أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ضخَّ بلا قراءة لعداد الوقود.؟















المزيد.....

المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ضخَّ بلا قراءة لعداد الوقود.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في إدارة المياه، هناك قاعدة بسيطة لكنها عميقة: ما لا نقيسه لا نستطيع إدارته، وما لا نراقبه قد نستنزفه دون أن ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. عندما نتحدث عن المياه الجوفية، غالباً ما نركز على الآبار وكميات الضخ والإنتاجية، لكننا نغفل أحياناً عن السؤال الأهم: كيف نعرف أن الخزان الجوفي ما زال قادراً على تحمّل ما نضخه منه؟ المياه الجوفية لها نبض يمكن تشبيه الخزان الجوفي بجسم له – نبض- هيدرولوجي. فعلى مدى السنوات، يرتفع منسوب المياه الجوفية وينخفض استجابةً للأمطار والتغذية الطبيعية، والتسرب من الأنهار، وتغيرات المناخ، والضخ البشري. ولهذا فإن تسجيل منسوب المياه في بئر مراقبة واحد، ثم تكرار القياس بصورة منتظمة، قد يكشف لنا قصة كاملة عن صحة الخزان الجوفي. إن سلسلة زمنية تمتد لعشرات السنين لا تعطينا مجرد أرقام؛ بل تكشف ذاكرة الخزان الجوفي: متى يتغذى؟ كم يستغرق حتى يستجيب للأمطار؟ كيف يتصرف أثناء الجفاف؟ وهل يعود إلى مستوياته السابقة أم يستمر في الانخفاض؟ وهنا تكمن أهمية مفهوم يمكن تسميته ب “عداد الوقود الجوفي. – "Groundwater Fuel Gauge كما أننا لا نقود سيارة لمسافات طويلة دون معرفة كمية الوقود المتبقية، لا ينبغي أن نستمر في ضخ المياه الجوفية من خزانات لا نعرف مستوى مخزونها، ولا معدل تغذيتها، ولا اتجاه تغيرها.
في العراق المياه الجوفية ثروة مائية غير مرئية حيث يمتلك العراق منظومات مائية جوفية واسعة ومتنوعة، ترتبط بالظروف الجيولوجية والهيدرولوجية المختلفة من شمال البلاد إلى وسطها وجنوبها، وتزداد أهميتها في المناطق التي تعاني من محدودية المياه السطحية أو تذبذبها. لكن المشكلة ليست في وجود المياه الجوفية فقط، بل في معرفة حالتها وقدرتها على الاستمرار. فالبئر الذي ينتج المياه اليوم لا يعني بالضرورة أن المورد مستدام. قد يكون الضخ مستنداً إلى مخزون متراكم عبر آلاف السنين، بينما تكون التغذية الحالية محدودة جداً. وهنا يجب أن نفرق بين مفهومين: المياه الجوفية المتاحة، والمياه الجوفية القابلة للاستخدام المستدام. فالكمية الموجودة تحت الأرض ليست كلها رصيداً سنوياً يمكن سحبه. المشكلة ليست في البئر... بل في الخزان قد نحفر بئراً جديداً ونحصل على إنتاجية جيدة، فنعتقد أن المياه متوفرة بكثرة. لكن الإنتاجية العالية للبئر لا تخبرنا وحدها عن مستقبل الخزان. لذلك يجب أن ينتقل العراق من إدارة الآبار إلى إدارة الخزانات الجوفية Aquifers. وهذا التحول يتطلب شبكة وطنية متكاملة لمراقبة مناسيب المياه الجوفية. معدلات الضخ، نوعية المياه وملوحتها. معدلات التغذية الطبيعية. التغيرات الموسمية والسنوية. تأثير الجفاف وتغير المناخ. التداخل بين المياه السطحية والجوفية. الهبوط الأرضي، حيثما يكون مرتبطاً باستنزاف المياه الجوفية. والأهم أن تكون هذه البيانات سلسلة زمنية مستمرة، لا حملات قياس متقطعة تنتهي بانتهاء المشروع. نحتاج إلى ذاكرة للمياه الجوفية لان من أخطر المشكلات التي تواجه الإدارة المائية غياب الذاكرة الطويلة. قد نعرف منسوب المياه اليوم، لكن ماذا كان قبل عشر سنوات؟ وقبل عشرين سنة؟ وما الذي حدث أثناء سنوات الجفاف؟ وكيف استجاب الخزان للسنوات المطيرة؟ من دون هذه السلسلة الزمنية يصبح من الصعب التمييز بين التذبذب الطبيعي والاستنزاف طويل الأمد. وهنا تتقاطع المياه الجوفية مع مفهوم مهم في إدارة الموارد المائية: زمن المياه. فالمياه الجوفية ليست مجرد كمية مخزونة في الفراغات والشقوق؛ إنها نظام يتحرك ويستجيب، ولكن بسرعات مختلفة. بعض الخزانات يستجيب للأمطار خلال أشهر، بينما تحتاج خزانات أخرى إلى سنوات أو عقود. لذلك فإن قرار الضخ اليوم قد تكون آثاره الحقيقية بعد سنوات. من عداد الوقود إلى نظام إنذار مبكر إذا أنشأنا شبكة وطنية لمراقبة المياه الجوفية، فإننا نستطيع تحويل البيانات إلى نظام إنذار مبكر. فعندما ينخفض المنسوب بصورة غير اعتيادية، أو تتسارع الملوحة، أو يتجاوز الضخ معدل التغذية، يمكن أن تظهر الإشارة قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة. وهنا يمكن استخدام الاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة الهيدرولوجية لبناء توأم رقمي للخزانات الجوفية الأكثر أهمية، يساعد على اختبار سيناريوهات الضخ والجفاف والتغير المناخي قبل اتخاذ القرار. وهناك سؤال يتبادر الى ذهن الباحثين والأكاديميين والشركات هل يجب أن تكون البيانات متاحة للجمهور؟ الجواب برائي نعم، مع مراعاة حماية البيانات الحساسة المتعلقة بمواقع بعض الآبار أو الاستخدامات الاستراتيجية. لكن المؤشرات الأساسية لحالة الخزانات الجوفية ينبغي أن تكون متاحة وشفافة اتجاهات المناسيب، نوعية المياه، مناطق الإجهاد المائي، ومؤشرات الاستدامة. فالشفافية هنا ليست مجرد مسألة معلومات؛ إنها جزء من حوكمة المياه. عندما يعرف المزارع والمواطن والجهة الحكومية والباحث حالة الخزان، يصبح من الممكن بناء مسؤولية مشتركة تجاه المورد. والمستقبل المائي الآمن يكون بالتحول من استخراج المياه بشكل مرئي إلى إدارة رأس المال المائي المخفي او غير المرئي فالعراق بحاجة إلى إعادة تعريف المياه الجوفية باعتبارها رأس مال مائي وطني، وليس مورد مجاني لا ينضب. وهذا يتطلب الانتقال من حفر الآبار إلى مراقبة الخزانات. ومن قياس الضخ إلى قياس الرصيد والتغذية. ومن الاستجابة للأزمة إلى الإنذار المبكر. ومن إدارة البئر إلى إدارة الحوض والخزان الجوفي. ومن البيانات المتفرقة إلى ذاكرة مائية وطنية. وأقترح أن يكون للعراق مؤشر نبض المياه الجوفية العراقية، يعتمد على شبكة وطنية من آبار المراقبة، تسجل بصورة دورية منسوب المياه ونوعيتها واتجاهاتها، وتحوّل هذه البيانات إلى مؤشرات مفهومة لصانع القرار والمواطن. فكما لا نبدأ رحلة طويلة والسيارة بلا عداد وقود، لا ينبغي أن نستمر في استخراج المياه الجوفية من خزانات لا نملك لها عداداً. المياه الجوفية لا تتحدث بصوت مرتفع؛ إنها ترسل إشاراتها ببطء. ومهمتنا أن نراقب نبضها قبل أن يتحول الصمت إلى أزمة وكارثة إنسانية لا يحمد عقباه.؟



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهي ...
- من -تقاسم المياه- إلى -هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ- ل ...
- الثرثار: من خزان مائي متراجع إلى رأس مال مائي استراتيجي للعر ...
- الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بن ...
- من معرفة الفجوة إلى توجيه القرار: التغطية والتخصيص في إدارة ...
- من التصاريح والاعلام إلى الفعل والتطبيق: نحو منظومة مائية عر ...
- من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح ...
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...
- الإفلاس الأزرق... هل يقترب العراق من نقطة اللاعودة المائية؟ ...
- التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في ا ...
- على العراق ان تجعل الثرثار جزءًا من خطة استباقية لاستقبال ال ...
- من الاعتماد المائي إلى الاستقلالية المائية: العراق أمام كارث ...
- من مديريات الموارد المائية في المحافظات إلى إدارات الأحواض ا ...
- من أزمات المياه إلى أزمات إدارة الملف المائي.؟
- العراق 2050: من إدارة ندرة المياه إلى هندسة المرونة المائية- ...
- من منابع النيل إلى منابع دجلة والفرات: لماذا نحتاج إلى رحلة ...


المزيد.....




- من قلب النجوم الأولى.. اكتشاف يفسر فقر المجرات القزمة بالمعا ...
- مكمل غذائي شائع قد يحمل أثرا غير متوقع للدماغ
- تقرير: واشنطن تعزز دفاعات السعودية وقطر بـ-باتريوت- لحماية م ...
- ترامب: لن نترك -فوضى إيران- لرئيس لاحق وطهران تريد التوصل إل ...
- تحذير من تناول مسكنات شائعة قبل لقاح الإنفلونزا
- روسيا.. طماطم -فضائية- تجتاز اختبارات السلامة بعد زراعتها من ...
- حادثة -فلاي دبي- تتصدر التوتر الإقليمي وترامب يهدد إيران إذا ...
- حادثة -فلاي دبي- تشعل السجال السياسي بإسرائيل وتوقظ كابوس ال ...
- 200 منظمة في 60 دولة تنظم حراكا عالميا من أجل فلسطين
- وزارة الدفاع تدعو المواطنين لتجنب 19 طريقاً رئيساً وفرعياً ح ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ضخَّ بلا قراءة لعداد الوقود.؟