أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح















المزيد.....


صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 10:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن صراع الإرادات الثلاث: إرادة الفساد، وإرادة الثورة، وإرادة الإصلاح، ليس عرضًا عابرًا، بل هو ناتجٌ أساسًا عن تفسّخ الفساد ذاته؛ فلولا الفساد لما وُجدت إرادة الثورة ضدّه، أو –في أقل تجلياتها– إرادةُ الإصلاح. ومن هنا، يتبدّى المسار السياسي بالمغرب بوصفه تجسيدًا حيًّا لهذا التوتر البنيوي؛ حيث إن فساد السلطان، الذي احتمى بالحماية الفرنسية ضد الشعب، في رفضه التامّ للتخلي عن إرادة الفساد التي يحكم بها، ثم فيما بعدُ الملكُ الذي حلّ محلّ السلطان قانونيًا، إنما كان السبب العميق في بروز الإرادة الثورية، تلك الإرادة التي نهضت بغية تصحيح المسار السياسي المغربي وتنقيحه من كل أشكال الفساد، واستعادة الحق للمواطن، وفرض المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون.
غير أن الحاكم، في مفارقة لافتة، لا يرى نفسه فاسدًا ولا حاكمًا بإرادة الفساد؛ لأنه يرى أن قدسيته لا تجعله متساويًا مع المواطن، كما أن تحقيق العدل والمساواة قد يضرّ بتوجهاته المطلقة ويحدّد مسؤوليته وحدوده، وهذا ما لن يقبله الحاكم، سلطانًا كان أم ملكًا، في المجتمعات المتخلفة مثل المغرب. وفي قلب هذا المشهد المتوتر، وداخل هذا الصراع بين الإرادات الثلاث: إرادة الفساد للحاكم، وإرادة الثورة والثوار الهادفة إلى تحقيق التغيير والمساواة، الذين انهزموا أمام الحاكم والحماية الاستعمارية التي قدّمت له الحماية للقضاء على الثوار وإرادة الإصلاح والإصلاحيين ، نشأ موقعٌ ثالث، أو بالأحرى تبلورت منطقة رمادية، حيث ظهر الإصلاحيون وإرادة الإصلاح حتى لا تتم تصفيتهم واعتبارهم من ذوي إرادة الثورة التي تفرض المواجهة المسلحة والكفاح المسلح.
لقد عرف المغرب مرحلة طغت فيها الإرادة الثورية، وبدت فيها إمكانية القطع مع الفساد ممكنة، ولكن للأسف تم القضاء عليها، وتم تشجيع إرادة الإصلاح من قبل إرادة الفساد نفسها؛ لأن هذه الأخيرة تعي جيدًا أنها ستنتصر عليها، إذ كيف ستنهزم أمام إرادة الإصلاح، ما دامت قد انتصرت على إرادة الثورة؟ إنها مفارقة القوة حين تُعيد تشكيل خصومها بما يضمن بقاءها. وفي هذا الإطار، فإن المظاهرات والاحتجاجات والوقفات التي عرفها المغرب ليست سوى تجليات لتحركات بإرادة الإصلاح، ومع ذلك يتم الحكم على المعتقلين على إثر تلك التحركات بسنوات تصل إلى عشرين سنة سجنًا نافذًا، كما هو حال المناضلين الإصلاحيين بمنطقة الريف، الذين لم يطالبوا ولم يحتجّوا سوى بمطالب اجتماعية إصلاحية، ومع ذلك تم إصدار أحكام قاسية وصلت إلى عشرين سنة في حقهم.
بل إن هذه المظاهرات لم تعرف أحكامًا قاسية فقط، بل عرفت أيضًا اغتيالات واختطافات وقتلى وجرحى خلال تاريخ المظاهرات التي عرفها المغرب. وفي هذا الصدد، فإن العالم لا يتدخل ولا يتحرك للإفراج عن هؤلاء الضحايا أو الدفاع عنهم، لا لشيء سوى أن العالم يدرك أن هذه التحركات والمطالب الاجتماعية والإصلاحية تتناقض مع توجهات وسياسات وخطط صندوق النقد الدولي والأبناك الدولية التي تملي على الحكم بالمغرب تنفيذ مخططاتها عند عقد اتفاقيات القروض معه.
