أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن المائي في حوضي دجلة والفرات قبل حسم الحقوق.؟















المزيد.....

من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن المائي في حوضي دجلة والفرات قبل حسم الحقوق.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 16:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمثل حوضا دجلة والفرات واحدة من أكثر قضايا المياه العابرة للحدود تعقيداً في الشرق الأوسط، ليس بسبب ندرة المياه والتغير المناخي فحسب، بل نتيجة غياب إطار إقليمي متفق عليه يحدد الحقوق والالتزامات وقواعد إدارة المياه بين دول الحوض.
ومن هنا، فإن الانتقال من مفهوم «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع» يمثل تطوراً مهماً في التفكير بإدارة الأحواض العابرة للحدود، لكنه يحتاج إلى أساس قانوني وسياسي واضح. فالمنافع لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق المائية، وإنما ينبغي أن تكون نتيجةً لتثبيت هذه الحقوق وتطوير آليات التعاون بين دول الحوض. المشكلة الأعمق: هل هناك اتفاق أصلاً على الطبيعة المتشاركة للمياه؟
يفترض طرح «تقاسم المنافع» أن دول الحوض متفقة ابتداءً على أن مياه دجلة والفرات مورد مشترك يخضع لإدارة وتوزيع متفق عليهما. لكن هذا الافتراض لم يتحول حتى الآن إلى قاعدة سياسية وقانونية مشتركة بين جميع دول الحوض.
رؤية الجانب التركي لا يزال تعبير عن رؤية سيادية واضحة للمياه عندما يشبّهون الماء بالنفط، في إشارة إلى أن موارد المياه داخل الأراضي التركية تُنظر إليها بوصفها مورداً وطنياً، كما أن النفط في دول أخرى يعد مورداً وطنياً لها.
هذه الرؤية تكشف أن أصل المشكلة لا يتعلق فقط بكيفية تقاسم المياه أو المنافع، وإنما بالسؤال الأسبق: ما طبيعة الحقوق المائية لدول حوضي دجلة والفرات؟
وهنا تكمن نقطة أساسية في أي مقاربة جديدة للأمن المائي في حوضي دجلة والفرات. فقبل أن نتحدث عن تقاسم المنافع من الطاقة أو الخزن أو مواجهة الجفاف، يجب أن يكون هناك اتفاق على المبادئ التي تحكم الانتفاع بالمياه نفسها.
من منظور القانون الدولي للمياه، أقرت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية مبدأ الانتفاع والمشاركة المنصفين والمعقولين، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الجغرافية والهيدرولوجية والمناخية والبيئية، واحتياجات دول المجرى المائي، وآثار استخدام دولة للمياه على الدول الأخرى.
كما كرست الاتفاقية مبدأ اتخاذ التدابير المناسبة لمنع إحداث ضرر ذي شأن في دول المجرى المائي الأخرى.
ومن المهم الإشارة إلى أن تركيا كانت من الدول التي صوتت ضد اعتماد الاتفاقية عام 1997، وهو ما يعكس استمرار الاختلاف في الرؤى بشأن الإطار القانوني الدولي الذي ينبغي أن يحكم الأنهار العابرة للحدود.
لذلك، فإن تقاسم المنافع ينبغي أن يكون تطويراً لمفهوم الحقوق المائية، لا بديلاً عنها.
من تقاسم الكميات إلى إدارة المنظومة
بعد تثبيت الحقوق والمبادئ الأساسية، يمكن الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، وهي الإدارة المتشاركة للمنظومة المائية.
وهنا لا تعني الإدارة المتشاركة أن تفقد الدول سيادتها على منشآتها المائية، أو أن تصبح السدود داخل دولة ما ملكية مشتركة لدول أخرى، وإنما تعني الاتفاق على قواعد تشغيل وتبادل بيانات وتنسيق للإطلاقات والتعامل مع سنوات الجفاف والفيضانات، بما يحقق أكبر قدر ممكن من المنافع المتشاركة ويقلل الأضرار.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى السدود التركية والإيرانية والسورية والعراقية باعتبارها عناصر مترابطة ضمن منظومة هيدرولوجية واحدة، ولكن ليس باعتبارها «خزناً مشتركاً» بالمعنى القانوني إلا إذا تم الاتفاق رسمياً على ذلك.
فالخزن الموجود داخل دولة يبقى خاضعاً لسيادتها، لكن تشغيله يمكن أن يصبح جزءاً من منظومة تنسيق إقليمية إذا توفرت اتفاقيات واضحة تحدد الحقوق والالتزامات وقواعد التشغيل والإطلاقات وتبادل المعلومات وآليات التعامل مع الأزمات.
هندسة الزمن المائي: البعد الذي يتجاوز كمية المياه
في هذا السياق تظهر أهمية مفهوم هندسة الزمن المائي – Water Time Engineering (WTE).
فأزمة العراق لا ترتبط بكمية المياه السنوية فقط، وإنما أيضاً بتوقيت وصول المياه، وانتظامها، ونوعيتها، وقدرة الدولة على الحصول على التصريف المطلوب في الوقت المطلوب، خصوصاً خلال سنوات الجفاف.
وقد غيّرت السدود الكبرى في دول أعالي النهرين التوزيع الزمني الطبيعي للجريان. ولذلك فإن السؤال بالنسبة للعراق لم يعد فقط: كم متر مكعب من المياه يصل إلينا؟ بل أصبح أيضاً:
متى تصل المياه؟ وكيف توزع خلال السنة؟ وما حجم التصريف في مواسم الاحتياج؟ وكيف تتم إدارة الإطلاقات في سنوات الجفاف؟
ومن هنا تنظر هندسة الزمن المائي إلى السد ليس باعتباره مجرد منشأة لخزن المياه، وإنما باعتباره أداة لإدارة الزمن المائي وعدم اليقين.
فالقيمة الحقيقية للمياه لا تتحدد بالكميات وحدها، وإنما بعلاقتها بالزمن والاحتياج والمكان والنوعية والقدرة على التنبؤ وبذلك يمكن استخدام التنبؤات المناخية، والنمذجة الهيدرولوجية، والاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الآنية، ونماذج تشغيل السدود، للانتقال من إدارة المياه بعد وصولها إلى إدارة توقيتها قبل وصولها.
من الحقوق إلى المنافع.
إذا تم تثبيت الحقوق المائية، فإن مفهوم تقاسم المنافع يصبح أكثر واقعية وقوة فبدلاً من أن ينحصر الحوار في سؤال: «كم متر مكعب تحصل عليه كل دولة؟»، يمكن توسيع التعاون ليشمل:
• تنسيق تشغيل السدود والخزانات.
• إدارة الجفاف والفيضانات بصورة مشتركة.
• تبادل البيانات والمعلومات الهيدرولوجية والمناخية.
• تحسين إنتاج الطاقة الكهرومائية.
• حماية الأنظمة البيئية والأهوار.
• تقليل فاقد المياه.
• تطوير الزراعة الأكثر كفاءة.
• الاستثمار المشترك في مشاريع المياه والطاقة والغذاء.
• استخدام التنبؤ المناخي والإنذار المبكر.
• إدارة نوعية المياه والملوحة والتلوث.
وهنا يصبح تقاسم المنافع امتداداً طبيعياً للحقوق المائية والإدارة المتشاركة، وليس وسيلة للالتفاف على مسألة الحقوق. ومن الضروري أيضاً إعادة النظر في الاستخدام المبسط لمصطلحي «دولة المنبع» و«دولة المصب». فالنهر ليس مجرد خط يبدأ في دولة وينتهي في دولة أخرى، وإنما هو جزء من حوض هيدرولوجي متكامل تتداخل فيه المياه السطحية والجوفية والأمطار والتضاريس والأنظمة البيئية والاستخدامات البشرية.
لذلك فإن الحديث عن دول الحوض أو الدول المتشاطئة يكون أكثر دقة من الناحية العلمية، مع تحديد الموقع الجغرافي لكل دولة داخل الحوض عند الحاجة.
وهذا المنظور يساعد على الانتقال من التفكير الجيوسياسي المجزأ إلى التفكير بمنظومة الحوض، دون أن يعني ذلك تجاهل الحقوق والسيادة الوطنية.
النموذج المقترح للعراق
بالنسبة للعراق، لا ينبغي أن يعني الانتقال إلى دبلوماسية مائية حديثة التخلي عن المطالبة بحقوقه المائية بل إن الدبلوماسية المائية الفاعلة تحتاج إلى أساس قانوني وفني ومؤسسي قوي يحمي هذه الحقوق ويحولها إلى إطار للتفاوض والتعاون. وعليه، فإن التسلسل الأكثر منطقية للتعاون في حوضي دجلة والفرات هو:
الحقوق المائية - الإدارة والتنسيق المشترك -هندسة الزمن المائي- تقاسم المنافع - الأمن المائي الإقليمي المستدام وليس: تقاسم المنافع بدلاً من تقاسم المياه. فالحقوق تحدد الأساس، والإدارة المتشاركة تنظم الاستخدام، وهندسة الزمن المائي تحسن كفاءة إدارة الكميات والتوقيت، وتقاسم المنافع يوسع دائرة التعاون الاقتصادي والبيئي والاستراتيجي.
إن التحدي الحقيقي أمام دول حوضي دجلة والفرات ليس اختيار أحد المفهومين: «تقاسم المياه» أو «تقاسم المنافع»، وإنما بناء منظومة متدرجة تبدأ من الاعتراف بالحقوق والمصالح المتبادلة، ثم تنتقل إلى الإدارة المنسقة للمياه، وتستخدم الأدوات العلمية الحديثة لإدارة الزمن المائي، وتنتهي بتقاسم المنافع والمخاطر. ومن هنا يمكن تطوير نموذج إقليمي جديد يقوم على معادلة: حقوق واضحة + إدارة مشتركة + هندسة الزمن المائي + تقاسم المنافع = أمن مائي إقليمي أكثر استدامة.
وبهذا تصبح هندسة الزمن المائي ليست بديلاً عن القانون أو الدبلوماسية، وإنما جسراً بينهما؛ فهي تحول الحقوق المائية من مجرد أرقام وحصص إلى منظومة تشغيلية قادرة على إدارة المياه في المكان والزمان المناسبين. والسؤال الصحيح إذن ليس هل نتقاسم المياه أم نتقاسم المنافع؟ بل: كيف نبني تقاسم المنافع على أساس حقوق مائية واضحة وعادلة، وإدارة مشتركة قادرة على إدارة المياه عبر الزمن؟
فمن دون تثبيت هذا الأساس، قد يتحول شعار «تقاسم المنافع» من وسيلة لتطوير التعاون إلى وسيلة لتجاوز أصل المشكلة. أما إذا ثبتت الحقوق، وأُنشئت آليات الإدارة المتشاركة، وأُدخلت هندسة الزمن المائي في إدارة السدود والإطلاقات، فإن تقاسم المنافع يمكن أن يتحول من شعار سياسي إلى نموذج عملي للأمن المائي الإقليمي في حوضي دجلة والفرات.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع: نموذج جديد للأمن المائي ف ...
- هل ما زال العراق يدير مياهه بعقلية إدارة الأزمة، أم بدأ ينتق ...
- حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟
- نحو رؤية دستورية وقانونية ومؤسسية جديدة لموارد العراق المائي ...
- هل تقاس حداثة المدن بعدد الأبراج... أم بجودة الحياة - وهل يح ...
- زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا: هل تمثل نقطة تحول ف ...
- السدود العراقية 2050: من خزانات للمياه إلى منظومات ذكية لإدا ...
- الحوكمة المائية العراقية 2050: نحو نموذج وطني جديد للأمن الم ...
- هندسة الزمن المائي: نحو ثورة علمية في إدارة المياه في عصر ال ...
- هندسة الزمن المائي ومستقبل الحضارة المائية: من الحكمة القديم ...
- هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering): نحو علم جديد لإ ...
- العراق والمياه: عندما يصبح التأخير في اصلاح الشأن المائي خسا ...
- العراق 2035... هل نُقيّم الدراسة أم نُحاسب النتائج؟
- العراق 2035... هل سيتحول من إنجاز الدراسة الاستراتيجية إلى ض ...
- قراءة نقدية في استخدام مصطلحات تغير المناخ والاقتصاد الأخضر ...
- -الدبلوماسية المائية العراقية: نحو استحداث ملحق دبلوماسي أو ...
- من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: خارطة طريق لإنقاذ الأمن ...
- نحو إدارة مائية بلا حدود تقليدية: قراءة جديدة لمستقبل العراق ...
- الأمن المائي في العراق: بين الحنين إلى الماضي وإدارة الواقع ...
- لأمن المائي: من البنية التحتية الصلبة إلى البنية الطبيعية ال ...


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن المائي في حوضي دجلة والفرات قبل حسم الحقوق.؟