والمواجهة
- قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ ...
- جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
- المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء ...
- المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور ...
- المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و ...
- من وراء دعوات الحوار بين المغرب والجزائر؟
- مظاهرات جيل -زد - بالمغرب وديكتاتورية محمد السادس، حين يتحوّ ...
- هولندا تحقق في قضية تجسس المغاربة وتستدعي مدير الاستخبارات ا ...
- هل سيكسر - الأمير- هشام العلوي طاجين المخابرات المغربية بعدم ...
- المغرب : قضاء التعليمات في مملكة الديكتاتور، حين تُغتال العد ...
- المخابرات المغربية تختطف المناضلة و الحقوقية سعيدة العلمي
- على الجميع أن يستفيد من درس الهجوم الصهيوني الإسرائيلي–الأمر ...
- و فاة رئيس الأوروغواي السابق - خوسيه موخيكا و فقدان الإنساني ...
- العلاقات المغربية الإسرائيلية من السرية إلى التطبيع ، و ضياع ...
- الهدية القطرية الضخمة المسمومة للرئيس الأمريكي ترامب
- ترشيح المغرب لنيل جائزة نيلسون مانديلا: إهانة لمؤسسات الأمم ...
- الخلافات بين المغرب والجزائر: خلفيات وأفق الحل؟
- بيان بمناسبة اليوم العالمي للشغل


المزيد.....




- المعايير العلمية في لغة الخطاب الإعلامي) في اتحاد الأدباء... ...
- -?ي?ا لا ?يتا-.. بسام كوسا بطل مسرحية جديدة في موسم الرياض
- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..
- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي لهروشي - صرخة مناضل في مغرب بلا أمل