وهنا يتجاوز التحليل حدوده الوطنية ليكشف عن بنية أوسع: فهذه المؤسسات متحكّمة في السياسة الدولية، والقانون الدولي، والإعلام، وكل المؤسسات التي بإمكانها الدفاع عن حقوق الأفراد والجماعات، وهي مؤسسات بمختلف تخصصاتها تنفّذ توجيهات هذه المؤسسات المالية؛ حيث تتخذ حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو العدالة وحقوق المرأة والمساواة ذريعةً لمهاجمة بعض الدول وأنظمتها التي تختلف مع هذه المؤسسات وترفض تنفيذ أوامرها، وفي نفس الوقت تغضّ الطرف عن الدول والأنظمة التي تتعامل معها. وفي هذا الصدد، ما هو الفرق بين كل من الصين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية التي توجه لها اتهامات في مجال حقوق الإنسان، ولا توجه نفس الإتهامات أو الضغوطات لكل من المغرب ودويلات الخليج وهلم جرا؟ هنا، بالضبط، تنكشف سياسة الكيل بمكيالين في صورتها الأكثر وضوحًا.
فلو كان المحتجون والمتظاهرون يتحركون وتحكمهم الإرادة الثورية، أي المطالبة بالقضاء على الملكية، وبالتالي القضاء على الفساد وإملاءات الأبناك الدولية وصندوق النقد الدولي، لصار التضامن الدولي واسعًا مع المحتجين والمتظاهرين الثوار. لكن، عندما يرتبط الأمر بإرادة الإصلاح، فإن هذا العالم يسارع إلى تصنيف ذلك باعتباره شأنًا داخليًا من شؤون المغرب. ومن ثمّ، فإن الأحكام القاسية التي يتلقاها المحتجون والمتظاهرون بسبب مطالب اجتماعية إصلاحية، كان من الأجدى والأفضل لو تلقّوها وهم ثوار ينادون بإسقاط الديكتاتورية الملكية الفاسدة. لكن، وللمفارقة المؤلمة، فإن إرادة الثورة انتهت بالمغرب وتم القضاء عليها، وكان آخر تحركاتها في بداية السبعينيات، حيث الانقلابات العسكرية التي لم تنجح، والكفاح المسلح الذي عرفته منطقة مولاي بوعزة التابعة لمدينة خنيفرة. وفي المحصلة النهائية، ومن هنا تفوقت إرادة الفساد، التي يمثلها الملك وحاشيته، في البداية على إرادة الثورة، ثم على إرادة الإصلاح فيما بعد؛ وبالتالي فالمغرب محكوم من قبل الفاسدين وإرادتهم الملكية الفاسدة.
إذا تعمّق المرء في جشع الحكم العلوي بالمغرب، متوقفًا عند لحظة مفصلية كبداية القرن العشرين، وتحديدًا سنة 1912، حيث وقّع السلطان عبد الحفيظ صك الحماية مع القوة الاستعمارية الفرنسية، أمكنه أن يفهم ويستخلص أن نهاية هذا الحكم العلوي كانت تلوح في الأفق، تحت ضغط العصيان والثورات والهزّات والانتفاضات الشعبية، المتمثلة في نهضة وقيام القبائل الأمازيغية التي أدركت حينها أنه حكم يستنزف خيرات المغرب في مظاهر السهر والترف، ويُغرق البلاد في القروض الدولية التي يستفيد منها السلطان وعائلته، في وقت يتحمل فيه الشعب أعباء الضرائب والفوائد، بل وتبعات السداد واسترجاع تلك القروض للمقرضين. وفي هذا السياق، جاء توقيع السلطان عبد الحفيظ على صك الحماية كخطوة هدفت إلى إدخال القوى الاستعمارية لحماية العرش والقضاء على الثوار من الوطنيين المخلصين. غير أن المفارقة التي تثير الانتباه، بل وتدعو إلى التساؤل، هي أن السلطان وحاشيته ومن يدور في فلكهم من بعض المحسوبين على الحركة الوطنية استعملوا وسائل الإعلام والقانون لمعاقبة هؤلاء الثوار، بل وإعدامهم بتهم الخيانة ووصفهم بالخونة، وهو ما يطرح إشكالًا جوهريًا حول قلب المعايير: كيف يمكن اتهام المدافعين عن الوطن و الشعب بالخيانة، في حين يتم تبرير الاستعانة بالقوة الاستعمارية بغير ذلك؟
