|
|
مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
الحوار المتمدن-العدد: 8572 - 2025 / 12 / 30 - 21:28
المحور:
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
يحلّ يوم الرابع والعشرين من شهر يناير سنة 2026، لأكون قد قضيتُ ربع قرن كامل من عمري في المهجر، في منفاي الاضطراري. فقد غادرتُ المغرب يوم الرابع والعشرين من يناير سنة 2001، في سفرٍ بلا عودة، بعدما حصلتُ على تأشيرة زيارة إلى بلجيكا بطرق بدت، في ظاهرها، أقرب إلى المستحيل. غير أنّه لا مستحيل حين يكون التخطيط محكمًا، والعمل سريًّا إلى أقصى حد، كما يقولون: «من جدّ وجد، ومن زرع حصد». كانت رحلة لا تشبه سواها، امتزج فيها الواقع بالأمل، والطموح بالصبر، والخوف بإرادة النجاة. في تلك الفترة، كنتُ مسؤولًا عن مراقبة سير بناء ثلاثة منازل لأصدقاء يعيشون في المهجر، أنوب عنهم في غيابهم، وأحمل أمانة أحلامهم حجرًا حجرًا. وبموازاة ذلك، واصلتُ الكتابة بلا هوادة؛ فكانت مقالاتي تتوزع بين نصوص إعلامية تفضح الفساد وتعرّي المفسدين، وبين كتابات أدبية من شذرات شعرية وقصص قصيرة، كنتُ أنشرها في مختلف المنابر الإعلامية. ومن بين تلك الإبداعات، قصة نشرتها جريدة «بيان اليوم» يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر فبراير، عدد 1975، سنة 1997، بصفحة المتابعات، تحت عنوان: «رسالة القرن إلى ابني أيور وابنتي تتريت»، اللذين لم يوُلدا بعد “ . لم أكن من أولئك الذين يراقبون ورش البناء بملابس نظيفة، وأحذية لامعة، وأصابع لينة لا تعرف الخشونة. كنتُ أشارك العمال في كل شيء، حتى في خلط الإسمنت حين تدعو الحاجة. وكنتُ أجمع الفواتير بدقة، حتى لا تتجرأ إدارة الضرائب على الاستيلاء على ما ليس من حقها من النسبة المخصصة لهذا المشروع السكني. كنتُ في قلب الحدث، بين الحجارة والتراب، حيث يتشكل الواقع من عرق الأجساد وأحلام صغيرة تُبنى ببطء. من بنى منزلًا، أو غيّر نافذة، أو فتح باب محل، يدرك أن تحريك الإسمنت والرمل والأجور يستدعي أعوان السلطة ومخبريها برائحتهم الثقيلة، كما تُستدعى الضباع برائحة الجثة الكريهة. فكيف بمن يسهر على بناء ثلاثة منازل ذات طابقين في الوقت نفسه؟ شاحنات الحديد والرمل والحجر و الأجور، أكياس الإسمنت، أجور العمال… كل ذلك كان كفيلًا بجذبهم. غير أنّني كنتُ حينها أشبه بأسد لا يترك للضباع فرصة الاقتراب. كل شيء كان يتم بطريقة قانونية صارمة، يضاف إلى ذلك كوني إعلاميًا، وهو ما جعل ضباع السلطة تصاب بجنون أعمى، إذ لم تجد ما اعتادت انتزاعه من الآخرين: الرشوة. فخرجت من الورشة خائبة، وقد انكسر أنياب ابتزازها. كنتُ أعيش في ساحة معركة مفتوحة، معركة لا تعترف بالمهادنة ولا تمنح هدنة للضعفاء. فمنذ أن وطئتُ درب النضال، دفعتُ ثمنًا باهظًا، بدأ يوم اختُطف أخي، الأكبر مني سنًّا، ثم صدر الحكم عليه بثلاث سنوات سجنًا نافذًا وغرامة مالية، رفقة اثني عشر طالبًا جامعيًا من فقراء أبناء الجنوب الشرقي، أولئك الذين لا يملكون سوى أجسادهم الهزيلة وأصواتهم المبحوحة سلاحًا في مواجهة القهر. وفي المشهد المقابل، كانت العدالة تُدار بميزانٍ مكسور؛ إذ جرت تبرئة بعض أبناء التجار الكبار، والفلاحين الميسورين، وأبناء الأعيان، بل إن بعضهم لم يُعرض أصلًا على القضاء. تدخل آباؤهم، فانتُزعوا من قبضة المخابرات مقابل مبالغ مالية باهظة دُفعت كرشاوى، فاشتروا بها الحرية كما يُشترى الصمت. لهذا لم تكن سلطات الحاكم الديكتاتور تتردد يومًا في اعتقال أكبر عدد ممكن من الطلبة والمتظاهرين، لا لشيء سوى ابتزاز آبائهم. أما من لم يدفع، فكان يُسلَّم إلى قضاء مُسخَّر، يُصدر أحكامه في محاكمات ماراثونية سريعة، خاوية من الروح والعدل، ليكون العقاب رسالة دامية لكل من يفكر في الاحتجاج أو التظاهر أو المطالبة بحقه. وفي الوقت نفسه، تحرص المخابرات والسلطات على تقديم نفسها للديكتاتور الحاكم كأجهزة يقِظة، ساهرة على الأمن، كاسرة لشوكة من تصفهم بالخارجين عن القانون، والمشاغبين، والمتهورين، والمتسببين – حسب روايتها الرسمية – في زعزعة استقرار البلاد. غير أنّ الجحيم لم يتوقف عند هذا الحد. فقد تعرّضتُ للاختطاف والاستنطاق ثلاث مرات، وتلقيتُ تهديدات صريحة بالقتل. وكان أكثرها رعبًا آخر