|
|
الثروة للشعوب، لا للرأسمالية الخاصة ولا للخوصصة ونهب المال العام
علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 23:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن القضية لم تعد قضية تقنية تتعلق بلغة الاقتصاد أو السوق أو بما يسمى "الإصلاحات الاقتصادية"، ولم تعد القضية مجرد اختلاف في وجهات النظر حول طريقة تدبير المؤسسات والشركات والمنابع الاقتصادية، وإنما أصبحت قضية سياسية واجتماعية وتاريخية تتعلق بالسؤال الأساسي: لمن تكون ثروة الدولة؟ ولمن تكون المؤسسات التي بناها الشعب؟ ولمن تعود الأرباح التي تم تحقيقها بفضل المجهودات التي بذلتها أجيال كاملة من العمال والموظفين والمواطنين؟ إن الشعب يسدد الأموال الطائلة للبرجوازية اللاوطنية لأن الخونة الذين اشتغلوا في مناصب مع الدولة، وتحملوا المسؤوليات، وعملوا داخل مؤسساتها، وتدربوا واكتسبوا الخبرة والتجربة من وعلى حساب تلك المؤسسات، وأدركوا من أين وإلى أين تذهب الأموال وكيف تُجنى الأرباح، تحولوا من موظفين ومسؤولين داخل جهاز الدولة إلى مستفيدين من عملية نقل الثروة من المجال العام إلى المجال الخاص. لقد عرفوا المؤسسات من الداخل، وعرفوا مكامن قوتها، وعرفوا مواردها وأصولها وأسواقها ومصادر أرباحها، ثم أصبحوا في موقع يسمح لهم بالاستفادة من عملية الخوصصة أو السمسرة فيها أو تفويتها لزبنائهم ومعارفهم، فتحولت ممتلكات الشعب والدولة من شكلها العام إلى شكلها الخاص، وتحولت الثروة التي كان يفترض أن تعود بالنفع على الجميع إلى مصدر لإثراء القلة القليلة. إن الخوصصة لم تكن مجرد تغيير في طريقة الإدارة، وإنما كانت انتقالاً في ملكية الثروة وفي السيطرة على مصادر الأرباح، لأن المؤسسة التي كانت مملوكة للدولة والشعب أصبحت مملوكة لفرد أو مجموعة من الأفراد، والأرباح التي كان يمكن أن تتدفق إلى الميزانية العامة أصبحت تتدفق إلى جيوب الخواص، أي إلى جيوب القلة القليلة المنفصلة تماماً عن الشعب وهمومه. وهنا ينبغي أن نتوقف عن استعمال اللغة الناعمة التي تجعل الأمر يبدو وكأنه مجرد "إصلاح" أو "تحرير للاقتصاد" أو "تشجيع للاستثمار"، لأن هذه المصطلحات أصبحت جزءاً من الخطاب الذي جرى استعماله من قبل أبواق الإمبريالبة و الرأسمالية لإقناع الناس والدولة بالتخلي عن ممتلكاتهم. فحين تصبح لغة الاقتصاد والسوق غطاءً لعملية نقل ملكية واسعة من العام إلى الخاص، يصبح من حق الشعب أن يسأل: لماذا يُطلب منه أن يتنازل عن ملكيته باسم الكفاءة والسوق، ثم يجد نفسه بعد ذلك مطالباً بدفع المزيد من الضرائب والرسوم والاقتطاعات لتمويل الدولة التي فقدت جزءاً من ممتلكاتها ومصادر أرباحها؟ إن ما يجب أن يقال بصراحة هو أن الدولة لم تكن عاجزة بالفطرة عن تحقيق الأرباح، وإنما كان عليها أن تضاعف المجهودات داخل القطاع العام، وأن تطور مؤسساتها، وأن تحسن إدارتها، وأن تدرب موظفيها، وأن تحاسب المسؤولين عن سوء التسيير، وأن تحارب الفساد والتبذير، وأن تمنع تحويل المؤسسات العمومية إلى مؤسسات خاسرة بسبب سوء التدبير، بدلاً من اتخاذ الإفلاس والخراب ذريعة للقول إن المؤسسة لم تعد قادرة على الاستمرار وإن الحل هو بيعها أو تفويتها. فإذا كانت مؤسسة من مؤسسات الدولة تستطيع اليوم، بعد انتقالها إلى القطاع الخاص، أن تحقق أرباحاً ضخمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا لم تحقق الدولة تلك الأرباح؟ ولماذا لم تتم مضاعفة الجهود لجعل مؤسسات الدولة أكثر إنتاجاً وربحية؟ ولماذا كان المطلوب هو بيع المؤسسة عوض إصلاحها؟ وإذا كان المستثمر الخاص يستطيع استخراج الأرباح من المؤسسة بعد تفويتها إليه، فلماذا لم يكن من الممكن أن تستخرج الدولة تلك الأرباح نفسها لتذهب إلى ميزانية الدولة وتعود بالنفع على كل الشعب؟ إن هذا السؤال لا يمكن إسقاطه بمجرد ترديد أن "القطاع الخاص أكثر كفاءة"، لأن الكفاءة ليست امتيازاً بيولوجياً أو طبيعياً يملكه القطاع الخاص، وإنما هي نتيجة للمعرفة والخبرة والتكوين والتنظيم والانضباط والاستثمار وحسن الإدارة، وكل هذه الأمور كان يمكن، من حيث المبدأ، أن تطبق داخل القطاع العام أيضاً. إن الإفلاس والخراب الذي تسبب فيه بعض المسؤولين عمداً أو نتيجة سوء تدبير، لا ينبغي أن يكونا مقدمة لبيع مؤسسات الشعب، وإنما كان يجب أن يكونا سبباً للمحاسبة والإصلاح والتدارك. فإذا كانت مؤسسة عمومية قد أصبحت خاسرة، فالسؤال الأول يجب أن يكون: من المسؤول عن جعلها خاسرة؟ ومن كان يديرها؟ وكيف اتخذت القرارات التي أوصلتها إلى هذا الوضع؟ وأين ذهبت مواردها؟ ومن استفاد من ضعفها؟ ولماذا لم تتم معالجة الخلل؟ أما أن تتحول المؤسسة بعد ذلك إلى "عبء"، ثم تأتي الدولة لتقول إن الحل هو التخلص منها، فهذا يقلب المسؤولية رأساً على عقب: يصبح المواطن هو الذي يدفع ثمن فشل الإدارة، ثم تصبح المؤسسة التي أُضعفت أو أُفلست قابلة للتفويت، ثم ينتقل الأصل إلى الخاص، ثم تبدأ مرحلة جديدة من الأرباح التي كان يمكن أن تكون أرباحاً عامة. وهكذا يصبح الفشل في الإدارة، بدلاً من أن يؤدي إلى المحاسبة والإصلاح، مقدمة لإعادة توزيع الملكية. إن القطاع الخاص ليس مجرد قطاع اقتصادي محايد، وإنما هو تعبير عن سياسة رأسمالية تقوم على تركيز ملكية وسائل الإنتاج والثروة في أيدي قلة قليلة، وهذه القلة كلما ازدادت ثراءً ازدادت قدرتها على السيطرة على الاقتصاد والتأثير في القرارات العامة، والتهرب من أداء الضرائب، والتملص من المسؤولية تجاه الأزمات الاجتماعية، ومما يزيد الطين بلة هو أن هذا القطاع الخاص يدعي أنه يواجه مشاكل مالية، ويطلب العون والدعم المالي من الدولة، والذي يحصل عليه من مؤسسات الضرائب التي يملأ الشعب صناديقها. ولذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بمن يملك المصنع أو الشركة، وإنما بمن يملك القدرة على التحكم في الثروة، وفي فرص العمل، وفي السوق، وفي مصادر الربح، وفي القرارات الاقتصادية. وعندما تتحول ممتلكات الدولة والشعب إلى ممتلكات خاصة، فإن المجتمع لا يخسر فقط مؤسسة، وإنما يخسر جزءاً من قدرته الجماعية على التحكم في ثروته الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع القطاع الخاص لا ينبغي أن يكون هو الطريق الطبيعي للاقتصاد، وأن الدولة مطالبة بإعادة النظر جذرياً في فلسفة الخوصصة وفي تحويل ممتلكات الشعب إلى ممتلكات خاصة. إن الإمبريالية لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر للأراضي أو إرسال الجيوش والسيطرة العسكرية على الدول؛ فقد تعمل من خلال الاقتصاد، ومن خلال تحويل السوق إلى أداة للضغط، ومن خلال جعل الدولة تتخلى تدريجياً عن ممتلكاتها، ومن خلال إقناع المجتمع بأن ما هو عام أقل قيمة دائماً مما هو خاص. ولذلك فإن معركة الثروة ليست منفصلة عن معركة السيادة. فإذا أصبحت الدولة لا تملك مؤسساتها الاستراتيجية ولا مصادر أرباحها ولا مواردها الأساسية، فإن استقلالها الاقتصادي يصبح أكثر هشاشة، ويصبح القرار العام أكثر تعرضاً لضغط أصحاب رؤوس الأموال والمصالح الخاصة. ومن هنا يتوجب مقاومة هذا الاتجاه، لا باعتباره مجرد خلاف حول نموذج إداري، وإنما باعتباره خلافاً حول سؤال السيادة الاقتصادية: هل تكون الثروة ملكاً للمجتمع وتدار لصالحه، أم تتحول إلى ملكية خاصة تتراكم في يد القلة؟ لقد تم الترويج لكون القطاع الخاص قد يخلق فرص العمل، وإن المستثمر الخاص سيخفف العبء عن الدولة، وإن الخوصصة ستجلب الكفاءة، وإن السوق سيؤدي إلى المنافسة، وإن الدولة ينبغي أن تنسحب من الاقتصاد لتتفرغ لأدوار أخرى. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: من خلق الثروة التي دخل إليها القطاع الخاص؟ ومن بنى المؤسسات؟ ومن أنشأ البنية التحتية؟ ومن درب العمال؟ ومن تحمل الخسائر في المراحل الأولى؟ ومن موّل الطرق والموانئ والماء والكهرباء والإدارة والتعليم والتكوين والتأمين؟ ومن تحمل كلفة بناء الاقتصاد الوطني؟ إن المجتمع كله ساهم بدرجات مختلفة في بناء البيئة التي يعمل فيها المستثمر الخاص، ولذلك فإن اختزال العملية كلها في أن "المستثمر الخاص هو الذي خلق الثروة" يتجاهل المجهود التاريخي الطويل الذي قامت به الدولة والمجتمع والأجيال السابقة. وإذا كان هؤلاء الخواص وطنيين حقاً، وإذا كانوا يريدون فعلاً خدمة البلاد، فلماذا لا يكون معيار الوطنية هو المساهمة في تقوية مؤسسات الدولة نفسها؟ لماذا لا تُبذل المجهودات الجبارة نفسها التي تُبذل لتحقيق الأرباح في القطاع الخاص من أجل جعل مؤسسات الدولة تحقق الأرباح نفسها؟ لماذا تكون العبقرية الإدارية متاحة عندما تصبح المؤسسة خاصة، ثم تختفي عندما تكون المؤسسة عامة؟ ولماذا يستطيع المدير الخاص أن يضع أهدافاً صارمة للإنتاج والمردودية والربح، بينما يفشل نفس المدير عندما كان يزاول عمله بالقطاع العمومي ويصبح عاجزاً بطبيعته عن ذلك؟ أليس من الممكن أن تستفيد الدولة من نفس الخبرات والتجارب والمهارات؟ أليس من الممكن أن تتم مكافأة الأشخاص الذين يعملون على إنجاح مؤسسات الدولة بدلاً من دفعهم إلى البحث عن مستقبلهم في القطاع الخاص؟ أليس من الممكن أن تتحول المؤسسة العمومية إلى مؤسسة رابحة، وأن تصبح أرباحها ملكاً للمجتمع بأكمله؟ إن المنطق الذي يجب قلبه بكل جرأة وشجاعة هو أنه بدلاً من أن نقول إن الدولة يجب أن تبيع مؤسساتها لأن القطاع الخاص يستطيع تحقيق الأرباح، يجب أن نقول إن الدولة يجب أن تجعل مؤسساتها تحقق الأرباح التي يستطيع القطاع الخاص تحقيقها. فإذا كانت الدولة تمتلك مصنعاً أو شركة أو مؤسسة أو مرفقاً، فالمطلوب ليس إضعافه حتى يصبح عبئاً، وإنما تقويته حتى يصبح مصدراً للثروة العامة. والمطلوب ليس خلق ظروف تدفع المواطن والموظف إلى الهروب من القطاع العام، وإنما خلق ظروف تجعل العمل داخل المؤسسات العامة مصدراً للفخر والمكافأة والنجاح. والمطلوب ليس تحويل الموظف الكفء إلى مستثمر خاص، وإنما الاستفادة من كفاءته داخل المؤسسة العامة التي خدم فيها، ومنحه الهدايا والمكافآت والحوافز التي تتناسب مع النتائج التي حققها. أما أن تأتي الدولة بعد سنوات لتقول إن المتقاعدين والعجزة يشكلون عبئاً ثقيلاً على الميزانية، فذلك يفتح جرحاً آخر في العقد الاجتماعي. هؤلاء العجزة، كما يسميهم الخطاب المالي الإمبريالي الرأسمالي، هم الذين اشتغلوا بجد، والذين عملوا لعقود، والذين ساهموا في تحقيق الأرباح سواء للقطاع الخاص أو للقطاع العام، والذين حملوا الاقتصاد فوق أكتافهم عندما كانوا قادرين على العمل. فإذا كانت الدولة تعتبر أجور تقاعدهم عبئاً، فكيف يمكن تفسير أن الثروات الخاصة التي راكمها بعض المستثمرين لا تعتبر هي الأخرى جزءاً من السؤال الاجتماعي؟ لماذا يصبح راتب المتقاعد تكلفة، بينما يصبح الربح الخاص نتيجة طبيعية؟ لماذا يصبح العامل الذي أفنى عمره في المؤسسة عبئاً، بينما يصبح المالك الذي حصل على المؤسسة مستفيداً من ثمارها؟ هذه المفارقة هي التي تجعل إعادة النظر في النظام الاقتصادي والاجتماعي أمراً ضرورياً وملحاً لإنقاذ البلاد. إن المواطن الذي يعمل ويدفع الضرائب والرسوم ثم يشتري الخدمات ويؤدي ثمنها، بينما يجد أن جزءاً من الأرباح الاقتصادية يتجه إلى جيوب القلة، يشعر بأنه يعيش شكلاً من أشكال الاستعباد الحديث. فالعبد قديماً كان يعمل ويأكل وينام تحت سلطة من يملكه، أما المواطن الحديث فقد يكون حراً من الناحية القانونية، لكنه يظل مطالباً بالعمل طوال حياته، ودفع الضرائب، ودفع تكاليف السكن والعلاج والتأمين والتعليم والنقل والطاقة والغذاء، ثم يجد في نهاية المطاف أن ما يتبقى له من دخله لا يكفي لتحقيق العيش الكريم. وإذا أضيف إلى ذلك ضعف الأجور وارتفاع الأسعار والبطالة والديون وغياب العدالة في توزيع الثروة، فإن السؤال عن معنى الحرية الاقتصادية يصبح سؤالاً اجتماعياً حقيقياً: ما قيمة الحرية إذا لم يكن الإنسان قادراً على أن يعيش بكرامة؟ فالحل ليس في تحميل المواطن المزيد من الضرائب، ولا في استمرار الدولة في بيع ممتلكاتها، ولا في تحويل كل مشكلة اقتصادية إلى فرصة جديدة أمام القطاع الخاص. بل إن الطريق البديل يجب أن يقوم على إعادة بناء القطاع العام، وتأميم المؤسسات الاستراتيجية، واستعادة المؤسسات التي تم تفويتها، وتوجيه أرباحها إلى الميزانية العامة، وإلى التعليم والصحة والسكن والبنية التحتية والتقاعد والحماية الاجتماعية، وتحفيز المواطن على أن يضاعف مجهوداته كي يساهم في بناء مؤسسات الدولة وماليتها، فالمواطن قد لا يتخلى عن مؤسسات الدولة إذا فهم جيداً مخططات الرأسمالية والإمبريالية التي تهدف إلى تهميشه عبر شراء مؤسساته. فلا ينبغي أن تكون الدولة مجرد جهاز لتحصيل الضرائب وتوزيعها، بل يجب أن تكون أيضاً مالكة ومنتجة ومستثمرة وقادرة على خلق الربح والثروة. إن الدعوة إلى التأميم هنا ليست دعوة إلى إعادة إنتاج البيروقراطية نفسها التي ساهمت في إضعاف بعض المؤسسات. فإذا عادت المؤسسات إلى الدولة ثم ظلت تدار بالعقلية القديمة، فلن يتغير شيء. المطلوب هو تأميم الملكية مع ثورة في الإدارة: مؤسسات عمومية مستقلة، إدارة احترافية، محاسبة حقيقية، شفافية كاملة، تدقيق مستمر، أجور وحوافز مرتبطة بالأداء، منع المحسوبية، تجريم استغلال المنصب العام للمصلحة الخاصة، ونشر الحسابات أمام الشعب. المطلوب أن يصبح المدير العمومي مسؤولاً أمام المجتمع عن النتائج، وأن يصبح النجاح داخل المؤسسة العامة أكثر قيمة من النجاح في تحويل المؤسسة إلى ملكية خاصة. وبهذا المعنى، فإن تجريم الدعوة إلى الخوصصة ينبغي أن يكون جزءاً من نقاش تشريعي أوسع حول حماية الملكية العامة ومنع التفويت غير المبرر للأصول الاستراتيجية، ووضع حدود قانونية صارمة أمام الدعوات التي تدعو لنقل ملكية الثروة العامة إلى الخواص، وتجريم الفساد وتضارب المصالح واستغلال الوظيفة العامة التي تتسبب في عمليات التفويت. فلا يحق لأحد، مهما كانت وظيفته، أن يتصرف في ممتلكات الشعب وعرضها للتفويت والبيع، لأنها ملكية عامة يجب أن تكون محمية إلى الأبد تتوارثها الأجيال من أبناء الشعب. إذ لا يجب أن يعيش الشعب على الإعانات، وإنما أن يمتلك اقتصاداً منتجاً. وليس المطلوب قتل الإنتاج، وإنما تحريره من منطق الاحتكار الخاص. وليس المطلوب منع العمل، وإنما منع تحويل عمل الملايين إلى مصدر إثراء دائم للقلة. وليس المطلوب محاربة الكفاءة، وإنما نقلها إلى مؤسسات الدولة. وليس المطلوب إلغاء الأرباح، وإنما جعل الأرباح التي تنتجها المؤسسات الوطنية تعود إلى المجتمع الذي ساهم في إنشائها. وليس المطلوب القضاء على المبادرة، وإنما تحويل المبادرة الفردية إلى قوة تخدم الاقتصاد العام بدلاً من أن تكون وسيلة للسيطرة على ممتلكات الشعب من قبل الخواص. إن جوهر المعركة إذن هو: من يملك؟ ومن ينتج؟ ومن يربح؟ ومن يدفع؟ فإذا كان المواطن هو الذي يدفع الضرائب، والدولة هي التي تبني البنية التحتية، والعمال هم الذين ينتجون، والمؤسسات العامة هي التي تتحمل مراحل التأسيس والمخاطر، ثم تأتي القلة لتستحوذ على الأرباح النهائية، فإنه يتوجب على المجتمع أن يعيد النظر في قواعد اللعبة. وإذا كانت الدولة تعاني أزمة مالية، فمن غير المنطقي أن يكون الحل الأول هو تحميل المواطن مزيداً من الضرائب، بينما توجد في الاقتصاد الوطني ثروة وأصول ومؤسسات يمكن أن تكون مصدراً مستداماً للإيرادات العامة. لقد آن الأوان لكي يتوقف الخطاب