أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح المؤسسة المائية جزءُ من إصلاح الدولة نفسها.؟















المزيد.....

من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح المؤسسة المائية جزءُ من إصلاح الدولة نفسها.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 00:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الحالة العراقية، يمكن النظر إلى المياه بوصفها جزءًا من العقد الوطني بين الدولة والمجتمع. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى وصول المياه، بل إلى منظومة مؤسسية تضمن له مياهًا كافية وآمنة وذات نوعية مناسبة وفي الوقت والمكان المناسبين، مع عدالة في توزيعها بين المحافظات والقطاعات والأجيال.
وكما أن ضعف المؤسسات المدنية قد يدفع المواطن إلى البحث عن الحماية لدى الانتماءات الأقرب إليه، فإن ضعف المؤسسات المائية يمكن أن يدفع المجتمعات والقطاعات والمحافظات إلى التعامل مع المياه بمنطق الحصة والمصلحة المحلية بدل منطق الحوض والمصلحة الوطنية.
ومن هنا فإن الانتقال المطلوب في العراق ليس من «شح المياه» إلى «زيادة المياه» فقط، بل من:
إدارة المياه → حوكمة المياه → أمن مائي مؤسسي.
ولان المياه ليست مجرد مورد... بل حق ومسؤولية وطنية وعندها تكون المياه جزءًا أساسيًا من الأمن الغذائي والصحة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، فإن إدارتها لا يمكن أن تبقى مسألة فنية محضة. المياه ترتبط بالزراعة، والطاقة، والصناعة، والصحة، والبيئة، والمدن، والأهوار، والأمن الغذائي، والعلاقات المائية مع دول الجوار. ولذلك فإن تعدد الجهات المسؤولة عنها من دون تنسيق مؤسسي قوي قد يؤدي إلى تضارب الأولويات والقرارات.
وهنا تبرز الحاجة إلى مؤسسة وطنية عليا للسياسات المائية والأمن المائي قادرة على التنسيق بين الموارد المائية والزراعة والبيئة والتخطيط والمالية والخارجية والطاقة والمحافظات، مع بقاء الاختصاصات التنفيذية للجهات القطاعية.
وهنا تبرز العدالة المائية باعتبارها الوجه الآخر للمواطنة إذا كانت المواطنة تعني المساواة أمام القانون، فإن المواطنة المائية تعني ضمان الوصول العادل إلى الموارد والخدمات المائية وفق قواعد وطنية واضحة. وهذا لا يعني توزيع المياه بالتساوي حسابيًا بين المحافظات، لأن الاحتياجات والموارد والظروف الهيدرولوجية تختلف، وإنما يعني أن تكون عملية التخصيص مبنية على:
الاحتياجات السكانية. الأولويات الاقتصادية والغذائية. الاستدامة البيئية. نوعية المياه. الكفاءة في الاستخدام. الظروف الهيدرولوجية. حقوق الأجيال القادمة. وبذلك تتحول المياه من موضوع للمساومات الظرفية إلى موضوع تحكمه قواعد معلنة وقابلة للقياس والمساءلة.
ومن هنا ضرورة الانتقال من إدارة المحافظات إلى إدارة الأحواض كون أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من مفهوم «المؤسسات» هو أن المشكلة لا تعالج فقط بتغيير الأشخاص، بل بتغيير قواعد إدارة النظام نفسه. وفي العراق، يتطلب ذلك تعزيز الإدارة على أساس الأحواض المائية، بحيث يكون حوض دجلة وحوض الفرات الإطار الاستراتيجي، ثم الأحواض الفرعية، بدل أن تكون الحدود الإدارية للمحافظات هي الوحدة الأساسية للتخطيط المائي.
فالأنهار لا تعرف الحدود السياسية والإدارية. ومن ثم ينبغي أن تضم إدارة الحوض مختلف التخصصات: الهيدرولوجيا، والهيدروجيولوجيا، والزراعة، والبيئة، والاقتصاد، والتخطيط، والجيولوجيا، والبيانات، والقانون، والمجتمع المحلي.
كما أن المواطنة لا تستقيم من دون تطبيق القانون على الجميع، فإن الحوكمة المائية لا تستقيم من دون قواعد مائية تطبق على الجميع. مما يجب سيادة القانون أن تمتد إلى المياه. وهذا يشمل: تنظيم حفر الآبار واستثمار المياه الجوفية. ضبط التجاوزات على الأنهار والجداول. حماية نوعية المياه. منع تصريف الملوثات دون معالجة. تنظيم السحب الزراعي. حماية الأحواض ومناطق التغذية الجوفية. إلزام المؤسسات بمعايير كفاءة استخدام المياه. تطبيق قواعد واضحة لإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة. وهنا يصبح القانون المائي أداة لحماية رأس المال المائي الوطني، وليس مجرد أداة للسيطرة الإدارية.
ان الثقة بالمؤسسة المائية تبدأ من البيانات وفي موضوع المياه، لا يمكن بناء الثقة من دون بيانات موثوقة ومشتركة. العراق يحتاج إلى منظومة وطنية للمعلومات المائية تعتمد على القياسات الحقلية والاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والنمذجة والذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح المعلومات المتعلقة بالخزين والتدفقات والاستهلاك ونوعية المياه والمياه الجوفية متاحة لصانع القرار وفق مستويات واضحة من الشفافية. وهذا مهم أيضًا في إدارة المياه العابرة للحدود؛ لأن التفاوض المائي الحديث لا ينبغي أن يعتمد على الانطباعات، وإنما على بيانات قابلة للتحقق وآليات مشتركة للرصد والتدقيق.
ويجب اعتبار زمن المياه كجزء أساسي من الحوكمة وهنا يمكن إضافة بُعد مهم إلى هذا الإسقاط، وهو مفهوم هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering). فالمياه ليست كمية فقط؛ فقيمة المياه تتغير بحسب: الكمية + النوعية + المكان + الزمن. قد تكون كمية معينة من المياه غير ذات قيمة زراعية إذا وصلت بعد انتهاء الموسم، أو قد تكون ذات قيمة استراتيجية كبيرة إذا خُزنت في الوقت المناسب لاستعمالها خلال سنوات الجفاف. ومن هنا تصبح السدود والخزانات والبحيرات الاستراتيجية، ومنها بحيرة الثرثار، جزءًا من منظومة إدارة الزمن المائي الوطني، وليس مجرد أماكن لخزن المياه.
ويجب المؤسسات المائية أن تكسب ثقة المجتمع حيث لا يمكن مطالبة المزارع بترشيد المياه إذا لم يرَ عدالة في توزيعها. ولا يمكن مطالبة المدن بتقليل الهدر إذا لم تتحسن خدمات المياه. ولا يمكن مطالبة المواطنين بحماية الأنهار إذا لم تكن هناك رقابة فعالة على مصادر التلوث. لذلك فإن الثقة المائية تُبنى من خلال نتائج يومية ملموسة: ماء آمن، توزيع عادل، قانون واضح، معلومات موثوقة، خدمات أفضل، ومساءلة حقيقية. وهنا نرى بان الواقع المائي العراقي يحتاج الى المؤسسة التي لا تطلب ثقة المجتمع بالكلام؛ بل تكسبها من خلال الأداء. لكي نتحول من «الأمن المائي» إلى «الملاءة المائية» يمكن كذلك تطوير الفكرة باتجاه مفهوم الملاءة المائية (Water Solvency).
