أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية















المزيد.....

استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية


علي لهروشي
كاتب

(Ali Lahrouchi)


الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 23:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ قرون طويلة يحاول الإنسان تفسير تنوّع الشعوب واللغات من خلال روايات النسب والأساطير الدينية. ومن أشهر هذه الروايات تلك التي ترد في سفر التكوين حول أبناء النبي نوح الثلاثة: سام، وحام، ويافث. وقد تحولت هذه الرواية بمرور الزمن من قصة نسب ديني إلى أساس لتقسيمات لغوية وعرقية استخدمها بعض العلماء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قبل أن تتسلل لاحقاً إلى الخطاب السياسي والأيديولوجي الحديث. لكن المشكلة لا تكمن في أصل الرواية الديني، بل في الطريقة التي جرى بها تسييس هذه المفاهيم وتحويلها إلى أدوات اتهام أو شرعية قانونية، دون فهم تاريخها وتعقيداتها.
لقد تم في الآونة الأخيرة النفخ والتضخيم فيما يُطلق عليه "معاداة السامية" من قبل العديد من السياسيين من مختلف الاتجاهات والمواقع، بدءًا من برلمانيين وصحافيين وحقوقيين ووزراء ووصولاً إلى رؤساء وملوك، إلى درجة المبالغة في الأمر. فقد تم تمرير قوانين زجرية تعاقب كل من وُجِّهت له تهمة معاداة السامية، كما أُنشئت مؤسسات ومراكز، وما يُسمّى بالمنسّق الوطني لمكافحة معاداة السامية في بعض البلدان الأوروبية، مثل هولندا، وذلك بالرغم من جهل هؤلاء جهلاً تاماً أو متعمداً بحقيقة الأصول التاريخية لمعنى "السامية". وهذا الجهل يعري ويفضح نفاقهم وجهلهم وتجاهلهم وتخلّفهم في إدارة الشأن العام، إذ لو كانوا أذكياء لما لجأوا مباشرة إلى استعمال سلاح "معاداة اليهودية" عوض استخدام مصطلح "معاداة السامية"، الذي يحمل بعدًا تاريخيًا ولغويًا أوسع.
لكن الهدف الحقيقي وراء هذا النفخ والتضخيم لا يقتصر على الدفاع عن السامية، بل يتعلق برغبتهم وهرولتهم لتحقيق مصالحهم ومبتغياتهم ومرادهم وأهدافهم السياسية والمالية والانتخابية، مستفيدين من إدراكهم لسيطرة اللوبي اليهودي في العالم عبر تحكّمه في المال والأعمال والاقتصاد والتجارة والأبناك والسياسة والإعلام والأسلحة. هذا الواقع فرض على هؤلاء التزلّف للصهيونية والانبطاح لها، وتنفيذ سياساتها وقراراتها ومخططاتها وتوجيهاتها، مستعملين ومستغلّين سلاح "معاداة السامية" كأداة ضغط ضد شعوبهم للتقرب من تلك النخب الصهيونية المتحكّمة في أنابيب الثروات المالية عالميًا، وهو ما يوضح بجلاء كيف يمكن أن يتحوّل مفهوم تاريخي ولغوي إلى أداة سياسية تُستغل لتحقيق أهداف شخصية وانتخابية.