الرسمي عن تصوير الخوصصة وكأنها قدر محتوم لا بديل عنه. ليست هناك قوانين طبيعية تقول إن كل مؤسسة عامة يجب أن تصبح خاصة. وليست هناك قاعدة اقتصادية تقول إن الدولة لا تستطيع تحقيق الربح. وليست هناك حقيقة تاريخية تقول إن القطاع الخاص هو الشكل الوحيد الممكن للإنتاج. هذه اختيارات سياسية واقتصادية تصب في صالح من روج لها لتحقيق أهداف من ورائها. وما يجب أن يرفضه الشعب بصورة جذرية هو تحويل الاختيار الاقتصادي إلى عقيدة، وتحويل السوق إلى مرجع أعلى من المجتمع، وتحويل الربح الخاص إلى قيمة أعلى من المصلحة العامة. إن الدولة التي باعت ممتلكاتها ثم اكتشفت أنها لا تملك المال الكافي، مطالبة بإعادة طرح السؤال من أساسه. والدولة التي تقول إن ميزانيتها عاجزة عن تلبية حاجيات المواطنين، بينما توجد ثروات ضخمة وأرباح ضخمة في الاقتصاد، مطالبة بأن تشرح أين تذهب هذه الأرباح ومن يستفيد منها. والدولة التي تقول إن المتقاعدين عبء، مطالبة بأن تتذكر أن هؤلاء هم الذين بنوا المؤسسات التي تقوم عليها البلاد. والدولة التي تقول إن المواطن يجب أن يدفع المزيد، مطالبة في الوقت نفسه بأن تشرح لماذا لا تعود الثروة الوطنية إلى المواطن. إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الفقر والتهميش. ولا يمكن للبرجوازية اللاوطنية أن تتوقع نهب كل شيء والاستفراد بكل شيء ثم تنتظر من المجتمع أن يبقى صامتاً إلى الأبد. فإذا لم يتوفر العيش الكريم للمواطن، فلن يتوفر الأمن لمن راكم الثروة، وإذا تحولت الفوارق الاجتماعية إلى هوة عميقة، فلن تستطيع القوانين وحدها حماية الاستقرار، وإذا شعر المواطن بأن ثروة بلاده خرجت من يده وأنه أصبح مجرد دافع للضرائب ومستهلك للخدمات، فإن الأزمة لن تكون اقتصادية فقط، بل ستكون أزمة ثقة في العقد الاجتماعي نفسه قد تؤدي إلى ثورات اجتماعية شعبية جماهيرية تحرق الأخضر واليابس وتعيد العالم نحو اتجاهه الصحيح، وهو الثورة ضد الخواص والبرجوازية. ولهذا فإن المطلوب هو إعادة بناء عقد اقتصادي جديد: الثروة الوطنية للشعب، والمؤسسات الاستراتيجية ملك للمجتمع، والأرباح العامة تعود إلى الميزانية العامة، والعمال والمتقاعدون أصحاب حق في ثمار ما ساهموا في بنائه، والمسؤول الذي يسيء استعمال موقعه يخضع للمحاسبة و العقاب، والمؤسسة العمومية الناجحة تكافأ وتطور، والمؤسسة العمومية المتعثرة تصلح ولا تباع، بل يتم تجريم عملية تفويت ممتلكات ومؤسسات الدولة. إن المعركة، في نهاية المطاف، ليست معركة ضد العمل ولا ضد الاستثمار ولا ضد الإنتاج، وإنما هي معركة حول ملكية الثروة وتوزيع ثمارها. فاقتصاد يجعل القلة أكثر ثراءً كلما زادت الدولة في بيع ممتلكاتها، بينما يصبح المواطن أكثر فقراً كلما زادت حاجات الدولة إلى الضرائب، هو اقتصاد يستحق أن يخضع للمراجعة السياسية والاجتماعية. والبديل ليس دولة عاجزة ولا بيروقراطية متضخمة، وإنما دولة منتجة، قوية، مالكة لأصولها الاستراتيجية، قادرة على الإدارة، وقادرة على تحقيق الأرباح، وقادرة على تحويل تلك الأرباح إلى عمل ومعاشات وعيش كريم. فالشعب الذي بنى مؤسساته ليس مضطراً لأن يدفع ثمنها مرة أخرى عندما تتحول إلى ملكية خاصة. والشعب الذي خلق الثروة ليس مضطراً لأن يبقى متفرجاً عليها وهي تتكدس في أيدي القلة. والدولة التي تملك القدرة على الإنتاج ليست مضطرة إلى أن تتحول إلى مجرد جابي ضرائب. والثروة التي أنشأتها أجيال كاملة لا ينبغي أن تكون غنيمة لمن جاء بعد ذلك ليستولي عليها باسم السوق والخوصصة والكفاءة. وإذا كان هناك درس واحد ينبغي استخلاصه من كل هذه التجربة، فهو أن الدولة لا ينبغي أن تتخلى عن ممتلكات الشعب ثم تبحث بعد ذلك عن المال في جيوب الشعب نفسه. أمستردام
#علي_لهروشي (هاشتاغ)
Ali_Lahrouchi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المغرب: الملكية الديكتاتورية وتفريخ الأحزاب السلطوية، من جبه
...
-
مسرحية الانتخابات بالمغرب، المحسومة نتائجها قبل إجرائها
-
على إثر انتصار المغرب على هولندا في تصفيات كأس العالم 2026
-
المغرب: خمس سنوات سجناً نافذاً لجمهوري مغربي مساند لفلسطين و
...
-
صراع الإرادات في المغرب: بين الفساد والثورة والإصلاح
-
التضامن مع إيران وغيرها؛ فلا انتماء عرقي أو أيديولوجي أو مذه
...
-
استعمال سلاح -معاداة السامية- لتحقيق نزوات شخصية وسياسية
-
خفايا العدوان العسكري والإعلامي الإمبريالي الصهيوني ضد إيران
-
هل يرضى الأكراد أن يكونوا وقودًا لنيران الصهيونية ومرتزقة لم
...
-
العدوان الصهيوني على إيران وقيود التضامن والتعبير بسلاسل الع
...
-
المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
-
المغرب: الخماسية المترابطة الأطراف التي يبتزّ بها الحكم العل
...
-
ضريبة الحرية في هولندا: حين يُموَّل الخوف من جيوب الجائعين
-
الهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران مسألة وقت لا أكثر
-
المغرب كندا : ترحيل واختطاف المناضل المغربي الجمهوري محمد هش
...
-
المغرب وإفريقيا: نفاق الانتماء القاري حين تتحول الهزيمة إلى
...
-
المغرب: مكناس مدينة الخوف والظل
-
صرخة مناضل في مغرب بلا أمل
-
مرورُ رُبعِ قرنٍ على منفايَ الاضطراري
-
المسافة بين الهروب والمواجهة
المزيد.....
-
-التحالف- يعلن تفاصيل -عملية عسكرية في الحديدة- تهدف إلى -حم
...
-
-فجر اليمن- تتواصل.. القوات الحكومية اليمنية تعلن السيطرة عل
...
-
لربط ميناء العقبة بمناطق التعدين.. إطلاق أضخم مشروع سكة حديد
...
-
حلف مكة -يفعل الردع الجماعي- في مواجهة الحوثيين ويعلن نشر -ق
...
-
ميلوني تطلب تحويل صوتها إلى علامة تجارية لحمايته من التزييف
...
-
ترامب يعلق على التصعيد العسكري السعودي ضد الحوثيين
-
الرئاسة الجزائرية تعلن وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام
...
-
من المندب لصنعاء.. معارك للحسم بين الحوثي والقوات الحكومية
-
الحوثيون يعلنون تنفيذ ثلاث عمليات نوعية داخل العمق السعودي
...
-
روبيو يجري عدة اتصالات هاتفية من الطائرة من بينها مع نتنياهو
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|