أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟















المزيد.....

الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من أخطاء التشغيل إلى القرارات الكامنة: لماذا تبدأ الأزمة المائية أحياناً من طاولة صنع القرار قبل أن تظهر في الأنهار؟
ليست كل أزمة مائية تبدأ بانخفاض مناسيب الأنهار، وليست كل كارثة مائية نتيجة الجفاف أو التغير المناخي. فبعض الأزمات تبدأ قبل سنوات، عندما يُتخذ قرار غير مدروس، أو تُهمَل إشارة تحذير، أو يُؤجَّل مشروع استراتيجي، ثم تظهر النتائج لاحقاً على شكل شحّ مائي، وتراجع زراعي، وتدهور بيئي، وتكاليف اقتصادية واجتماعية باهظة.
في العراق، قد يكون أخطر ما يواجه مستقبل المياه ليس فقط ما نراه في دجلة والفرات والخزانات، بل ما لا نراه في سجلات المخاطر، وما لا يُناقش في اجتماعات التخطيط، وما لا يخضع للمساءلة عند اتخاذ القرارات المائية الكبرى.
أولاً: الخطر الذي يبدأ من طاولة القرار
في إدارة السلامة، يُميَّز بين الخطأ المباشر الذي يرتكبه العامل، والظروف الكامنة التي تهيئ لوقوع الحادث، مثل ضغط الإدارة لتقليص الوقت، أو خفض التكاليف، أو تجاهل متطلبات الوقاية. وينطبق المنطق نفسه على إدارة المياه.
قد يُلام المزارع على تجاوز الحصة المائية، أو تُحمَّل دائرة محلية مسؤولية الهدر، أو يُعزى تراجع نوعية المياه إلى ضعف التنفيذ. لكن هل نبحث بالقدر نفسه في القرارات التي سبقت هذه النتائج؟
• هل أُقرت الخطط الزراعية على أساس الموارد المائية المتاحة فعلياً، أم على أساس احتياجات لا يمكن ضمان تلبيتها؟
• هل جرى تقييم الأثر المائي والبيئي للقرارات التنموية قبل اعتمادها؟
• هل تأخر تأهيل شبكات الري أو معالجة مياه الصرف بسبب قرارات التمويل والأولويات؟
• هل أُديرت الخزانات والسدود وفق رؤية مستقبلية تأخذ في الحسبان توقيت الإيرادات المائية، لا كمياتها فقط؟
• هل عولجت مخاطر الاعتماد على المياه العابرة للحدود ضمن خطط وطنية واضحة، أم تُركت للاستجابة عند اشتداد الأزمة؟
هذه ليست أسئلة فنية فقط، بل أسئلة تتعلق بجودة الحوكمة والمسؤولية المؤسسية.
ثانياً: الأزمات المائية لا تولد يوم وقوعها
عندما ينخفض منسوب نهر، أو تتراجع الخزينات، أو تتقدم اللسان الملحي في شط العرب، فإن ما نراه قد يكون النتيجة النهائية لسلسلة طويلة من القرارات والتأجيلات.
فالاعتماد الكبير للعراق على الإيرادات المائية القادمة من خارج حدوده يجعل التخطيط المسبق ضرورة استراتيجية. كما أن التغير المناخي وتذبذب الأمطار والثلوج، وتغير توقيت التصريفات، وارتفاع الطلب، وتدهور الأراضي، كلها عوامل تجعل القرارات قصيرة الأجل أكثر كلفة وخطورة.
وقد تتراكم المخاطر الكامنة عبر سنوات، ومنها:
1. تأجيل القرارات الاستراتيجية: تأخر تنفيذ مشاريع الحصاد المائي، وتحديث منظومات الري، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها.
2. فجوة التخطيط والتنفيذ: وجود استراتيجيات طموحة دون تمويل مستدام، أو مؤشرات أداء قابلة للقياس، أو جهة مسؤولة بوضوح عن التنفيذ.
3. اختلال الأولويات: اتخاذ قرارات تنموية وزراعية لا تتناسب مع الموارد المائية المتاحة أو التوقعات المناخية.
4. ضعف الاستعداد للمستقبل: غياب سيناريوهات واضحة للسنوات الجافة والرطبة، وللتغيرات المفاجئة في الإيرادات المائية العابرة للحدود.
5. تشتت المسؤولية: توزيع الاختصاصات بين مؤسسات متعددة من دون تنسيق كافٍ يضمن إدارة المياه على مستوى الأحواض المائية.
قد يبدو كل قرار منفرداً قابلاً للتبرير، لكن اجتماع هذه القرارات قد يصنع أزمة يصعب احتواؤها.
ثالثاً: من سجل المخاطر التقليدي إلى سجل المخاطر الاستراتيجية
إن إدارة المخاطر المائية في العراق تحتاج إلى الانتقال من رصد الأعراض الظاهرة إلى تحليل الأسباب المؤسسية التي تنتجها.
لا يكفي أن يتضمن سجل المخاطر احتمال انخفاض الإيرادات المائية أو ارتفاع الملوحة أو تراجع الإنتاج الزراعي. يجب أن يتضمن أيضاً القرارات والسياسات التي قد تزيد احتمال وقوع هذه المخاطر أو تضاعف آثارها.
وأقترح اعتماد سجل المخاطر المائية الكامنة بوصفه أداة مساندة للتخطيط والحوكمة، يتضمن لكل قرار استراتيجي:
• القرار: ما الذي سيُعتمد أو يُؤجَّل أو يُستبعد؟
• الأثر المائي المحتمل: كيف يؤثر القرار في الكمية والنوعية والموقع والتوقيت؟
• الأثر المستقبلي: ما النتائج المحتملة بعد سنة أو خمس أو عشر سنوات؟
• مؤشر الإنذار المبكر: ما العلامة التي تكشف بدء تحقق الخطر؟
• الجهة المسؤولة: من يملك صلاحية المعالجة ومن يتحمل مسؤولية المتابعة؟
• إجراء الوقاية: ما التدبير الذي يمنع تراكم الخطر قبل تحوله إلى أزمة؟
بهذا الأسلوب، لا يعود سجل المخاطر وثيقة إدارية تُحدَّث بعد وقوع المشكلة، بل يصبح أداة تساعد على منع المشكلة قبل حدوثها.
رابعاً: إدارة الزمن المائي جزء من إدارة المخاطر
من الجوانب التي تستحق اهتماماً أكبر في التخطيط العراقي أن المياه لا تُقاس بكميتها وحدها؛ فتوقيت وصولها وتوافرها في المكان المناسب قد يكونان حاسمين في تحديد قيمتها الاقتصادية والبيئية.
قد تتوافر إيرادات مائية كبيرة خلال فترة قصيرة، لكن غياب السعة التخزينية المناسبة أو ضعف القدرة على توجيهها واستخدامها قد يؤدي إلى ضياع جزء من فرص الاستفادة منها. وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض التصريف في فترة حرجة إلى أضرار زراعية وبيئية حتى إن لم يكن العجز السنوي وحده كافياً لتفسير حجم الضرر.
لذلك، ينبغي أن تتضمن إدارة المخاطر العراقية مفهوم «هندسة الزمن المائي»، من خلال الربط بين توقعات الأمطار والثلوج، والإيرادات الواردة من دول المنبع، والخزين المتاح في السدود، والاحتياجات الزراعية والبيئية، وبرامج الإطلاقات المائية.
ويمكن تطوير منظومة إنذار مبكر تربط هذه المتغيرات، وتختبر سيناريوهات الجفاف والوفرة، وتساعد متخذي القرار على تحديد متى يُخزَّن الماء، ومتى يُطلَق، وأين تُعطى الأولوية، مع الحفاظ على المتطلبات البيئية والاحتياجات الأساسية.
إن الخطر لا يكمن فقط في نقص المياه، بل أيضاً في اتخاذ القرار الصحيح بعد فوات الوقت المناسب.
خامساً: من المسؤول عن الخطر الكامن؟
إذا أردنا حماية مستقبل العراق المائي، فلا بد من ربط المسؤولية بصنع القرار، وليس فقط بالجهة التي تتعامل مع نتائجه على الأرض.
وأقترح اعتماد خمس ممارسات تنفيذية:
1. إخضاع القرارات التنموية الكبرى لتقييم أثر مائي استراتيجي قبل إقرارها، بما يشمل آثارها التراكمية والمستقبلية.
2. إلزام الجهات المعنية بتوثيق المخاطر الناتجة عن قرارات التأجيل والتمويل وتغيير الأولويات، لا المخاطر الفنية وحدها.
3. ربط تقييم أداء القيادات بمؤشرات استباقية، مثل تقدم تنفيذ المشاريع الحرجة، وزمن معالجة الإنذارات، ومستوى الجاهزية لمواسم الجفاف.
4. إنشاء مراجعة سنوية مستقلة للمخاطر المائية الكامنة تشارك فيها الجهات الحكومية والجامعات والخبراء المستقلون والمتقاعدون ذوو الخبرة.
5. ربط الاستراتيجيات الوطنية للمياه حتى عام 2050 بآليات تنفيذ ومساءلة واضحة، تتضمن مؤشرات كمية، وجداول زمنية، وتمويلاً محدداً، ومراجعة دورية للنتائج.
ويجب ألا تتحول هذه الإجراءات إلى وسيلة لتوزيع اللوم بعد وقوع الأزمة، بل إلى منظومة تمنح المؤسسات والخبراء القدرة على التحذير المبكر، وتتيح تصحيح القرارات قبل أن تصبح تكلفتها أكبر من القدرة على معالجتها.
الخلاصة: هل نراقب المياه فقط، أم نراقب القرارات التي تحدد مستقبلها؟
إن مستقبل العراق المائي لن يتحدد فقط بما تهبه السماء، ولا بما يصل عبر الحدود، بل أيضاً بما نتخذه اليوم من قرارات، وما نؤجله، وما نغفله، وما نسمح بتراكمه دون مراجعة.
قد يظهر نقص المياه في النهر، لكن جذور الخطر قد تكون في خطة لم تُنفذ، أو استثمار لم يُعتمد، أو مشروع لم يخضع لتقييم مائي، أو تحذير علمي لم يصل إلى طاولة القرار.
السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كم ستكون مواردنا المائية في عام 2050؟ بل أيضاً: ما القرارات التي نتخذها اليوم وقد تجعل أزمة عام 2050 أكثر حدة، حتى لو كانت مخاطرها غير مرئية الآن؟
إن حماية المياه تبدأ بحماية القرار المائي من قصر النظر، وتبدأ الحوكمة الرشيدة عندما تصبح الوقاية من الأزمة مسؤولية واضحة، لا مجرد استجابة متأخرة لنتائجها.
سؤال للنقاش: هل يحتاج العراق إلى سجل وطني للمخاطر المائية الكامنة، يرتبط مباشرة بالقرارات الاستراتيجية والتمويل والأداء المؤسسي، ويتيح للخبراء المستقلين المشاركة في مراجعته قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمات؟
#العراق #الأمن_المائي #حوكمة_المياه #إدارة_المخاطر #هندسة_الزمن_المائي #التخطيط_الاستراتيجي #المياه_2050