فمن هي السامية في أصلها؟ هذا ما سأنبش فيه تاريخياً، حتى يتسنّى للعقلاء إدراك أنه لا يوجد دليل مادي تاريخي، أو مصدر مكتوب، أو حفريات أنثروبولوجية تؤكد أو تؤيد أو تتبنّى كون اليهود ساميين بمعنى أنهم مائة في المائة أبناء وأحفاد شرعيين للأب والجد سام بن نوح، وبالتالي يُنعتون بالسامية، وليس المقصود بذلك أنهم شعب أسمى، أي أعلى درجة وأفضل ومفضَّل على غيره، كما يُروَّج لذلك. وحتى لو حصل المستحيل ووقعت المعجزة في إثبات أن اليهود من أبناء سام وأحفاده الخالصين غير مختلطين مع الأنساب والأصول المختلفة، فإن اليهودية تبقى معتقداً أو إيديولوجية أو ديناً سماوياً ميتافيزيقياً كما يؤمن به أهله من المقتنعين به، ولا علاقة لذلك بالأصل أو النسب أو العِرق أو الإثنية. فالعقيدة أو الدين أو المعتقد أو الإيديولوجية هي في النهاية فكر بشري مادي أو ميتافيزيقي، في حين أن الإنسان أصلٌ وعرقٌ ونسبٌ من دمٍ ولحمٍ وعظم، ولا علاقة لذلك بانتسابه إلى دينه أو إيديولوجيته أو معتقده، فهو يحمل ذلك في فكره وقناعاته لا في دمه وعظامه. فالبشر سواسية ولا أحد يسمو على الآخر، وإذا وُجدت عقيدة أو دين أو ملة تعتبر البعض أسمى من الآخرين، فإن ذلك يُعد نفيًا قاطعًا للعدل الإلهي والخالق "في حالة وجوده فعلاً"، إذ كيف له أن يفرق ويُميّز ويُفضّل البعض على البعض من نفس مخلوقاته؟ أما التفاوت الذي يميز بعض الناس عن الآخرين فهو تفاوت طبقي أو فكري أو مالي أو إنساني أو أخلاقي، وليس بسبب الأصل أو الدين أو العرق.
تُعد المصطلحات المرتبطة بأصول الشعوب واللغات من أكثر المفاهيم تعقيداً في الفكر التاريخي والإنساني، فكلمات مثل السامية والحامية أو ما يمكن تسميته بـ "اليافتية" نسبة إلى "يافث" الابن الثالث لنوح تبدو في الخطاب العام مفاهيم واضحة ومحددة، لكنها في الحقيقة نتاج مسار طويل من التفسيرات الدينية واللغوية والسياسية، فالسامية لم تظهر في الأصل كمفهوم سياسي أو قانوني، بل ظهرت كتسمية لغوية في الدراسات الأوروبية في القرن الثامن عشر، ثم تحولت تدريجياً إلى مفهوم سياسي واجتماعي واسع التأثير، خاصة بعد ظهور مصطلح معاداة السامية في أوروبا في القرن التاسع عشر، غير أن فهم هذا التحول يقتضي العودة إلى أصل الفكرة نفسها، أي إلى الرواية التي تربط بين الشعوب وأبناء النبي نوح كما وردت في سفر التكوين.
يُستعمل مصطلح السامية في الخطاب الحديث استعمالاً واسعاً، غير أن أصله يعود إلى رواية نسبية قديمة، فالاسم مشتق من سام، الذي يُذكر في سفر التكوين بأنه الابن البكر للنبي نوح، وفي نهاية القرن الثامن عشر صاغ المستشرق الألماني أوغست شلوتزر هذا المصطلح ليصف مجموعة من اللغات المتقاربة مثل العربية والعبرية والآرامية والأكادية، ومع مرور الوقت تحوّل المصطلح من وصف لغوي إلى توصيف سياسي واجتماعي، خاصة عندما استُخدم تعبير “معاداة السامية” في القرن التاسع عشر للدلالة على العداء لليهود، رغم أن الشعوب التي تُنسب تاريخياً إلى سام لا تقتصر على اليهود وحدهم، بل تشمل أيضاً العرب وغيرهم من شعوب غرب آسيا وشبه الجزيرة العربية.
وفي المقابل ظهر مصطلح الحامية نسبة إلى حام، الابن الثاني لنوح، والذي تنسب إليه روايات قديمة شعوباً استوطنت شمال وشرق أفريقيا، وقد استُخدم هذا المصطلح قديماً لربط لغات مثل الأمازيغية والكوشية والمصرية القديمة، لكنه أصبح مصطلحاً مهجوراً في الدراسات الحديثة، إذ يفضّل اللغويون اليوم تصنيف هذه اللغات ضمن عائلة اللغات الأفروآسيوية التي تضم أيضاً اللغات العربية والعبرية وغيرها.
من هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المنطقية: إذا كان سام وحام ويافث أخوة، وكلهم من أبناء نوح، فهل يعني ذلك أن الشعوب المنسوبة إليهم في الأصل أبناء عمومة؟ وإذا كان بعض العرب في الجزيرة العربية يُنسبون إلى سام، فلماذا جرى ربط مصطلح السامية في الخطاب السياسي والقانوني المعاصر باليهود وحدهم دون غيرهم؟ ومن يستطيع حقاً أن يميز بين الساميون والحاميون واليافتيون من بين شعوب العالم الذي نعيش فيه؟
ثم إذا كانت تهمة معاداة السامية تُستخدم لوصف العداء تجاه اليهود تحديداً، فماذا عن الشعوب الأخرى التي صُنِّفت تاريخياً ضمن ما سُمّي بالحامية؟ وأين هي الشعوب التي يمكن تصنيفها بدورها باليافتية؟ أليس في ذلك تناقض حين يُروَّج لحماية “السامية” من العداء، بينما لا يُناقش موضوع العداء تجاه شعوب أخرى صُنِّفت ضمن “الحامية أو اليافتية”، رغم أنهم – وفق الرواية نفسها – أبناء عمومة في النسب الأسطوري؟ كما يطرح الأمر سؤالاً آخر: هل مصطلح معاداة السامية تعبير علمي دقيق مبني على الأدلة القاطعة، أم أنه مجرد مصطلح سياسي ظهر في سياق تاريخي محدد لمساندة ودعم البعض والانتقام من البعض الآخر وشرعنة التمييز العنصري والعرقي والإثني، ثم استُخدم بمعنى أضيق مما يدل عليه أصله اللغوي والتاريخي؟
إضافة إلى ذلك، ينبغي التمييز بين الدين والنسب أو التصنيف اللغوي، فاليهودية ديانة وعقيدة يمكن أن ينتمي إليها أشخاص من أصول متعددة، بينما مصطلح السامية أو الحامية أو اليافتية – في أصلهم – كان يُفترض أنه يشير إلى أصل بيولوجي ونسب أو عائلة لغوية، ولهذا فإن ربط السامية باليهود كشعب واحد فقط ليس دقيقاً علمياً ولا عادلاً قانونياً ولا حتى منطقياً، خاصة أن العرب يمثلون عدداً كبيراً من الشعوب التي تتحدث لغات تُعد ضمن هذا التصنيف.
ولهذا السبب يتجه عدد من الباحثين المعاصرين إلى تجنّب المصطلحين القديمين “السامية” و“الحامية”، ويفضلون استخدام تسميات علمية أكثر دقة مثل اللغات الأفروآسيوية، لأنها تصف العلاقة اللغوية دون الاعتماد على تقسيمات نسبية توراتية قديمة أُسقطت لاحقاً على الشعوب واللغات. وفي ضوء ذلك تبقى الأسئلة مفتوحة: هل المصطلحات المتداولة اليوم تعكس حقيقة علمية دقيقة، أم أنها نتاج سياقات تاريخية وسياسية أعادت تعريف الكلمات بما يخدم تصورات وأهداف معينة؟ وهل يمكن فهم هذه المفاهيم بعيداً عن الجدل الأيديولوجي، بالعودة إلى إطارها اللغوي والتاريخي الأصلي؟
تذكر رواية سفر التكوين أن أبناء النبي نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، وتقدم هذه الرواية تصوراً رمزياً لانتشار الشعوب في العالم بعد الطوفان، حيث تُنسب جماعات بشرية مختلفة إلى نسل هؤلاء الأبناء. غير أن هذا التصور لم يكن في الأصل نظرية علمية في علم الأجناس أو علم اللغة، بل كان جزءاً من التفسير الديني القديم لتنوع الشعوب، فقد اعتادت الحضارات القديمة تفسير الاختلاف بين الأمم من خلال نسب رمزي يعود إلى شخصية أو مجموعة محددة من الأسلاف. ومع مرور القرون بقيت هذه الفكرة في إطارها الديني، إلى أن أعاد بعض الباحثين الأوروبيين في العصر الحديث توظيفها في إطار تصنيفات لغوية.