ورغم أن فترة الحماية دامت حوالي 44 سنة، وشهدت مختلف أشكال المقاومة، خاصة من طرف جيش التحرير والمسلحين الأمازيغ، فإن السلطان العلوي ظل في موقع محدود التأثير، إذ لم يكن يمتلك سلطة فعلية، بل كان يعتمد في معيشته على ما تقدمه الإدارة الاستعمارية، التي نصّبت مقيمها العام—وهو جنرال فرنسي—حاكمًا فعليًا للبلاد. ومع نهاية تلك الحماية العسكرية وتسليم ما يوصف بالاستقلال الشكلي إلى السلطان العلوي محمد الخامس و زبانيته من المنتسبين للحركة الوطنية، لم يكن هذا الأخير يمتلك سوى ما خلّفته الإدارة الاستعمارية، التي قامت بتوزيع الممتلكات والثروات بين السلطان والباشوات والقياد والأعيان والعملاء الذين تعاونوا معها في مواجهة الثوار المغاربة. وقد أسفر ذلك عن إرث اقتصادي مهم تمثل في أراضٍ فلاحية وعقارات ومشاريع ومؤسسات، مكّن هذه الفئة من التحكم في مفاصل الاقتصاد، وبالتالي التأثير في موازين السلطة السياسية. وفي هذه المرحلة، لم يكن السلطان سوى امتداد وظيفي للإدارة الاستعمارية، وصار بمثابة المقيم العام الفرنسي بالمغرب، مع انشغاله بمظاهر الترف والحياة الاجتماعية المرتبطة بالحفلات والسهرات.
غير أن إدراك محدودية السلطة، قانونيًا وسياسيًا وتنفيذيًا وماليًا، دفع إلى إعادة تشكيل موقع الحكم، حيث تم الانتقال من صفة السلطان إلى صفة الملك في تواطوء واضح للحركة الوطنية، عبر فرض دستور ألغى الوصف السابق وكرّس نمط حكم أكثر تركيزًا للسلطة، قائمًا على الانفراد بالقرار ووراثة العرش من قبل الابن البكر للملك، في خطوة شكّلت تحولًا في طبيعة النظام السياسي. ومنذ ذلك الحين، برز مسار تصاعدي في تركيز الثروة، حيث جرى توجيه جزء كبير من الموارد نحو دوائر ضيقة، ما أدى إلى تضخم ثروات الملك خلال فترة حكمه، ثم تتضاعف تلك الثروة بشكل أكبر من ملك لآخر، في سياق يتزامن مع استمرار التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها جزء واسع من المجتمع المغربي. ولم يقتصر الأمر على استغلال الموارد الطبيعية، بل شمل أيضًا اللجوء إلى التمويل الخارجي، ما ساهم في ارتفاع مستويات المديونية، في مشهد يعيد إلى الأذهان فترات سابقة من تاريخ البلاد.
من هنا يُستشفّ أن كلَّ ملكٍ يخلف الملكَ الراحل يصبح غنيًّا بثروةٍ ماليةٍ مضاعفةٍ لثروة سلفه. وفي المقابل، انشغلت الأحزاب السياسية التي اعتبرت نفسها وطنية أو يسارية، وهي أحزاب تشكّلت من النخبة المتعلّمة التي تخرّجت من مدارس ومؤسسات تعليمية للحماية الفرنسية، والذين تحالفوا للقضاء على جيش التحرير الشعبي الأمازيغي، إمّا عبر إدماج أفراده فيما تم تأسيسه تحت اسم الجيش الملكي، أو عبر القضاء على من اعتُبروا خطرًا على الملكية الديكتاتورية. وقد تم ذلك في إطار تواطؤ وتحالف بين هذه النخبة المتعلّمة، التي سمّت نفسها بالحركة الوطنية، وبين الملكية التي تخرّجت كذلك من نفس مدرسة الحماية الفرنسية، على أساس تقاسم السلطة بين الطرفين.