فالدولة قد تمتلك مياهًا في سنة معينة، لكنها تكون في وضع مائي غير مستدام إذا كانت تستهلك رأس مالها المائي بصورة تفوق قدرتها على التجدد. لذلك ينبغي أن تسأل السياسة المائية العراقية ليس فقط كم لدينا من المياه اليوم؟ بل أيضًا: كم يمكننا أن نستخدم بصورة مستدامة؟ ما الذي نستهلكه من رأس مالنا المائي؟ وما الذي نتركه للأجيال القادمة؟ وهذا ينقل العراق من إدارة الأزمة المائية إلى إدارة الملاءة ورأس المال المائي الوطني.
وبهذا نحصل على معادلة وطنية مائية تتلخص بالتالي:
لا أمن مائي بلا مؤسسات، ولا مؤسسات مائية بلا قانون، ولا قانون مائي بلا عدالة، ولا عدالة مائية بلا بيانات، ولا بيانات بلا شفافية، ولا استدامة مائية بلا مشاركة مجتمعية، ولا سيادة مائية بلا تخطيط طويل الأمد.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس فقط كيف نوفر مزيدًا من المياه، بل كيف نبني الدولة القادرة على إدارة كل قطرة موجودة، وكل قطرة يمكن الحصول عليها، وكل قطرة يجب الحفاظ عليها.
وهنا يصبح إصلاح المؤسسة المائية جزءًا من إصلاح الدولة نفسها؛ لأن الدولة التي تستطيع أن تدير مياهها بعدالة وكفاءة وشفافية، تكون أكثر قدرة على حماية أمنها الغذائي والبيئي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى تحويل المياه من مصدر للأزمة إلى أحد أصول التنمية والاستقرار الوطني.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...
- الإفلاس الأزرق... هل يقترب العراق من نقطة اللاعودة المائية؟ ...
- التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في ا ...
- على العراق ان تجعل الثرثار جزءًا من خطة استباقية لاستقبال ال ...
- من الاعتماد المائي إلى الاستقلالية المائية: العراق أمام كارث ...
- من مديريات الموارد المائية في المحافظات إلى إدارات الأحواض ا ...
- من أزمات المياه إلى أزمات إدارة الملف المائي.؟
- العراق 2050: من إدارة ندرة المياه إلى هندسة المرونة المائية- ...
- من منابع النيل إلى منابع دجلة والفرات: لماذا نحتاج إلى رحلة ...
- ادارة الموارد المائية في العراق لا تحتاج إلى إدارة أكثر تعقي ...
- من -إدارة المياه- إلى -قيمة المياه- نحو بناء قطاع مائي قابل ...
- المرونة المائية في العراق: من إدارة الموارد إلى بناء منظومة ...
- من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن ال ...
- من تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع: نموذج جديد للأمن المائي ف ...
- هل ما زال العراق يدير مياهه بعقلية إدارة الأزمة، أم بدأ ينتق ...
- حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟


المزيد.....




- -رجعت أصالة عالشام- في ليلة أعادت الفرح إلى العديد من السوري ...
- -تبدين ممتلئة قليلا من هنا-.. 5 مزاعم مثيرة للجدل في مذكرات ...
- مئات الآلاف في شوارع طهران لاستعراض الجاهزية.. كتائب قتالية ...
- عمليات محتملة على جبهات أخرى.. لماذا ينقل الجيش الأميركي طائ ...
- -معركة الميزانية- تضرب الجيش الإسرائيلي.. 3 جبهات ومخزون الذ ...
- جولة في منشآت -سبيس إكس-.. نتنياهو يخطط لزيارة تكساس خلال رح ...
- مفاجأة صادمة داخل جسد صيني.. إبر معدنية في الصدر والبطن ومنا ...
- مدفعية الجيش الإسرائيلي تستهدف أطراف بلدة الحميدية بريف القن ...
- تل أبيب تعترض على بيع الولايات المتحدة مقاتلات F-35 للسعودية ...
- بلومبرغ: البنتاغون يبلغ الكونغرس بأن تكلفة العمليات ضد إيران ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح المؤسسة المائية جزءُ من إصلاح الدولة نفسها.؟