تلك الوقائع، حين فاجأني أحد الأشخاص بسيف طويل، سيف يشبه سيف الصحابي حمزة أو سيف علي بن أبي طالب، بينما كنتُ جالسًا في بهو مقهى الأمنية، أتبادل الحديث مع صديقي يوسف، ومع النادل سعيد وصهره ميمون. أخرج الرجل سيفه وشهره في وجهي، وعيناه تقدحان وعيدًا، متوعدًا بقطع رأسي فور مغادرتي المقهى، ثم عاد، في مشهد يبعث القشعريرة، وجلس بهدوء عند الباب الخارجي، ينتظرني كما ينتظر الصياد فريسته. غادرتُ المقهى من بابها الخلفي رفقة صديقي يوسف، واتجهنا مباشرة إلى مركز الأمن الكائن بشارع محمد الخامس، القريب من المقهى. هناك، رويتُ للضابط ما حدث بعد أن عرّفته بنفسي. ضغط على الزر، فدخل أحد رجال السلطة، فأخبره أن ينادي الشرطيين فلان وفلان، اللذين حضرا لتوّهما بلباسهما العادي، أي بصفتهما شرطيين سريين. أمرهما بمرافقتي لإحضار الشخص الذي هددني بالقتل بسيفه. تمت العملية بسرعة، غير أن صاحب السيف لم يكن موجودًا بعين المكان، كأنه تبخّر، أو أُريد له أن يختفي. خرجتُ أنا ورفيقي يوسف بخلاصة ثقيلة: لعل الأمر لم يكن سوى تهديدٍ مقصود، أو ربما كانت نفس الشرطة ضالعة في تلك المسرحية السوداء. وعلى أي حال، وفي كل الأحوال، كان الوضع في المغرب آنذاك، وكان البقاء فيه، تجربة مرعبة، أشبه بالسير الدائم فوق حافة الخوف. وذات يوم، بينما كنتُ أراقب سير عملية البناء وأنا في الطابق الأول، لمحَت عيناي من النافذة سيارة بيضاء تحمل اسم «المغرب» مكتوبًا باللون الأحمر، ما يعني أنها تابعة للسلطة. كانت مركونة مقابل المنزل الذي كنتُ فيه. في البداية، ظننتُ أنها سيارة القائد، جاء لحل نزاع بين الجيران حول أحقية المرور في الرصيف الفاصل بين منازلهم. لم أولِ الأمر اهتمامًا، وواصلتُ عملي، إلى أن سمعتُ أحد العمال ينادي اسمي وهو يصعد الدرج نحوي، كان خائفًا مرتبكًا، وقال: هناك رجال من السلطة يسألون عنك. قلتُ له: لا تهتم بالأمر، سأذهب لأرى ماذا يريد هؤلاء، وكيف تجرؤوا على المجيء إلى هنا وهم يعلمون أن البناء قانوني ولا ينقصه شيء. مدّ أحدهما يده لمصافحتي، ثم تبعه الآخر. قدّما لي التحية وكأنهما مقبلان على طلبٍ يعرفان مسبقًا أنني سأرفضه. سألتهما: هل أنتما من الجماعة المحلية أم من القيادة؟ لأنني لا أعرفكما. قال أحدهما: لا، نحن من الولاية. فقلتُ: هل تريدان رؤية رخصة البناء؟ إنها معلّقة في الأعلى على واجهة الباب الخارجي. ردّ أحدهما: لا، لم نأتِ بخصوص البناء، بل جئنا في شأن آخر. في تلك اللحظة، اعتقدتُ أنهما جاءا بسبب إحدى مقالاتي، أو تحركاتي مع مناضلي اليسار والجمعية المغربية لحقوق الإنسان. غير أن الأمر لم يكن كذلك. إذ سألني أحدهما، على نحو مباغت: – هل شاركتَ في مسابقة أدبية؟ أجبتُ بالنفي: لا. والحقيقة أنّني لم أكن أريد نفي الأمر، بل كنتُ قد نسيتُ المسابقة أصلًا، لطول المدة التي مضت منذ أرسلتُ روايتي، وطول الانتظار الذي أنهكني وأنا أترقب مصيرها. قال، وكأنه يشكّ في جوابي: – أنت متأكد؟ أجبتُ: – نعم. ثم عاد يسأل بإلحاح: – ألم تشارك في مسابقة أدبية؟ عندها تذكّرت، واستدركت الأمر، وقلتُ مستغربًا: –إيه؟ نعم… ولكن المسابقة متعلقة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، فما علاقة الولاية بمسابقة أدبية جامعية؟ قال، وقد بدا عليه أنه يستعد لإلقاء خبر جلل: – دعني أوضح لك الأمر جيدًا. لقد تم اختيار مشاركتك للفوز بالجائزة، وسيحضر الإعلام السمعي والمرئي والبصري، وصاحب السمو الملكي الأمير سيدي محمد هو من سيمنحك الجائزة بنفسه. لذلك نحن هنا لإخبارك بالبروتوكول الواجب عليك اتباعه: يجب أن ترتدي ملابس نظيفة، وحذاءً نظيفًا، وأن تقبّل يد صاحب السمو الأمير. سمعتُ كلامهم وكأنني أستمع إلى خرافة يرويها الآباء لأطفالهم الصغار ليستدرجوا النوم إلى عيونهم. لم أردّ عليهم، لا بالرفض ولا بالقبول. في تلك اللحظة، اتخذتُ قراري داخليًا، وبلا تردد: لن أحضر مراسيم تسليم تلك الجائزة، حتى لا أُجبر على تقبيل يد الأمير، ابن الطاغية. كيف لي أن أفعل ذلك، وأنا المناضل اليساري، المؤمن بالثورة، والحالم بإنجاز الجمهورية التي تضع حدًّا نهائيًا لطغيان الملكية؟ انصرف كلٌّ منا إلى سبيله، وبقيتُ وحدي مع أسئلتي، تتناسل في رأسي وأنا أنظر باحتقار شديد إلى هذه الملكية التي تفرض على أبناء الشعب تقبيل يديها، لتُظهر للعالم الخارجي وكأنها محبوبة، محمولة على أكتاف الرضا الشعبي. ولحسن الحظ، وبعد أيام قليلة، علمتُ من الأخبار أن ملك الأردن سيقوم بزيارة رسمية إلى المغرب في اليوم نفسه الذي كان مقررًا لتوزيع الجوائز بمدينة مكناس، المدينة التي احتضنت ذلك العرس الأدبي. وبذلك، فإن من يُسميه “العبيد” صاحب السمو الأمير لن يحضر تسليم الجوائز، بل سيشرف على مراسم استقبال نظيره ملك الأردن في العاصمة الرباط. هكذا تجسّدت بوضوح حقيقة انتظارنا كأدوات في لعبة سياسية، تُغيَّر قواعدها فجأة، دون اعتبار لأحد. وبهذا، نابت الوزيرة نزهة الشقروني عن الأمير في تسليم الجوائز، الأمر الذي دفعني إلى تغيير موقفي، واتخاذ قرار الذهاب إلى الكلية لتسلّم الجائزة بحضور الوزيرة، لا بحضور الأمير. حصلتُ على الجائزة الثانية في مسابقة أدبية نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة مكناس، صيف سنة 1999. شاركتُ في المسابقة برواية بعنوان «الحب و العاصفة»، اختارتها لجنة التحكيم، التي ضمّت عددًا من الأساتذة الجامعيين، لتفوز بالجائزة الثانية. أما الجائزة الأولى، فقد كانت من نصيب أحد الأدباء من مدينة مراكش عن ديوانه الشعري، فيما خُصصت الجائزة الثالثة لمجموعة قصصية قصيرة فاز بها أديب آخر من مدينة القنيطرة. كانت المسابقة وطنية، والجوائز ثلاثًا: الجائزة الأولى عبارة عن شيك مالي بقيمة عشرة آلاف درهم، والجائزة الثانية تذكرة سفر إلى العاصمة البرتغالية لشبونة أما الجائزة الثالثة فكانت شيكًا ماليًا بقيمة خمسة آلاف درهم. ربما كان الفائزان بالجائزتين الماليتين في وضعٍ أفضل من وضعي، فأنا لم أكن أملك حتى ثمن فنجان قهوة. لكن الرياح، كما هي عادتها، تهبّ بما لا تشتهي السفن، وكأنها تعرف وحدها، في النهاية، ما هو الأفضل. تسلّمتُ الجائزة وأنا مرتاح الضمير، لا لأنني فزت، بل لأنني لم أنحنِ كالعبد للأمير. كانت الجائزة عبارة عن تذكرة ذهاب وإياب من المغرب إلى العاصمة البرتغالية عبر الخطوط الجوية الملكية، التي كنتُ أكرهها من تسميتها قبل أن تطأ قدماي إحدى طائراتها، لأنني أكره كل ما هو “ملكي”، وكل جهاز أو شركة أو إدارة أو شارع يحمل هذه التسمية المستعبِدة للشعب. تسلّمتُ التذكرة في شكل ورق مُقوّى، طوله يقارب مترًا، وعرضه نصف متر تقريبًا. كانت أشبه بحصيرة أو سجادة، لكنها خالية من أي معلومة عن ظروف الإقامة، أو ما يتطلبه السفر من نوم وأكل وشراب. قررتُ التوجه إلى السفارة البرتغالية بالرباط للاستفسار عن الرحلة والتأشيرة، فكانت صدمتي كبيرة حين تأسفت موظفة بالسفارة لوضعي، مؤكدة أنني لا أستوفي الشروط المطلوبة للحصول على تأشيرة شنغن. وأضافت، بنبرة ساخرة، أن الوزارة منحتني تلك التذكرة وهي تعلم جيدًا أن شروط الحصول على التأشيرة لم تعد سهلة. طلبتُ منها أن تكتب لي، على ورقة، كل الشروط والوثائق القانونية اللازمة لتقديم طلب تأشيرة شنغن. فعلت ذلك بسرعة وحماس، وكأنها تشفق على حالي، أو تحاول إنقاذ ما تبقى من حلم مبدع تبخر قبل أن يكتمل. عدتُ بعدها إلى وزارة الشؤون الثقافية والاجتماعية، وطلبتُ مقابلة الوزيرة نزهة الشقروني، التي أعرفها شخصيًا كأستاذة جامعية بمدينة مكناس، وكمناضلة سياسية ونقابية. فقد سبق أن شاركنا معًا في العديد من المظاهرات التي نظمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والكتلة الوطنية الديمقراطية، التي ضمت آنذاك عدة أحزاب، من بينها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تنتمي إليه نزهة الشقروني، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي أنتمي إليها، إضافة إلى حزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاستقلال، وما تبقى من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. لم أجد الوزيرة في مكتبها، فتحدثتُ إلى المسمى “حمضي”، مدير ديوانها. عرّفته بنفسي، وبسبب رغبتي في لقاء الوزيرة، وشرحتُ له استحالة استعمال تلك التذكرة، مقترحًا تغييرها بمبلغ مالي، كما هو الشأن بالنسبة للجائزتين الأولى والثالثة. لم يكن هدفي الحصول على المال للمتعة أو الترف، بل أردتُ أن أتمكن من طبع روايتي، أو أن تتكفل الوزارة بطبعها. غير أن اقتراحي لم يلقَ أي تحمس من جانبه، بل بدا غير مرضٍ بالنسبة إليه. عندها، قررتُ العودة إلى مدينة مكناس لمتابعة مراقبة سير أشغال البناء، خاوي الوفاض، إذ لم تكتمل فرحتي، لا بالسفر، ولا بطبع روايتي. رتّبتُ لاحقًا لحوار صحفي مع جريدة الأحداث المغربية اليومية، التي كان يديرها آنذاك الاشتراكي محمد البريني. نُشر الحوار تحت عنوان: " نُبدع أو لا نُبدع، فلا آذان تصغي لنا ولا وزارة تلتفت لعطائنا»، وقد ملأ الحوار نصف الصفحة الأخيرة من عدد الجريدة الصادر يوم الخامس من أكتوبر سنة 2000، تحت العدد 625. ازدادت عزيمتي قوة بعد ذلك، وقررتُ وضع تخطيط محكم للحصول على التأشيرة مهما بلغت التحديات. كلّفني ذلك سنتين كاملتين من الانتظار وجمع الوثائق واحدة تلو الأخرى. وبعد عامين من الصبر والمثابرة، تمكّنتُ أخيرًا من الحصول على تأشيرة بلجيكا، وهو ما تأكدتُ منه حين قصدتُ السفارة البلجيكية بالرباط، وقدّمتُ طلبي مدعّمًا بكل الوثائق، وسلمتُ جواز سفري. بعد مدة لم تتجاوز ثلاثة أشهر، توصلتُ باستدعاء للحضور شخصيًا إلى السفارة. في البداية، اعتقدتُ أنهم سيعيدون لي جواز سفري مرفقًا برفض الطلب. لكن حين ناولتني الموظفة جواز السفر، سألتُها عن التأشيرة، وهل تم رفضها. ابتسمت وقالت
أبدًا، التأشيرة داخل جواز سفرك. في تلك اللحظة، لم أكن أعرف شيئًا عن التأشيرات، ولا كيف تُمنح أو تُنتزع. كنت أظنها بطاقة صغيرة مستقلة، لكنني حين قلبتُ صفحات جواز سفري، وجدتُ التأشيرة تحتل صفحة كاملة. لم أفرح كما يفرح الآخرون، لأنني لم أفكر يومًا في الهجرة، ولم أكن أعتقد أنني سأغادر وطني، لأسباب عديدة… منها أنني لم أكن أملك أحدًا يستقبلني في المهجر أو يرشدني في متاهاته. ثم كان عامل اللغة حاضرًا بقوة؛ إذ لم أكن أتقن سوى الفرنسية، ما جعل الوجهة الممكنة تنحصر بين فرنسا أو جزء من بلجيكا. لم يكن اهتمامي منصبًّا، آنذاك، على التأشيرة التي حصلتُ عليها، بقدر ما كان قلقِي معقودًا على ما ينتظرني بعد الوصول: كيف سأعيش؟ ماذا سأفعل؟ وكم سيكلّفني ذلك من مال لم يكن بحوزتي أصلًا. كانت التأشيرة ثقيلة على كتفيّ، كأنها عبء أكثر منها مفتاحًا. وقفتُ لحظة متأملًا، عاجزًا عن الحركة، قبل أن أغادر السفارة البلجيكية متجهًا نحو سيارات الأجرة بالرباط، عائدًا إلى مدينة مكناس قبل غروب الشمس، وقبل أن يهيمن الظلام الطبيعي، مضافًا إليه ذلك الظلام السياسي الملكي المهين الذي كان يخيم على البلاد. أما تذكرة السفر التي تسلّمتُها كجائزة، فقد كانت مستحيلة الاستعمال، أو تغيير وجهتها نحو بلد آخر غير البرتغال. حاولتُ، غير أن كل المحاولات باءت بالفشل، لأن كل محاولة يقوم بها أبناء الشعب في المغرب مصيرها الفشل قبل أن تبدأ، إلا تلك التي تُغلّف بالرشوة، أو الزبونية، أو المحسوبية، أو تكون مصحوبة بأوامر عليا. امتطيتُ الحافلة الرابضة في حيّ “حمرية”، قلب مدينة مكناس، تنتظر قدوم المسافرين من المهاجرين. كانت حافلة جميلة، ويكفي أن يجلس المرء في مقعدها حتى يشعر أنه بالفعل متجه نحو أوروبا؛ تلك القارة التي تُحكى عنها الأساطير في المجالس: التقدم، النظافة، الإنسانية، العدل، الديمقراطية، احترام الإنسان والحيوان والطبيعة، توفير فرص النجاح في الحياة، وتشجيع الإنسان الفاشل لينجح، في حين يُدفَع الإنسان الناجح في المغرب دفعًا نحو الفشل. كنتُ أسمع فقط عن كل ذلك، ولم أكن قد عشته من قبل، غير أن آثاره كانت بادية على ملابس ووجوه وسيارات المهاجرين العائدين لقضاء عطلهم في المغرب. والجميع يعلم أن جزءًا كبيرًا من اقتصاد البلاد قائم على تحويلاتهم المالية الضخمة، ومع ذلك فهم مجرد بقرة حلوب. بعدما دفعتهم الملكية الديكتاتورية إلى الهجرة، ثم أعاقت اندماجهم في بلدان المهجر، كي تحلبهم باسم وطنية مفرغة من معناها، وباسم الارتباط بالوطن. فالوطنية، في هذا البلد، حكر على الفقراء من أبناء الشعب، أما الوطن نفسه، بكل ما يحتويه، فهو للملكية، وحاشيتها، وخُدّامها من الأغنياء. كانت تلك الحافلة من أجمل ما امتطيت. جلستُ في مقعدي دون أن أودّع أحدًا من معارفي أو رفاقي أو عائلتي، لأنني لم أصدق بعد أنني سأهاجر فعلًا، وأنني سأجتاز الحدود ومتاريس السلطة المنتشرة في كل منعرج من منعرجات الطرق بين المدن والقرى، وكأن المغرب بلد في حالة حرب دائمة. ومع ذلك، لا يتردد الإعلام الرسمي في ترديد كلمات “استقرار المغرب” و“تقدمه” و“ديمقراطيته” و“حريته” مئات المرات كل يوم. رافقني صديق واحد يُدعى مصطفى، شاب رائع، نظيف العقل والروح، إنساني إلى أبعد حد، وذو خلق عظيم. قلت له، بعدما لاحظتُ كثرة المسافرين المسنين من رجال ونساء:
– تمنيتُ، يا مصطفى، لو تجلس بجانبي فتاة جميلة أو شاب، حتى نتبادل الحديث، فالسفر قد يطول ثلاثة أيام للوصول إلى بلجيكا، إن اجتزنا الحدود. قال لي ليطمئنني: – لا تقلق، سيكون السفر بسلام. لكن عندما تصل إلى إسبانيا، انحنِ وقبّل أرضها، وقل لها إنني قادم نحوها لا محالة، وبلّغ سلامي لفريقي الكروي ريال مدريد. كان مصطفى يعشق هذا الفريق عشق الجنون. ضحكنا ضحكًا هستيريًا، لأنه بدوره كان يحلم، ككل شباب المغرب، بالهجرة، وينتظر في كل لحظة تحقيق حلمه، رغم أن وضعه العائلي والمادي لم يكن يدفعه إلى ذلك. كان ميسور الحال، يملك كل وسائل العيش المريح، بما فيها سيارة فاخرة. فقد عاش والده في هولندا، قبل أن يعيد أبناءه السبعة صغارًا إلى المغرب خوفًا من أن يصبحوا نصارى. توفي الأب، وترك لهم ثروة ودخلًا شهريًا يفوق ما يتقاضاه طبيب جرّاح. ومع ذلك، لم يكن مصطفى يهدأ له بال إلا بفكرة مغادرة المغرب. كنا نضحك ونتبادل أطراف الحديث في انتظار دوران عجلات الحافلة، وربما كان ذلك الضحك هو ما لفت انتباه فتاة جميلة، ذات شعر أسود مصفف بعناية، ووجه ناعم فاتن، وقامة نحيفة جذابة. كانت تخترق ممر الحافلة قادمة من بابها الخلفي نحو الأمامي، تحدّق في وجوه الجالسين يمينًا ويسارًا، كما يفعل السائق حين يراقب التذاكر. واصلت خطواتها المتباطئة حتى وصلت إلى المقعد المجاور لي. سألت مصطفى: – هل أنت أيضًا مسافر؟ أجابها بهدوء ووقار: – لا، لست مسافرًا، جئت فقط لأودّع صديقي. عندها التفتت إليّ وطلبت أن تجلس بجانبي. استغربتُ، كما استغرب مصطفى، وقد ارتسم الاستغراب على وجهينا في اللحظة نفسها، وكأن القدر استجاب بسرعة مذهلة لطلبي الذي لم يمضِ عليه سوى دقائق. انطلقت الحافلة، وودّعتُ مصطفى، دون أن أدرك أن تلك اللحظة ستكون آخر وداع بيننا. لم تجرؤ الفتاة على الحديث، كما لم أجرؤ أنا على كسر الصمت الذي خيّم بيننا. حاولتُ أن ألصق وجهي بزجاج النافذة لأمنحها مساحة أكبر، غير أن نحافة جسدينا جعلت الأمر غير ضروري. كنتُ أراقب مباني مدينة مكناس وهي تمرّ أمام عينيّ، واحدة تلو الأخرى، لتختفي بسرعة، كأن آلة عملاقة تبتلع المدينة. كنتُ أنظر بعين الحزن والألم والهمّ، متجهًا نحو وجهة مجهولة، لا أعرف عنها سوى ما سمعته من المهاجرين الذين كنتُ أسهر على مراقبة المقاول الذي يبني منازلهم. لم تعرف الفرحة طريقها إلى قلبي. احتَرتُ بين المبادرة لكسر الصمت، وبين إخراج كتاب أو جريدة من محفظتي كطالب يطمح إلى المعرفة، لكنني أدركتُ أنني لن أستطيع التركيز على أي شيء، فالغموض كان يهيمن على عقلي وذاكرتي. استمر الوضع على حاله؛ لا يُسمع سوى صوت عجلات الحافلة وهي تدور، ومحركها يلتهم البنزين لترًا بعد لتر. كان السائق يحدّق في الطريق، غارقًا في أفكاره، كما الركاب جميعًا، حيث خيّم صمت يشبه صمت المقابر. كل واحد كان غارقًا في همومه، وتوقعاته، وحساباته الخاصة. أرهقني هذا الصمت، فأخرجتُ جريدة من محفظتي، وبدأت أتصفحها دون رغبة أو تركيز. لم يكن الخجل ما يمنعني من الحديث مع الشابة، بل خوفي من أن أكون عبئًا عليها، أو متطفلًا على خصوصيتها. لكنها هي من بادرت.
سألتني: – هل تدرس بالخارج؟ كان جوابي سريعًا، كمن وجد نافذة للكلام: – لا، لست طالبًا بالخارج، وهذا أول سفر لي، إن تيسّر ذلك. ابتسمت بهدوء وقالت:– رأيت المحفظة والجرائد، فاعتقدت أنك طالب. فكرتُ قليلًا، وتساءلت من أين أبدأ الإجابة، ثم قلت في نفسي: هذه فتاة تبدو واعية، فلمَ لا نتبادل الحديث وننسى تعب الطريق؟ قلت لها: – لستُ طالبًا بالخارج. أريد الذهاب إلى بلجيكا، ثم إلى هولندا إن سمحت الظروف. وأنتِ؟ بدأت تحكي لي عن أنها متوجهة إلى بلجيكا من أجل جلب ملابس أوروبية لدكانها الكائن بشارع علال ابن عبد الله، في قلب مدينة مكناس. قالت إن تجارتها تفرض عليها السفر إلى بلجيكا أربع مرات في السنة، لجلب السلع التي تعرضها للبيع في محلها.