غير أن الملكية لم تكن جادّة في هذا التقاسم، بل كان هدفها الأساسي هو احتواء هذه الحركة الوطنية الإصلاحية، عبر استقطابها بالامتيازات أو تصفية الرافضين منها. ومن هنا يُلاحظ أن المسار السياسي في المغرب اتخذ مسارين متناقضين: مسارًا يدعم وينشر الفساد على جميع الأصعدة، وعلى رأسها الفساد السياسي من خلال تزوير الانتخابات لإفساد الوضع، وإلهاء الشعب والمجتمع، وخلق منافسة غير شريفة بين الانتهازيين والمتزلّفين والوصوليين، وكان هذا المسار يقوده الملك الذي حقّق استمرارية عرشه داخل هذا المناخ الفاسد. وفي المقابل، برز مسارٌ إصلاحي ينادي بالعدالة ودمقرطة المجتمع وتكافؤ الفرص وتقسيم السلطة وإجراء انتخابات نزيهة وترك الكلمة للشعب، غير أن مسار الفساد انتصر على مسار الإصلاح، فتم تركيع الحركة الوطنية والقضاء على جيش التحرير، وتحويل كل شيء ليصبح ملكيًا: الجيش الملكي بدل الجيش الشعبي، والدرك الملكي، والقوات المساعدة الملكية، والبحرية الملكية، وكل شيء أصبح ملكيًا.
وقد يُعبَّر عن انتصار مسار الفساد على مسار الإصلاح من خلال الثروة الملكية التي تم تكديسها وتراكمها بشكل هائل في يد الملك وأفراد أسرته وحاشيته؛ وهي ثروة لا تعرف نزولًا أو إفلاسًا أو ضياعًا أو خسرانًا، بل لا تعرف سوى الصعود وتحقيق الأرباح وتسجيل أرقام خيالية. وهكذا، فإن كل ملك يتربّع على العرش يضاعف ثروته مقارنةً بالملك الراحل، ومن هنا يتأكد انتصار مسار الفساد على مسار الإصلاح.
من هنا بدأ السفاح الملك الحسن الثاني ينهب المزيد والكثير من الثروة ويحوّلها إلى حساباته الخاصة وحسابات أفراد أسرته، فصار بذلك غنيًا بطرق غير شرعية، وخلال فترة حكمه تضاعفت ثرواته لتصل إلى المليارات. لكن وريثه بعد ذلك، الملك المفترس محمد السادس، ضاعف تلك الثروة عشرات الأضعاف على حساب الشعب المغربي المقهور والفقير والمُفقَر، ولم يكتفِ بنهب الثروات الطبيعية للمغرب، بل أغرق المغرب في الديون الخارجية واستولى على كل مصادر المال، بما في ذلك تهريب المخدرات الذي تحقق عائداته ما بين 17 و23 مليار دولار سنويًا حسب مختلف الأرقام الواردة في التقارير الدولية. وفي هذا السياق تشير تقارير موثوقة، مثل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، والمركز الأوروبي لرصد المخدرات والإدمان، إلى أن المغرب يُعد من أكبر منتجي القنب (الحشيش) في العالم، وغالبًا ما يُصنّف ضمن الدول الأولى عالميًا في هذا المجال، إضافة إلى مختلف أنواع المخدرات التي تمر عبر المغرب، القادمة من أمريكا اللاتينية لتتوجه إلى أوروبا، بفضل الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، وتورط السلطات المغربية في تسهيل هذه التجارة، ناهيك عن أموال الدعم الدولي المقدم للمغرب من مختلف الجهات والمصادر، إذ يتم تحويلها إلى حسابات الملك.
ففي المغرب، لا يمكن الحديث عن مناجم الذهب في مناطق مثل طاطا وورزازات، ولا عن ثروة الفوسفاط، دون طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية: من يملك فعليًا هذه الثروات؟ من يحدد مسارها؟ ومن يجني ثمارها؟ وما هي الفائدة التي يعود بها ذلك على المغرب كشعب وكدولة؟ ولماذا صمت الجميع عن تهريبها ونهبها؟ هذه الأسئلة تُعتبر خطًا أحمر، إذ لا يستطيع السياسيون ولا الإعلاميون ولا الاقتصاديون المغاربة الخوض فيها، لأنها تتعلق مباشرة بمسؤولية الملك في التحكم بهذه الثروات ووضعها تحت سيطرته المطلقة. وبموجب الدستور الممنوح، لا يحق لأي أحد انتقاد الملك أو مساءلته أو توجيه أصابع الاتهام إليه، لما يمتلكه من قدسية دستورية تجعل كل نقاش حول هذه المسألة محظورًا.
الظاهر أن هناك شركات منسوبة إلى المغرب تدير هذا القطاع، وعلى رأسها شركات كبرى تنشط في استخراج المعادن مثل الذهب والفضة، من بينها مناجم معروفة داخل التراب المغربي، كمنجم إميضر للفضة قرب تنغير، ومنجم آقا للذهب بإقليم طاطا، ومنجم بوعازر للكوبالت، إضافة إلى مواقع أخرى في ورزازات والأطلس الصغير، التي يتم استخراج آلاف الكيلوغرامات منها سنويًا. لكن هذه البنية الظاهرة تخفي وراءها شبكة أوسع من المصالح، تتقاطع داخل هولدينغ استثماري ضخم هو “المدى”، الذي يسيطر عليه الملك. وهنا تبدأ الصورة في الاتضاح: تعدد في الأسماء، تنوع في الواجهات، لكن وحدة في مركز القرار، ووحدة في اتجاه تدفق الأرباح وتكديس الأموال في حسابات مختلفة، بعضها داخل المغرب وبعضها الآخر في الخارج، في دول ومراكز مالية مثل سويسرا ولوكسمبورغ والإمارات العربية المتحدة، ووجهات أخرى تُعرف بأنظمتها المالية المرنة. وقد كشفت تحقيقات صحفية دولية، في مناسبات متعددة، عن مسالك وطرق معقدة لتهريب الأموال وتحويلها وإعادة توجيهها عبر شبكات مالية عابرة للحدود.
هذا الامتداد لا يقتصر على الداخل المغربي فقط، بل يشمل استثمارات خارجية في القارة الإفريقية، حيث تنشط شركات تُنسب إلى المغرب في استخراج المعادن، بما في ذلك الذهب، في دول مثل غينيا والسنغال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى مشاريع أخرى في بلدان إفريقية مختلفة. وتفيد بعض المعطيات أن الإنتاج في بعض هذه الدول، خصوصًا غينيا، قد يصل إلى آلاف الكيلوغرامات سنويًا من الذهب الخالص، وهو ما يعزز حضور اقتصاد الملك المفترس مستغلاً في ذلك اسم المغرب في قطاع التعدين الإفريقي والمناجم. هذا النموذج، إذن، ليس مجرد تنظيم اقتصادي، بل هو نمط حكم اقتصادي سلطوي بطابع ملكي، حيث تتداخل التجارة بالسلطة، والاستثمار بالنفوذ، والربح بالامتياز. في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو “سوق” وما هو “سلطة”، وبين ما هو قانوني صرف وما يمكن اعتباره مجالًا مغلقًا تديره شبكات النفوذ. فالأرقام تعكس هذا التناقض بوضوح: فبينما يتجاوز الإنتاج داخل المغرب آلاف الكيلوغرامات سنويًا من الذهب والفضة وأنواع مختلفة، تحقق الاستثمارات الخارجية، إلى جانب ذلك، إنتاجًا مهمًا، خاصة في إفريقيا. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا: أين تتجه القيمة الحقيقية لهذه الثروة؟ ولماذا لا تتوفر معطيات كافية وواضحة للرأي العام المغربي حول مآل هذه الموارد؟ ولماذا لا تنعكس فعليًا على الداخل المغربي من خلال تحسين المؤشرات الاجتماعية أو دعم الميزانيات العمومية؟
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما ورد في كتاب “الملك المفترس” للصحفيين إريك لوران وكاترين غراسييه، الصادر سنة 2012، والذي أثار جدلًا واسعًا، حيث يقدم الكتاب تحقيقًا صحفيًا حول تركّز الثروة والسلطة بيد الملك المفترس محمد السادس، ويشير إلى أن المؤسسة الملكية بالمغرب، عبر شبكاتها الاقتصادية، تمارس حضورًا واسعًا في قطاعات استراتيجية، من الأبناك إلى الفلاحة إلى المناجم. ويذهب ما يقدمه هذا الكتاب إلى حد تصوير الهولدينغ الملكي كـ“منظومة متعددة الرؤوس”، حيث تبدو الشركات مستقلة في الشكل لكنها متصلة في الجوهر، بينما تصب العائدات في دائرة ضيقة لا يتجاوز محيطها أسوار القصر الملكي. كما يطرح تساؤلات حول غياب نقاش عمومي واسع حول هذه المنظومة، خاصة في ظل حساسية المؤسسة الملكية ومكانتها في النظام السياسي.
لكن هذا النقاش لا يتوقف عند حدود الداخل. فحين يُستخرج الذهب من إفريقيا ويُعاد توجيهه نحو مراكز مالية عالمية مثل الإمارات العربية المتحدة، خصوصًا دبي التي تُعد مركزًا عالميًا لتجارة الذهب، تتعقد الصورة أكثر. هنا تتشابك المصالح العابرة للحدود، وتبرز علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة بين فاعلين إقليميين، بما في ذلك دوائر الحكم في بعض الدول الخليجية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات وتأثيرها على مسارات الثروة. وفي هذا الإطار، تم تداول تقارير إعلامية متفرقة تتحدث عن قضايا مرتبطة بتهريب الذهب من بعض الدول الإفريقية، مثل السودان، بما في ذلك ضبط وسائل نقل، من بينها مروحيات مغربية، يُشتبه في استخدامها لنقل كميات من الذهب.
في ظل هذا كله، يظل عنصر المساءلة هو الحلقة الأضعف. فالشركات المرتبطة بمراكز القرار لا تخضع دائمًا لنفس مستوى النقاش أو التدقيق العمومي الذي قد يخضع له باقي الفاعلين. التقارير، حين تصدر، تكون تقنية ومحدودة، بينما يغيب النقاش حول الصورة الكاملة: الكمية المستخرجة من المناجم، حجم الأرباح، طرق توزيعها، نصيب المجتمع منها، والمستفيد من ذلك. وهنا يتبلور جوهر الإشكال: ليس فقط في من يملك الثروة، بل في من يملك حق مساءلة من يملكها و من ينهبها. حين تتقاطع السلطة الاقتصادية مع السلطة السياسية الديكتاتورية في نقطة واحدة، يصبح السؤال عن الشفافية أكثر من مجرد مطلب تقني، بل يصبح سؤالًا سياسيًا خطيرًا بامتياز.
إن مجرد نقد أو إثارة هذه الأعمال الإجرامية التي تقوم بها الشركات الملكية في حق ثروة المغرب والمغاربة، بل حتى الدعوة إلى إعادة التفكير في نموذج تدبير الثروة والجهر بذلك علانية، يؤدي بمن تجرأ على ذلك إلى السجن؛ كما هو حال نقيب المحامين السابق ووزير حقوق الإنسان السابق ورئيس حزب مغربي والمحامي محمد زيان، الذي تساءل علانية عن وجهة الذهب والفضة و الفوسفاط والثروة المستخرجة من مناجم المغرب، وأين هو حق الشعب المغربي منها، وهو ما جعل المخابرات المغربية تُلفِّق له تُهَمًا زُجَّ به على إثرها في السجن، ولا يزال إلى يومنا هذا يقبع خلف القضبان، بالرغم من أنه رجل عجوز تجاوز سن الثمانين سنة من عمره. وهو لم يتطرق سوى إلى الدعوة إلى جعل الثروة والبلاد نموذجًا لا تُختزل فيه البلاد في مواردها، ولا تُختزل الموارد في حسابات مغلقة، بل يُجعل من الثروة رافعة جماعية للتنمية، وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لا موضوعًا دائمًا للتساؤل.
فالمغرب يعرف بين حين وآخر هزات ومظاهرات شعبية للمطالبة بالحقوق ورفع التهميش، وأخذ مطالب المحتجين بجدية، لا بالإهمال أو القمع. إلا أن هذه الهزات والاحتجاجات أحيانًا تأخذ مسارات أخرى في مواجهتها المباشرة مع قوى القمع، وهي مواجهات عرفها التاريخ المغربي عبر كل مراحله لإيقاف نزيف البلاد والعمل على دق ناقوس الخطر وتوجيه رسائل واضحة إلى الديكتاتورية الحاكمة على أن المغرب ليس ضيعة ملكية كما يعتقد الملك وأقنانه. وهي مواجهة يستدعيها الضمير والواجب الوطني واللحظة التاريخية، لأن الأمر يستعصي على الفهم: كيف تمارس الديكتاتورية العلوية الحاكمة سياسة الحديد والنار على المغاربة للتحكم في غضبهم وتجويعهم وتشريدهم وظلمهم و تجريدهم من ممتلكاتهم و هدم منازلهم، ومع ذلك تطالبهم بالمزيد من الصبر والتحمل؟ هذه الديكتاتورية العلوية المسلطة على المغرب والمغاربة لا تدرك أن للصبر حدودًا، وأن الشعب المقهور والمضطهد والمقموع والمظلوم لم يعد لديه ما يخسره، ولم يعد أمامه سوى المواجهة بكل الوسائل، إذ لم تعد المظاهرات والاحتجاجات السلمية تحقق أي أكل، ولا تتحقق من خلالها مطالب الشعب والطبقات المقهورة والجائعة.
وبالتالي، بدأ الشعب المغربي يعي ما تتطلبه المرحلة خطوة بخطوة، لأن الحق يُنتزع ولا يُعطى، وأن البديل الوحيد هو المواجهة مع الديكتاتورية العلوية وعبيدها من الخدام الذين يمثلون السلطة، بما فيهم الأحزاب السياسية والمنظمات والإعلام، الذين لا علاقة لهم بحماية أو الدفاع عن مصالح الشعب، الذي لا يهم أحدًا. كل هذه الترسانة من الأجهزة القمعية تعمل على حماية الملكية الديكتاتورية وضمان استمرار حكمها، لأنها تعيش في ظلها وتحمي مصالحها وفسادها داخل الفساد الملكي الديكتاتوري الذي يمثله الملك وحاشيته، كأنهم يعملون على تغيير الشعب المغربي من شعب مناضل مقاوم رافض للعبودية والاستعباد إلى شعب آخر يرضى بالذل والعبودية، عوض أن يعمل هؤلاء الفاسدون على تغيير نظام الملكية الديكتاتورية الفاسد. وهذه سابقة عالمية بالمغرب، حيث يُراد تغيير الشعب وليس تغيير الملك الحاكم الطاغية.



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التضامن مع إيران وغيرها؛ فلا انتماء عرقي أو أيديولوجي أو مذه ...
- استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية
- خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران
- هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم ...
- العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع ...
- المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
- المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل ...
- ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
- الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
- المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش ...
- المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى ...
- المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
- صرخة مناضل في مغرب بلا أمل
- مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
- المسافة بين الهروب والمواجهة
- قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ ...
- جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
- المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء ...
- المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور ...
- المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و ...


المزيد.....




- -رقصة فوضوية-.. مصور يوثق لحظة ضرب صاعقة برق لبرج خليفة في د ...
- شاهد مروحية -أباتشي- العسكرية تحلّق فوق منزل المغني كيد روك. ...
- تصعيد بين إيران وأوكرانيا واتهامات متبادلة -بالمشاركة في الع ...
- الحرب في الشرق الأوسط: تبادل هجمات بين تل أبيب وطهران.. ومقت ...
- إسرائيل تعلن مقتل 4 من جنودها في لبنان
- أوكرانيا: كيف تصل المكونات الألمانية إلى الطائرات المسيرة ال ...
- دراسة حديثة تكشف كيف يبدأ الخداع عند الأطفال في سن مبكرة جدا ...
- بعد سنوات من المعاناة مع مرض نادر... سيلين ديون تعود إلى جمه ...
- -حرب تضاريس-.. هل غرقت إسرائيل في وحل الجنوب اللبناني؟
- ندرة زيوت المحركات تهدد قطاعات حيوية في غزة


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح