أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - المياه المفقودة في العراق: هل نواصل البحث عن ماضي الوفرة أم نبني مستقبل الإدارة المائية؟















المزيد.....

المياه المفقودة في العراق: هل نواصل البحث عن ماضي الوفرة أم نبني مستقبل الإدارة المائية؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 01:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من حنين الاستعادة إلى واقعية التكيّف والحوكمة المائية حتى عام 2050.؟
لسنوات طويلة، ظل الخطاب المائي والبيئي في العراق يستحضر صورة الماضي، حين كان نهرا دجلة والفرات أكثر وفرة، وكانت الأهوار تمتد على مساحات واسعة، وكانت الأراضي الزراعية أكثر قدرة على الإنتاج، والأنهار والجداول تشكل منظومة طبيعية متكاملة للحياة والاستقرار.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: كيف نستعيد ما فقدناه؟ بل أيضاً: هل ما زلنا نمتلك الظروف المناخية والهيدرولوجية والمؤسسية التي تسمح باستعادة تلك الصورة التاريخية؟ وهل يكفي أن نستمر في الحديث عن استعادة البيئة المائية السابقة، بينما تتغير أنماط الأمطار والثلوج، وتتراجع الإيرادات المائية، وتتوسع المنشآت المائية في أعالي الأحواض، وتتزايد الضغوط السكانية والاقتصادية؟
إن مفهوم «البيئة المفقودة» (Environment-less Ecology)، الذي طرحه الأستاذ الدكتور علي دوعبل، يفتح باباً مهماً للنقاش العلمي حول ضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالواقع البيئي المتغير. ويمكن توظيف هذا التفكير في الحالة العراقية من خلال طرح مفهوم موازٍ هو «المياه المفقودة» (Lost Water Reality)، بوصفه إطاراً تحليلياً لدراسة التحولات التي طرأت على النظام المائي العراقي، وليس حكماً نهائياً بأن استعادة وظائفه البيئية أصبحت مستحيلة.
أولاً: من ذاكرة الوفرة إلى واقع الندرة والتحول
لم تعد المشكلة المائية في العراق مقتصرة على انخفاض مناسيب دجلة والفرات، بل أصبحت قضية مركبة تتداخل فيها خمسة عوامل رئيسية:
1. العامل الهيدرولوجي: التغير في معدلات الهطول المطري والثلجي، وتذبذب الجريان السطحي، وتغير توقيت وصول الإيرادات المائية.
2. العامل الجيوسياسي: المنشآت والسدود والتحكم بالإطلاقات المائية في أعالي الأحواض المشتركة، وما يترتب عليها من تحديات تتعلق بحقوق العراق والتعاون العابر للحدود.
3. العامل المناخي: ارتفاع درجات الحرارة والتبخر، وتكرار موجات الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة.
4. العامل المؤسسي: استمرار الاعتماد على إدارة الأزمات الموسمية، وضعف التكامل بين إدارة المياه والأراضي والزراعة والطاقة والبيئة.
5. العامل البيئي: تزايد التملح والتلوث وتدهور الأراضي والأهوار والأنظمة الإيكولوجية المرتبطة بالمياه.
هذه التحولات تفرض علينا الاعتراف بأن النظام المائي الذي عرفه العراق في العقود الماضية لم يعد يعمل بالشروط نفسها، وأن التخطيط للمستقبل لا يمكن أن يقوم على افتراض استمرار أنماط الوفرة التاريخية.
ثانياً: هل استعادة الماضي هدف واقعي أم ضرورة بيئية؟
لا يعني هذا الطرح التخلي عن استعادة الأهوار أو حماية التنوع الإحيائي أو إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة. بل يعني التمييز بين استعادة الوظائف البيئية الممكنة، ومحاولة إعادة إنتاج صورة تاريخية قد لا تتناسب مع الظروف الهيدرولوجية والمناخية الحالية.
فالأهوار، على سبيل المثال، ليست مجرد مساحات مائية، بل منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية وثقافية. ومن ثم فإن الهدف ينبغي أن يكون ضمان الحد الأدنى من التدفقات البيئية، وتحسين نوعية المياه، وحماية التنوع الإحيائي، ودعم المجتمعات المحلية، مع مراعاة الإمكانات المائية الفعلية.
وبالمثل، فإن إدارة دجلة والفرات لا ينبغي أن تستند إلى معدلات تاريخية ثابتة للإيرادات، بل إلى سيناريوهات هيدرولوجية ومناخية متعددة، تأخذ بنظر الاعتبار التغيرات في كمية المياه ونوعيتها وموقعها وتوقيت وصولها.
ثالثاً: من إدارة المياه المتاحة إلى إدارة رأس المال المائي
أحد الأخطاء الاستراتيجية هو التعامل مع المياه بوصفها مورداً سنوياً متجدداً يمكن تعويض نقصه بحفر المزيد من الآبار أو التوسع في استنزاف المياه الجوفية. إن المياه الجوفية تمثل رأس مال استراتيجياً للأجيال القادمة، وليست بديلاً دائماً عن تراجع المياه السطحية. لذلك ينبغي الانتقال إلى مفهوم إدارة رأس المال المائي (Water Capital Management)، من خلال:
• تحديد الخزين الجوفي القابل للاستخدام المستدام لكل حوض.
• حماية الخزانات الجوفية الاستراتيجية من الاستنزاف والتلوث.
• تطوير منظومة وطنية لمراقبة المياه السطحية والجوفية.
• اعتماد الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والإنذار المبكر.
• ربط الخزن في السدود والبحيرات بتوقعات الإيرادات والاحتياجات المستقبلية.
• استثمار مياه الأمطار والسيول والفيضانات بدلاً من فقدانها دون تخطيط.
فالهدف ليس استخراج أكبر كمية ممكنة من المياه، بل تحقيق أعلى قيمة تنموية وبيئية واجتماعية من كل متر مكعب.
رابعاً: من استعادة البيئة إلى بناء المرونة المائية
يحتاج العراق إلى تغيير أولويات البحث العلمي والاستثمار المائي، والانتقال من المشروعات التي تفترض عودة الظروف السابقة إلى مشروعات تعزز قدرة المجتمع والاقتصاد والأنظمة البيئية على التكيف مع الظروف الجديدة.
ويمكن تحديد خمسة مسارات عملية:
1. المرونة المائية: بناء منظومات قادرة على مواجهة سنوات الجفاف والفيضانات والتذبذب الموسمي للإيرادات.
2. العدالة المائية: تطوير آليات عادلة وشفافة لتوزيع المياه بين المحافظات والقطاعات والمستخدمين، مع مراعاة الاحتياجات البشرية والبيئية والإنتاجية.
3. الحوكمة على مستوى الأحواض: الانتقال التدريجي من الإدارة الإدارية التقليدية إلى إدارة أحواض دجلة والفرات وروافدهما وأحواض المياه الجوفية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية.
4. الدبلوماسية المائية: التعامل مع دول المنبع من خلال تفاهمات مؤسسية مستدامة تستند إلى القانون الدولي للمياه، والتبادل المنتظم للبيانات، والاتفاق على آليات واضحة للتعاون في سنوات الوفرة والجفاف.
5. الاقتصاد الدائري للمياه: التوسع في معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، وتحسين كفاءة الري، وتقليل الفواقد، وحماية نوعية المياه، وربط إدارة المياه بالطاقة والغذاء.
خامساً: مسؤولية الباحثين الشباب وصناع القرار
إن التحدي أمام الجيل الجديد من الباحثين العراقيين ليس تكرار الدراسات التي تصف تراجع المياه أو تستحضر معدلات التصريف التاريخية، بل إنتاج معرفة تساعد على اتخاذ القرار.
نحتاج إلى بحوث تعتمد البيانات المفتوحة، والاستشعار عن بعد، والنمذجة الهيدرولوجية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل السيناريوهات المستقبلية حتى عام 2050.
كما نحتاج إلى إعادة توجيه التمويل من الدراسات المنعزلة والمشروعات قصيرة الأمد إلى البنية التحتية للبيانات، وأنظمة الرصد، والابتكار، والتكيف المناخي، واستعادة الوظائف البيئية الممكنة.
أما صناع القرار، فعليهم إدراك أن الأمن المائي لا يتحقق ببناء السدود وحدها، ولا بحفر الآبار، ولا بفرض قيود موسمية على المزارعين، بل ببناء منظومة متكاملة تربط السياسة المائية بالتخطيط الاقتصادي والزراعي والبيئي والدبلوماسي.
باحتضار شديد لا نستطيع إدارة مياه المستقبل بعقلية الماضي لإن مفهوم «المياه المفقودة» لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان عن نهاية النظام المائي العراقي، ولا إلى مبرر للتنازل عن الحقوق المائية أو قبول تدهور الأنهار والأهوار. بل يجب أن يكون دعوة علمية لمواجهة الواقع كما هو، وفهم أسبابه، وتحديد ما يمكن استعادته، وما ينبغي التكيف معه، وما يجب حمايته قبل فوات الأوان.
العراق لا يحتاج إلى الاختيار بين استعادة بيئته المائية أو التكيف مع التغيرات؛ بل يحتاج إلى الجمع بينهما وفق أولويات علمية واقتصادية وبيئية واضحة.
إن التحدي الحقيقي حتى عام 2050 ليس أن نعيد إنتاج ماضي الوفرة، بل أن نضمن ألا يتحول نقص المياه اليوم إلى إفلاس مائي وبيئي واجتماعي غداً.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى عقد وطني جديد للمياه، ينقل العراق من إدارة الأزمات إلى حوكمة الموارد، ومن استنزاف الخزين إلى حماية رأس المال المائي، ومن انتظار عودة الماضي إلى صناعة مستقبل مائي أكثر عدالة ومرونة واستدامة.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العمل من أجل المياه في العراق: هل نمتلك الإرادة لتحويل المعر ...
- نحو عقد وطني للمياه في العراق حتى عام 2050... من إدارة الأزم ...
- بين الادعاء العلمي والتفسير الطبيعي: دروس من العراق في التعا ...
- الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟
- تخيّل يوماً بلا مياه… حين تتوقف الحياة عن تفاصيلها.؟
- دهوك بين زحف الإسمنت وذاكرة المكان: هل نوسع المدينة أم نفقد ...
- المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو - ...
- المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ض ...
- تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهي ...
- من -تقاسم المياه- إلى -هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ- ل ...
- الثرثار: من خزان مائي متراجع إلى رأس مال مائي استراتيجي للعر ...
- الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بن ...
- من معرفة الفجوة إلى توجيه القرار: التغطية والتخصيص في إدارة ...
- من التصاريح والاعلام إلى الفعل والتطبيق: نحو منظومة مائية عر ...
- من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح ...
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...


المزيد.....




- ترامب: الأسهم الأمريكية تشهد -واحدة من أسوأ أيامها- بسبب الد ...
- واشنطن: ضغوط متزايدة على وزير الدفاع بيت هيغسيث بعد فوز الدي ...
- إسرائيل: آيزنكوت يتقدم على نتانياهو وهرتسوغ يحسم الأحد التكل ...
- ساندرز خسر معركة 2016 وأفكاره تنتصر في انتخابات 2026
- كـ-بطة عرجاء-.. كيف يُتوقع أن يتعامل ترامب مع كونغرس -ديمقرا ...
- ترامب يراجع حظر تفريغ ناقلات الديزل الروسي
- إسرائيل تستحضر -خطر حزب الله- وسط أزمة تكليف وتشكيل حكومة وص ...
- النائب الجمهوري ماسي يسعى لتمرير تصويت جديد في الكونغرس الأم ...
- عمدة كييف يحذر سكان العاصمة من سيناريوهات صعبة في الشتاء
- ثقة الفرنسيين بماكرون تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي لها


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - المياه المفقودة في العراق: هل نواصل البحث عن ماضي الوفرة أم نبني مستقبل الإدارة المائية؟