أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من -إدارة المياه- إلى -قيمة المياه- نحو بناء قطاع مائي قابل للتنبؤ في العراق.؟















المزيد.....

من -إدارة المياه- إلى -قيمة المياه- نحو بناء قطاع مائي قابل للتنبؤ في العراق.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 17:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحتاج مشكلة المياه في العراق إلى إعادة تعريف. فالأزمة لم تعد تتمثل فقط في انخفاض الإيرادات المائية أو تذبذب الأمطار، بل في قدرة الدولة على التنبؤ بالمياه، وتخطيطها، وتخزينها، وتوزيعها، واستثمار كل متر مكعب منها بأعلى قيمة ممكنة.
إن العراق يمتلك منظومة مائية واسعة تشمل السدود والخزانات وشبكات الري ومحطات الإسالة وشبكات الصرف والبزل والأراضي الزراعية والمياه الجوفية. لكن القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لهذه المنظومة لا تتحقق بمجرد وجود البنية التحتية، وإنما بقدرتها على تقديم خدمة مائية يمكن التنبؤ بها وإدارتها بكفاءة.
وهنا تبرز أهمية مفهوم "قابلية التنبؤ المائي" Water Predictability. لان المياه التي يمكن التنبؤ بها تصبح أكثر قيمة، حيث في العراق، لا يكفي أن نعرف كمية المياه الموجودة في الخزانات اليوم؛ الأهم أن نعرف كم ستكون الكمية بعد شهر، وبعد ثلاثة أشهر، وفي نهاية الموسم، وما الذي يمكن تخصيصه للزراعة والمدن والبيئة والطاقة.
وهذا يتطلب الانتقال من الإدارة التقليدية للمياه إلى إدارة تعتمد على البيانات الفورية، والتنبؤات المناخية والهيدرولوجية، والاستشعار عن بعد، ونماذج الأحواض، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة التشغيل الديناميكي للسدود.
إن الخزان المائي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مخزناً للمياه فقط، بل باعتباره أداة لإدارة الزمن المائي وعدم اليقين. وان نتحول من مفهوم من «كم لدينا؟» إلى «ما قيمة كل متر مكعب؟» لان هذه تعتبر أحد أكبر التحولات المطلوبة في العراق وهو الانتقال من قياس النجاح بحجم المياه المتاحة إلى قياسه بالقيمة التي يولدها كل متر مكعب.
فالمتر المكعب المستخدم في محصول منخفض القيمة ليس مساوياً للمتر المكعب المستخدم في محصول ذي قيمة اقتصادية عالية، أو في مياه الشرب، أو في حماية مدينة، أو في المحافظة على الأهوار والأنظمة البيئية.
ولهذا يجب أن يصبح اقتصاد المياه جزءاً أساسياً من التخطيط الوطني.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن أزمة العراق ترتبط ارتباطاً مباشراً بالعلاقة بين المياه والزراعة والفقر والتنمية، وأن تحسين كفاءة استخدام المياه الزراعية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لبناء المرونة المناخية. ولان قابلية التنبؤ شرط للاستثمار، لذا لا يستطيع العراق بناء قطاع مائي مستدام إذا ظلت المشاريع تُدار بمنطق الطوارئ، أو إذا كان التخطيط السنوي منفصلاً عن التخطيط المائي طويل الأمد.
المطلوب هو بناء برنامج مائي وطني متعدد السنوات تكون فيه كل محافظة، وكل قطاع، وكل مشروع مرتبطاً بتوقعات مائية واضحة: كمية المياه المتوقعة. توقيت توفرها. درجة عدم اليقين. الاحتياجات الفعلية. كفاءة الاستخدام. تكلفة المتر المكعب. القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الناتجة عنه. المخاطر في حال انخفاض الإيرادات.
بهذا الأسلوب تصبح المياه أساساً لقرار الاستثمار، وليس مجرد مدخل متغير للمشروعات، ومن هنا نرى بان السدود العراقية بحاجة إلى "إدارة زمنية" كون السد ليس منشأة لتجميع المياه فقط. وظيفته الحقيقية هي إدارة الفرق بين زمن توفر المياه وزمن الحاجة إليها.
ومن هنا يمكن تطبيق مفهوم هندسة الزمن المائي Water Time Engineering في تشغيل السدود العراقية، بحيث تعتمد قرارات الخزن والإطلاق على توقعات الأمطار والجريان، وحالة الخزان، واحتياجات القطاعات، والتنبؤات المناخية، وحالة التربة والمحاصيل، والمتطلبات البيئية.
وهذا يسمح بتحويل إدارة الخزانات من نظام ثابت إلى نظام تشغيل ديناميكي يتغير مع تغير المعلومات.
المياه كقطاع اقتصادي
العراق بحاجة إلى النظر إلى سلسلة القيمة المائية باعتبارها قطاعاً اقتصادياً متكاملاً يشمل المياه - التخزين - النقل - المعالجة - التوزيع - الاستخدام - إعادة الاستخدام - المعالجة - استرداد الموارد.
كل مرحلة يمكن أن تولد قيمة اقتصادية وتوفر فرصاً للاستثمار والتكنولوجيا والابتكار.
كما أن ضعف استرداد تكاليف التشغيل والصيانة، وانخفاض التحصيل، ومحدودية القياس، وتشتت المسؤوليات المؤسسية، كلها عوامل تقلل من كفاءة قطاع المياه وتزيد اعتماده على التمويل الحكومي.
لذلك فإن الإصلاح المطلوب ليس مجرد إنشاء مشاريع جديدة، بل رفع قيمة الأصول المائية القائمة وتحسين أدائها طوال دورة حياتها.
والتحول من ميزانية المياه إلى "محفظة مائية" فبدلاً من التعامل مع مشاريع المياه باعتبارها مشاريع منفردة، يمكن إنشاء محفظة وطنية للاستثمار المائي، ترتب المشاريع وفقاً لمعايير واضحة منها الأمن المائي. العائد الاقتصادي. توفير المياه. تقليل الفاقد. المرونة المناخية. حماية المدن والسكان. حماية النظم البيئية. سرعة التنفيذ. تكلفة دورة الحياة. القدرة على تحقيق نتائج قابلة للقياس. وبذلك يصبح القرار الاستثماري قائماً على القيمة المائية المتوقعة وليس على حجم المشروع أو كلفته فقط.
العراق يحتاج إلى "سجل أداء مائي". كما تحتاج الشركات إلى سجل موثوق يبين ما وعدت به وما حققته، يحتاج العراق إلى نظام وطني يقيس سنوياً، المياه المخططة مقابل المياه المتاحة، والمياه المخصصة مقابل المستخدمة، والمياه المنتجة مقابل المفقودة، والاستثمارات المخططة مقابل المنفذة، والنتائج المتحققة مقابل الأهداف.
هذا النوع من القياس سيخلق لأول مرة مفهوم المساءلة المائية المبنية على الأداء.
وهنا سيكون للمياه سوق مائي أكثر كفاءة، ولكن هذا لا يعني بناء قطاع مائي اقتصادي بخصخصة المياه أو التعامل معها كسلعة مجردة. المياه مورد أساسي للحياة وحق عام، لكن إدارة هذا المورد تحتاج إلى مؤسسات ذات كفاءة، وبيانات شفافة، وتمويل مستدام، وتسعير اقتصادي للخدمات حيث يكون مناسباً، واستثمارات طويلة الأجل، وحوافز حقيقية لتقليل الهدر.
العراق انضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه، كما أن المؤسسات الدولية تؤكد الحاجة إلى تعزيز الحوكمة وكفاءة استخدام المياه والقدرة على التكيف مع تغير المناخ.
المشكلة المائية في العراق ليست فقط "كمية المياه التي نملكها"، بل مدى قدرتنا على معرفة متى تصل، وكم ستبقى، وأين نستخدمها، وما القيمة التي نحققها منها.
لذلك فإن مستقبل الأمن المائي العراقي يتطلب الانتقال من إدارة النقص إلى إدارة عدم اليقين، ومن قياس كمية المياه إلى قياس قيمة المياه، ومن المشاريع المنفردة إلى محفظة مائية متكاملة، ومن التخطيط السنوي إلى التخطيط متعدد السنوات، ومن إدارة الأصول إلى إدارة دورة حياتها، ومن الاستجابة للأزمة إلى بناء قابلية التنبؤ والمرونة.
إن العراق لا يحتاج فقط إلى المزيد من المياه؛ بل يحتاج إلى نظام يجعل كل متر مكعب أكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر كفاءة، وأكثر قيمة، وأكثر قدرة على دعم الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
وهنا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة من إدارة الموارد المائية في العراق: بناء اقتصاد مائي قائم على القيمة، وقابلية التنبؤ، وهندسة الزمن المائي.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرونة المائية في العراق: من إدارة الموارد إلى بناء منظومة ...
- من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن ال ...
- من تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع: نموذج جديد للأمن المائي ف ...
- هل ما زال العراق يدير مياهه بعقلية إدارة الأزمة، أم بدأ ينتق ...
- حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟
- نحو رؤية دستورية وقانونية ومؤسسية جديدة لموارد العراق المائي ...
- هل تقاس حداثة المدن بعدد الأبراج... أم بجودة الحياة - وهل يح ...
- زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا: هل تمثل نقطة تحول ف ...
- السدود العراقية 2050: من خزانات للمياه إلى منظومات ذكية لإدا ...
- الحوكمة المائية العراقية 2050: نحو نموذج وطني جديد للأمن الم ...
- هندسة الزمن المائي: نحو ثورة علمية في إدارة المياه في عصر ال ...
- هندسة الزمن المائي ومستقبل الحضارة المائية: من الحكمة القديم ...
- هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering): نحو علم جديد لإ ...
- العراق والمياه: عندما يصبح التأخير في اصلاح الشأن المائي خسا ...
- العراق 2035... هل نُقيّم الدراسة أم نُحاسب النتائج؟
- العراق 2035... هل سيتحول من إنجاز الدراسة الاستراتيجية إلى ض ...
- قراءة نقدية في استخدام مصطلحات تغير المناخ والاقتصاد الأخضر ...
- -الدبلوماسية المائية العراقية: نحو استحداث ملحق دبلوماسي أو ...
- من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: خارطة طريق لإنقاذ الأمن ...
- نحو إدارة مائية بلا حدود تقليدية: قراءة جديدة لمستقبل العراق ...


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من -إدارة المياه- إلى -قيمة المياه- نحو بناء قطاع مائي قابل للتنبؤ في العراق.؟