قلت لها:– أنا أيضًا أقطن بشارع الإسكندرية، المتفرع عن شارع علال ابن عبد الله. صرخت فجأة، وبدهشة صادقة، وقالت:– ماذا؟! دكاني، للصدفة، يقع تمامًا عند نقطة الالتقاء بين الشارعين! قلت لها، وأنا لا أقل دهشة: – إذن دكانك يقابل مقر المنظمة السياسية التي أنتمي إليها، ومقر الجريدة التي أعمل مراسلًا إعلاميًا لها! يا للعجب… نحن جيران، ولم يسبق لي أن رأيتك هناك. ابتسمت وقدمت لي نفسها: – اسمي سهام. فقدمتُ نفسي بدوري: – اسمي علي. تواصل حديثنا في أمور كثيرة، وكان أولها اكتشاف كوننا أمازيغيين معًا. أخبرتني أن أصلها من مدينة " أزرو" بالأمازيغية، التي تعني “الحجر”. وأخبرتها أن أصلي من قرية " تولال " ، في الجنوب الشرقي، وهي منطقة لم تكن تعرف عنها شيئًا. أضحكتُها حين قلت لها إنني قادم من منطقة لا يعرفها أحد، بما في ذلك الله، ولهذا هجرتها، وأنها قرية في آخر خشبة هاتفية بالمغرب غير النافع. صارحتها أيضًا بأنني لا أملك منزلًا خاصًا بي قرب دكانها، في حي الأغنياء، حتى لا تعتقد أنني من أبناء العائلات الميسورة، بل كنتُ أتخذ مقر الجريدة مكانًا للسكن منذ أكثر من تسع سنوات. ضحكنا معًا، وتزايدت الثقة بيننا، لأننا أمازيغيان معًا. واستمر حديثنا داخل الحافلة، وفي الرحلة نفسها نحو الشمال، بلغتنا الأمازيغية التي نتقنها معًا، بعدما كانت بدايتنا بالدارجة المغربية. وما إن اكتشفنا هذا الانتماء المشترك، حتى اقتربنا أكثر، كأن اللغة نفسها مدت بيننا جسرًا خفيًا، جمعنا في لحظة صادقة، بعيدة عن الأحاديث العابرة التي تفرضها المصادفات. لم أكن أعرف عن هذا السفر شيئًا سوى أنني جالس في مقعد من مقاعد حافلة لا تتوقف عن السير. وحين علمت سهام أنني أجهل الطريق، أخبرتني أننا سنسافر بهذه الحافلة إلى مدينة طنجة، ثم سنركب الباخرة لعبور البحر الأبيض المتوسط نحو إسبانيا. قلت لها ببراءة ممزوجة بسذاجة الجهل بما يتطلبه السفر إلى أوروبا: – هل سنظل نحن الركاب داخل الحافلة نفسها وهي تعبر على متن الباخرة؟ ابتسمت، وشرحت لي أننا سنغادر الحافلة ونصعد إلى السفينة. وأضافت أنه عند الوصول إلى إسبانيا سنجد حافلة أخرى في انتظارنا، قد تكون أقل جمالًا وراحة من هذه، لكنها ستواصل بنا الرحلة. سيكون هناك سائقان يتناوبان القيادة، كل واحد يقود ست ساعات ليرتاح الآخر، إلى أن نصل إلى المحطة المركزية في بروكسل، العاصمة البلجيكية. كنت أتابع حديثها كلمة كلمة، بل حرفًا حرفًا، خوفًا من أن أنسى شيئًا فأضيع الحافلة أو الباخرة. سألتها في تلك اللحظة، بتردد واضح: – هل أنتِ مستعدة للبقاء معي طوال الرحلة؟ أجابت بحزم لا يقبل النقاش:– نعم، ولن أفارقك حتى تجد صديقك الذي ينتظرك في المحطة. وإن تعذر قدومه، فستذهب معي إلى عائلتي. فالأمازيغية الحرة لا تترك أخاها الأمازيغي في الشدة. كان لكلامها عمق لا يمكن تجاهله. لم تكن تتحدث فقط عن رحلة سفر، بل عن معنى أوسع للحياة، حيث تتجاور الشدة والرحمة، والخوف والتضامن. شعرتُ أن تلك اللحظة ستظل عالقة في الذاكرة، وأن الطريق أمامنا، رغم غموضه، كان مفعمًا بالأمل والتحديات والأماكن غير المألوفة. ابتلع الليل ضوء النهار، وبدأت تلوح من بعيد أضواء مدن الشمال، خافتة كأضواء الشموع في الكنائس والمعابد. وكلما نزلت عجلات الحافلة من علوّ كدية، أو التوت كأفعى في منعرج من المنعرجات الجبلية المعقدة، كانت تلك الأضواء تختفي فجأة، بعدما تحجبها التلال والجبال عن العين. استمر المشهد، وكنتُ أحيانًا أتحدث مع سهام، وأحيانًا أتركها تغمض عينيها المتعبتين، بينما أراقب الطريق. فجأة تغيّر صوت عجلات الحافلة، من دورانها المعتاد على الإسفلت إلى احتكاكها بالأحجار والتراب، وهي تميل يمينًا ويسارًا كأنها على وشك الانقلاب. سألتها بقلق: – ماذا حدث؟ أجابت بثقة:– لا شيء، لا تقلق. ستتوقف الحافلة ليتناول السائق والركاب العشاء. توقفت الحافلة فعلًا في ساحة تعج بالدكاكين والمقاهي. كان بعضهم يصرخ لاستدراج الركاب، بينما اشتعلت النيران لشواء اللحم في كل مكان. غير أن تلك النيران لم تكن أشد اشتعالًا من النار التي كانت تتقد في داخلي، وأنا أتهيأ لعبور البحر نحو ضفة مجهولة، واجتياز متاريس الديكتاتورية الحاكمة في المغرب: الجمارك، المخابرات، رجال الأمن السريين والعلنيين، الدرك، والجواسيس. طلبت مني سهام النزول من الحافلة، محاولة كسر شرودي. نزلنا معًا، وأخبرتها أنني لا أستطيع الأكل. قالت، بنبرة صادقة:– إن كنت لا تملك المال، فأنا أعطيك ما تحتاجه. شكرتها، واغرورقت عيناي بالدموع من شدة لطفها، غير أنني أخبرتها أنني تعودت عدم الأكل أو الشرب في أي سفر داخل المغرب لا أعرف تفاصيله. فكيف بسفر خارج المغرب؟ استغربت وقالت: – هل ستمتنع عن الأكل ثلاثة أيام كاملة؟ لم أرد أن أزيد من حزنها، فقلت في نفسي إنني أشبه بالصائم طوال حياتي. لم أكن من الذين يتناولون وجبات منتظمة، لعدم توفر المال، خاصة بعد أن فقدت والديّ منذ الطفولة. لم أخبرها عن فقري وعوزي، لكنني لم أنسَ ذلك أبدًا، واحتفظت بكل الألم والجراح والمعاناة داخلي. وصلنا إلى محيط الباخرة التي كانت تنتظر لحظة إبحارها نحو الضفة الأخرى. نزل الركاب جميعًا، مغادرين الحافلة، مصطفّين في طوابير طويلة أمام مكاتب إدارية باردة، وكل واحد منهم يمسك جواز سفره مرفقًا بتذكرة السفر وتذكرة ولوج الباخرة. كان الجميع يمر أمام مكتب مغطّى بزجاج أسود قاتم، لا يرى المسافرون ما خلفه، بينما من خلفه يرونهم جميعًا، كما يرى الإله خلقه دون أن يروه. كان ذلك مكتب الجمارك والشرطة والمخابرات المغربية، حيث لا يُفتَّش فقط المسافر، بل يُفتَّش تاريخه، واسمه، وسيرته، ونياته، وكأنهم ينقّبون في الذاكرة لا في الحقائب. تقدّمت سهام قبلي، ففعلت ما فعلت، ثم أخذت جواز سفري وتذكرة السفر وتذكرة ولوج الباخرة. مددتُ يدي بها نحو ذلك الثقب الصغير في الزجاج الأسود، فاختُطف جوازي بسرعة خاطفة، كما يُختطف شيء بفم تمساح، ثم عاد إليّ من نفس الثقب، صامتًا، بلا تفسير. هكذا تجاوزتُ الحاجز الأول، ذلك الحاجز الغامض، المظلم، الثقيل. واصلتُ السير نحو نقطة تفتيش الحقائب، حيث وقف رجال مفتولو العضلات، قساة الوجوه، تبعث نظراتهم الخوف قبل أسئلتهم. وضعت حقيبتي أمامهم، وإلى جانبها جواز سفري وتذاكري، وكنت في أقصى درجات الاستعداد للدفاع عن نفسي، بل للعودة من حيث أتيت، إن فُرض عليّ ذلك. غير أنهم لم يفتشوا حقيبتي، التي لم تكن كبيرة بما يكفي لإثارة شكوكهم. اكتفى أحدهم بسؤالي بلهجة آمرة: – ماذا تحمل في الحقيبة؟ أجبته بهدوء:– فواتير ووثائق بناء، أحملها لأصحابها. لم يكلّف نفسه عناء التأكد، رغم أن تلك الأوراق لم تكن سوى بعض الجرائد التي نُشرت فيها مقالاتي، وثلاث نسخ من روايتي إلى جانب مخطوطات مشروع مجموعة قصصية. تجاوزتُ الحاجزين بسلام، دون تعقيد، كأن القدر قرر أن يغمض عينيه قليلًا. وبينما كنتُ أخطو خلف سهام بخطوات معدودة نحو باب الباخرة، أوقفني شرطي ببذلة متسخة، وطلب رؤية جواز سفري. ناولتُه إياه، فحدّق في صورتي، ثم في وجهي، ثم بدأ يقلب الصفحات ببطء متعمّد، إلى أن توقّف عند صفحة التأشيرة، وقال ببرود: – هذه التأشيرة مزورة. نظرتُ إليه نظرة احتقار صافية، وقلت:– هل تستطيع مهاتفة سفير بلجيكا لإخباره بأن تأشيرته مزورة؟ لم أكمل عبارتي حتى رأيت سهام تنتزع جواز سفري من يده بعنف، وتواجهه بعينين مشتعِلَتين: – الباخرة على وشك إغلاق أبوابها، وأنت تعطلنا. هذا الرجل يتعامل معك بلطف، لكن إن هاتفتُ أبي الآن، فستُطرَد وتصبح مشردًا. لم يجرؤ الشرطي على الرد. صمتَ، وانكمش، كأن الكلمات صفعته. أمسكتني سهام من ذراعي، وجرّتني قائلة باللغة الأمازيغية: – أسرع، لا نريد أن نضيع الباخرة. هذا الكلب كان يعتقد أنه سيخيفك ليأخذ منك رشوة. تتصرف سلطات الديكتاتور تصرّف العاهرة؛ ترحّب بالمهاجر كالزبون عند دخوله البلاد قبل أن يدفع ما جمعه في المهجر، لكنها لا تودّعه عند خروجه بعدما تفرغ جيبه. دخلتُ السفينة لأول مرة في حياتي، وكأنني دخلتُ عالمًا آخر. لم أتذكّر شيئًا مما رأيته بداخلها، كأن ذاكرتي مُسحت وأُعيدت برمجتها. كان كل شيء غريبًا، ضبابيًا، حلمًا لا أستطيع التحكم فيه. شعرتُ أنني ما زلت في المغرب، في ذلك السجن الكبير، وأنني لم أغادر بعد. ساورني الشك: هل ستبحر السفينة فعلًا، أم ستعود أدراجها كما حدث لغيري من المهاجرين لما تريد المخابرات اعتقالهم؟ عشرات الآلاف من المغاربة، رجالًا ونساءً وأطفالًا، ابتلعهم هذا البحر ذاته وهم يحاولون الهروب سرًا من السجن الكبير. كثيرون منهم ما زالوا في الأعماق، بلا أسماء، بلا قبور. كنتُ أكذّب نفسي، أكرر في داخلي ، لكن الأضواء المغربية كانت تبتعد شيئًا فشيئًا. حرّكتُ يدي لا شعوريًا، كأنني أدفع السفينة لتسرع، ليغيب المغرب عن ناظري إلى الأبد. لم تكتمل فرحتي بعد. كنتُ أعلم أن عبوري الحقيقي لن يبدأ إلا بعد الجمارك الإسبانية. شعرتُ كأنني سجين محكوم بالمؤبد، ينتظر لحظة خروجه الأولى من باب المعتقل. لحظة فاصلة، لا تتكرر. طلبت مني سهام أن نخرج إلى شرفة السفينة. نظرتُ إلى الأفق، حيث كانت أضواء طنجة تتلاشى، والبحر يمتد بلا نهاية. كان صوت الموج هادئًا، والرياح تعبث بشعري، كأنها تهمس لي بأن حياة جديدة تلوح في الأفق. شعرتُ أنني أترك خلفي جزءًا مني، جزءًا عاش مكبلًا داخل السجن الكبير. قلتُ لها، بصوت خافت، موجّهًا كلامي نحو المغرب:– هذا سفري بلا عودة كان صوتي مثقلًا بالحزن. نظرت إليّ سهام بصمت، كأنها تفهم ما لا تستطيع الكلمات حمله. عند وصولنا، نزلنا إلى منطقة الجمارك الإسبانية. انقسم المسافرون إلى صفين: صف لحاملي الجوازات الأوروبية، وآخر لمن لا يحملونها. وقفتُ في الصف الأخير. سألتني سهام: – هل أنت سعيد لأنك هنا بجانبي؟ أجبتها: – نعم. لو كنتِ تحملين جوازًا أوروبيًا، لافترقنا الآن. مرّت سهام بسرعة. أعادوا لها جوازها بلا تعقيد. أما أنا، فاستقبلني الشرطي الإسباني بابتسامة. تذكّرتُ، بمرارة، سنوات الازدواجية والاحتقار والظلم في بلدي. حين دخلت المرحاض بإسبانيا، صدمتني نظافته. كان أنظف من محاكم المغرب، من إداراته، من قاعاته التي تُهدر فيها أموال الشعب احتفالا من قبل الديكتاتورية و خدامها بأعيادها اللاوطنية. كان مكانًا يمكن للمرء أن يشعر فيه بالطمأنينة. ركبنا الحافلة التي تقلنا من إسبانيا نحو بلجيكا، أقل راحة من سابقتها، كما توقعت سهام. جلسنا جنبًا إلى جنب. بعد انطلاقها، سألتني:- هل تسمح لي أن أتكئ على كتفك؟ وافقت بفرح و دون تردد. حاولت الاتكاء، ثم استلقت واضعة رأسها على فخذي، كطفلة تبحث عن أمان. سألتها حينها: – ماذا قصدتِ حين هددتِ الشرطي بمهاتفة أبيك؟ ماذا يعمل والدك؟ ابتسمت بتعب، وقالت: – عمله لن يرضيك… هو في جهاز المخابرات. لكن لا تقلق، لم أعد أراه منذ أن طلّق أمي. كانت كلماتها ثقيلة، مشبعة بمعانٍ لا تُقال بسهولة. ومع توغّل الليل، أدركت أن هذه الرحلة لم تعد مجرد عبور جغرافي، بل بداية مسار جديد، غامض، قاسٍ، لكنه حتمي… مسار سيغيّر حياتي، سواء أردتُ أم لا.
أمستردام
#علي_لهروشي (هاشتاغ)
Ali_Lahrouchi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المسافة بين الهروب والمواجهة
-
قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ
...
-
جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
-
المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء
...
-
المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور
...
-
المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و
...
-
من وراء دعوات الحوار بين المغرب والجزائر؟
-
مظاهرات جيل -زد - بالمغرب وديكتاتورية محمد السادس، حين يتحوّ
...
-
هولندا تحقق في قضية تجسس المغاربة وتستدعي مدير الاستخبارات ا
...
-
هل سيكسر - الأمير- هشام العلوي طاجين المخابرات المغربية بعدم
...
-
المغرب : قضاء التعليمات في مملكة الديكتاتور، حين تُغتال العد
...
-
المخابرات المغربية تختطف المناضلة و الحقوقية سعيدة العلمي
-
على الجميع أن يستفيد من درس الهجوم الصهيوني الإسرائيلي–الأمر
...
-
و فاة رئيس الأوروغواي السابق - خوسيه موخيكا و فقدان الإنساني
...
-
العلاقات المغربية الإسرائيلية من السرية إلى التطبيع ، و ضياع
...
-
الهدية القطرية الضخمة المسمومة للرئيس الأمريكي ترامب
-
ترشيح المغرب لنيل جائزة نيلسون مانديلا: إهانة لمؤسسات الأمم
...
-
الخلافات بين المغرب والجزائر: خلفيات وأفق الحل؟
-
بيان بمناسبة اليوم العالمي للشغل
-
أي مصير ينتظر الأبرياء في سجون المغرب؟
المزيد.....
-
لماذا ألقي القبض على سيليا فلوريس زوجة مادورو أثناء عملية اع
...
-
طالبها ترامب بـ-وصول كامل للنفط-.. ديلسي رودريغيز تتولى رسمي
...
-
بعد العملية الأمريكية في فنزويلا، رئيسة وزراء الدنمارك تطالب
...
-
من الجفاف إلى الشباب.. ما الذي تفعله السيراميدات ببشرتك؟
-
محاولة انقلاب جديدة في بوركينا فاسو وسط توترات عسكرية وسياسي
...
-
بعض الأحلام عصية على النسيان.. ما السر وراء بقائها في الذاكر
...
-
رئيس كولومبيا يكسر الصمت.. ويرد على اتهامات ترامب
-
بعد تهديد ترامب.. -تحول دراماتيكي- في لهجة رئيسة فنزويلا
-
مجددا.. ترامب يوجه -رسالة حادة- لإيران
-
ترامب: -نحن من يقود- فنزويلا
المزيد.....
-
الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة
/ حميد كشكولي
-
العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية
/ هاشم نعمة
-
من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية
/ مرزوق الحلالي
-
الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها
...
/ علي الجلولي
-
السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق
...
/ رشيد غويلب
-
المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور
...
/ كاظم حبيب
-
الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر
/ أيمن زهري
-
المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟
/ هوازن خداج
-
حتما ستشرق الشمس
/ عيد الماجد
-
تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017
/ الجمعية المصرية لدراسات الهجرة
المزيد.....
|