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تخيّل يوماً بلا مياه… حين تتوقف الحياة عن تفاصيلها.؟
- دهوك بين زحف الإسمنت وذاكرة المكان: هل نوسع المدينة أم نفقد ...
- المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو - ...
- المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ض ...
- تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهي ...
- من -تقاسم المياه- إلى -هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ- ل ...
- الثرثار: من خزان مائي متراجع إلى رأس مال مائي استراتيجي للعر ...
- الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بن ...
- من معرفة الفجوة إلى توجيه القرار: التغطية والتخصيص في إدارة ...
- من التصاريح والاعلام إلى الفعل والتطبيق: نحو منظومة مائية عر ...
- من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح ...
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...
- الإفلاس الأزرق... هل يقترب العراق من نقطة اللاعودة المائية؟ ...
- التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في ا ...
- على العراق ان تجعل الثرثار جزءًا من خطة استباقية لاستقبال ال ...
- من الاعتماد المائي إلى الاستقلالية المائية: العراق أمام كارث ...


المزيد.....




- ترويكا.. الحلقة الـ65
- وزير الداخلية الفرنسي السابق يقترح سحب الجنسية من المتورطين ...
- حمد بن جاسم يوجه تحذيرا جديدا لدول الخليج بعد رسالة من حاكم ...
- التحالف يوجه تحذيرا شديد اللهجة للحوثيين على خلفية عمليات ته ...
- صدمة في إسرائيل.. ترامب يدعم نتنياهو للحرب ضد إيران
- بينهم 190 طفلا.. إدانة زعيم طائفة -يوم القيامة- في كينيا بقت ...
- الخارجية الإيرانية تستدعي السفير الألماني لدى طهران
- سلوتسكي: الاحتجاجات في فرنسا تعكس الفشل التام لسياسة ماكرون ...
- ترامب: زيلينسكي لا يريد إنهاء الصراع في أوكرانيا
- ترامب يوعز بالتحقيق مع أحد مستشاريه بشبهة -استغلال النفوذ-


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