يُنسب أول استعمال علمي لمصطلح "اللغات السامية" إلى المؤرخ واللغوي الألماني أوغست لودفيغ شلوتزر في أواخر القرن الثامن عشر، حيث استعمل هذا المصطلح سنة 1781 في أبحاثه التاريخية ليصف مجموعة من اللغات المتقاربة، مثل العربية والعبرية والآرامية والأكادية. وقد ورد هذا التصنيف في دراساته التاريخية حول الشرق القديم، ومن بينها كتابه المعروف بعنوان: "التاريخ العام للشعوب الشمالية"، وقد لاحظ شلوتزر أن هذه اللغات تشترك في عدد من الخصائص اللغوية، مثل نظام الجذور الثلاثية والبنية الصرفية المتشابهة.
لاحقاً تبنّى هذا التصنيف المستشرق الألماني يوهان غوتفريد آيخهورن في كتابه "مقدمة في العهد القديم"، وقد ساهم هذا العمل في ترسيخ استعمال مصطلح السامية في الدراسات اللغوية الأوروبية. لكن من المهم التأكيد على أن اختيار اسم "السامية" لم يكن نتيجة اكتشاف علمي يثبت نسب هذه الشعوب إلى سام، بل كان استعارة من الرواية التوراتية لتسمية عائلة لغوية.
في القرن التاسع عشر حاول بعض اللغويين الأوروبيين إنشاء تصنيف موازٍ للغات المنتشرة في شمال وشرق إفريقيا، ومن أبرز هؤلاء اللغوي النمساوي فريدريش مولر الذي عرض هذا التصنيف في كتابه المعروف بعنوان: "مخطط علم اللغات". كما تبنّى عالم المصريات الألماني كارل ريشارد ليبسيوس، المتخصص بدراسة الحضارة واللغة والتاريخ المصري القديم، فكرة اللغات الحامية في دراساته حول اللغات الأفريقية القديمة. وكانت الفكرة الأساسية عند هؤلاء الباحثين أن بعض الشعوب الأفريقية تعود إلى نسل حام ابن نوح، وأن لغاتها تمثل عائلة لغوية مختلفة عن اللغات السامية. غير أن هذا التصنيف واجه لاحقاً انتقادات علمية واسعة.
كانت اللغة الأمازيغية من بين اللغات التي صنفها بعض الباحثين في القرن التاسع عشر ضمن ما سموه اللغات الحامية، وقد اعتبر كارل ريشارد ليبسيوس أن الأمازيغية والمصرية القديمة تنتميان إلى هذه المجموعة. لكن الدراسات اللغوية الحديثة أعادت النظر في هذا التصنيف بالكامل، فقد قام اللغوي الأمريكي جوزيف غرينبيرغ في كتابه المعروف بعنوان: "لغات أفريقيا" الصادر سنة 1963 بإعادة تصنيف لغات القارة الأفريقية على أسس علمية جديدة. وقد أثبت غرينبيرغ أن اللغات التي كانت تُسمّى حامية ليست مجموعة منفصلة، بل هي جزء من عائلة لغوية أكبر تُعرف باسم "اللغات الأفروآسيوية"، وتضم هذه العائلة عدة فروع، منها: اللغات السامية، اللغات الأمازيغية، اللغات الكوشية، واللغة المصرية القديمة، وبذلك يتبيّن أن الفصل القديم بين السامية والحامية لم يكن دقيقاً من الناحية العلمية.
في أواخر القرن التاسع عشر ظهر مصطلح جديد سيغيّر معنى السامية في الخطاب السياسي الأوروبي، ففي سنة 1879 استخدم الصحفي الألماني فيلهلم مار مصطلح "معاداة السامية" في كتابه: "انتصار اليهودية على الجرمانية"، لوصف العداء المتزايد لليهود في المجتمع الألماني في تلك الفترة. ومنذ ذلك الوقت بدأ المصطلح يكتسب معنى سياسياً واجتماعياً جديداً يختلف عن معناه اللغوي الأصلي.
إذا أخذنا المصطلح بمعناه اللغوي الأصلي، فإن السامية تشمل عدداً كبيراً من الشعوب التي تتحدث لغات تنتمي إلى هذه العائلة، ومن بين هذه الشعوب العرب الذين يتحدثون اللغة العربية منذ قرون طويلة. بل إن عدد المتحدثين بالعربية يفوق عدد المتحدثين بأي لغة سامية أخرى. ومن هنا يطرح بعض الباحثين سؤالاً منطقياً: إذا كان العرب أيضاً ساميين بالمعنى اللغوي، فلماذا أصبح مفهوم معاداة السامية يشير حصراً إلى العداء لليهود فقط دون غيرهم؟
إذا عدنا إلى الرواية الأصلية في سفر التكوين نجد أن سام وحام ويافث هم أخوة، وهذا يطرح سؤالاً فكرياً مهماً: إذا كانت الشعوب المنسوبة إلى سام تسمى سامية، والشعوب المنسوبة إلى حام تسمى حامية، أليس الجميع وفق الرواية نفسها أبناء عمومة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا أصبح الحديث عن حماية السامية من العداء موضوعاً سياسياً وقانونياً وحقوقياً عالمياً، بينما اختفى الحديث عن الحامية واليافتية من الخطاب المعاصر؟ وقد تزداد المسألة تعقيداً عندما نميز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الدين، العرق، واللغة، فاليهودية ديانة يمكن لأي إنسان أن يعتنقها، وقد اعتنقها عبر التاريخ أشخاص من أصول متعددة، وبالتالي قد يكون اليهودي من أصول سامية أو غير سامية، كما قد يكون الشخص سامي الأصل لغوياً دون أن يكون يهودياً.
إن تتبع تاريخ مصطلحي السامية والحامية يكشف أن هذين المفهومين نشآ في سياق فكري معين في أوروبا الحديثة، حيث حاول الباحثون تفسير العلاقات بين اللغات والشعوب من خلال نماذج نسبية مستمدة من الروايات الدينية القديمة، لكن مع تطور علم اللغة والأنثروبولوجيا تبيّن أن هذه التصنيفات تحتاج إلى مراجعة عميقة. ولهذا يفضّل كثير من الباحثين اليوم استخدام مصطلح "اللغات الأفروآسيوية"، لأنه أكثر دقة علمياً وأقل ارتباطاً بالتصورات النسبية القديمة. إن فهم هذه الخلفية التاريخية يعني التعامل مع المفاهيم المستخدمة في النقاش السياسي والقانوني والحقوقي والفكري بقدر أكبر من الحذر والدقة والوعي التاريخي.
الكثير من الناس العقلاء الذين يعرفون المعنى الحقيقي للعدل والإنسانية والحرية وحقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم، على اختلاف اللغات والجنسيات والإيديولوجيات والمعتقدات، يكرهون إسرائيل، وليس ذلك من منطلق أن أغلب سكانها يهود يؤمنون بالعقيدة أو الإيديولوجية اليهودية، بل لأن حكام إسرائيل وجيشها وأغلب سياسييها ينفذون اعتداءات وقتلًا وتدميرًا وتهجيرًا واحتقارًا، ويمارسون العنصرية ونظام الأبارتيد على حساب الأبرياء، فيقصفون بالأسلحة الفتاكة مختلف البلدان مثل إيران والعراق وسوريا واليمن ولبنان، وما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويخلّفون آثاراً سيئة للغاية في أجساد ونفسيات وتاريخ الأبرياء، ويلحقون دماراً بشعاً بالإنسان والعمران والبيئة. ومع كل هذه الجرائم، فهم لا يفون بوعودهم، ولا يمتثلون للاتفاقيات التي صادقوا عليها مع الآخرين، ولا للقانون الدولي، بل يدنسونه ويضربون عرض الحائط كل قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بل الأخطر أنهم يتدخلون في الشؤون الداخلية للكثير من الدول، ويمنعونها من تطوير تقنياتها وعتادها العسكري، ولا يحق لها امتلاك الأسلحة الفتاكة بما في ذلك النووية، بينما تحتفظ إسرائيل لنفسها بكل هذه القدرات بمنطق "حرام عليكم وحلال عليّ"، في تجاوز صارخ للاتفاقيات والقوانين الدولية. ومع ذلك، فإن شعب إسرائيل ليس كله مقتنعاً بالإيديولوجية اليهودية، ففي إسرائيل كما في كل دول العالم هناك ملحدون، مسيحيون، مسلمون، لا دينيون، وهناك عنصريون ومتطرفون وحقوقيون واشتراكيون وعلمانيون وأرثوذكسيون، وبعضهم يكره الآخرين، وبعضهم يدافع عن حقوق الإنسان بشكل عام دون مراعاة لمعتقداته أو أصله أو نسبه أو إثنيته أو منطلقاته الفكرية أو السياسية، لأن الحق والحرية وحقوق الإنسان وحقوق الحيوان لا تتجزأ، ولا تنفصل عن الإنسان كيفما كان أصله أو دينه أو جنسيته أو انتماؤه.



#علي_لهروشي (هاشتاغ)       Ali_Lahrouchi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران
- هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم ...
- العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع ...
- المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
- المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل ...
- ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
- الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
- المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش ...
- المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى ...
- المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
- صرخة مناضل في مغرب بلا أمل
- مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
- المسافة بين الهروب والمواجهة
- قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية: توصية سياسية منزوعة الإ ...
- جمهورية الريف بين الأمس و اليوم
- المغرب : قتل الطفل الراعي وتعليقه، كيف يغتال الفساد الأبرياء ...
- المغرب والخطاب الملكي من البرج العاجي: حين يخاطب الديكتاتور ...
- المغرب: حين يلعب المثقفون دور رجال الإطفاء في خدمة الملكية و ...
- من وراء دعوات الحوار بين المغرب والجزائر؟
- مظاهرات جيل -زد - بالمغرب وديكتاتورية محمد السادس، حين يتحوّ ...


المزيد.....




- ترامب: سأعلن -قريباً- عن الدول التي ستساعد في إعادة فتح مضيق ...
- الجيش الأمريكي يعلن عن حصيلة جديدة لجرحاه خلال حرب إيران: -أ ...
- اضطراب تاريخي في سوق النفط.. ووكالة الطاقة الدولية تلوح بطرح ...
- من عام 1982 إلى 2026.. أربعة عقود من المواجهة بين حزب الله ...
- -لا يمكن تحقيق أمن مطلق- في ممر هرمز.. حتى في حال مشاركة الن ...
- راهن على الاستقرار.. برشلونة يختار خوان لابورتا
- الجيش الإسرائيلي يعلن بدء نشاط عسكري بري محدود في جنوب لبنان ...
- الاحتلال يفرّق مصلين بمحيط الأقصى ويُبعد أحد حراسه
- بين هجمات إيران ومخططات إسرائيل.. كيف تحافظ دول الخليج على أ ...
- رمضان في الدوحة.. -كتارا- وجهة تجمع العائلات والأصدقاء وتكسر ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي لهروشي - استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية