أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في العراق المعاصر - إعادة تفسير الخبرة التاريخية لبناء مستقبل مائي مرن ومستدام.؟














المزيد.....

التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في العراق المعاصر - إعادة تفسير الخبرة التاريخية لبناء مستقبل مائي مرن ومستدام.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 00:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمثل التراث الهيدروليكي لبلاد ما بين النهرين إحدى أقدم التجارب الإنسانية في تنظيم العلاقة بين الإنسان والمياه. فقد ارتبط تطور الزراعة والمدن والمجتمعات في العراق تاريخيًا بالقدرة على إدارة الأنهار، وتنظيم الري والصرف، والتعامل مع الفيضانات والجفاف وتقلبات البيئة.
إلا أن قراءة هذا التراث لا ينبغي أن تقوم على تصور خطي ينتقل من «وفرة المياه» في الماضي إلى «ندرتها» في الحاضر، كما لا ينبغي النظر إلى الأنظمة الهيدروليكية القديمة بوصفها نماذج مثالية يمكن إحياؤها. فقد واجهت مجتمعات بلاد ما بين النهرين، عبر عصور مختلفة، تقلبات هيدرولوجية وبيئية، ومشكلات الملوحة، وتغير مجاري الأنهار، وتحديات تتعلق بصيانة شبكات الري وتوزيع المياه. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للتراث الهيدروليكي تكمن في المبادئ التي يمكن إعادة تفسيرها، وليس في استنساخ أدوات الماضي. فقد أظهرت التجربة التاريخية أهمية التنسيق، والمسؤولية الجماعية، والمشاركة، والمساءلة، وتنظيم توزيع المياه، والقدرة على التكيف مع التغيرات الهيدرولوجية؛ وهي مبادئ ما تزال ذات صلة بحوكمة المياه المعاصرة. وفي العراق اليوم، لم تعد أزمة المياه مجرد مشكلة نقص في الموارد، بل أصبحت نتيجة لتفاعل مجموعة من الضغوط المناخية والهيدرولوجية والعابرة للحدود والديموغرافية والاقتصادية والبيئية والمؤسسية. ويزداد تعقيدها مع تغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتبخر، وتراجع بعض التدفقات العابرة للحدود، وتدهور نوعية المياه، وارتفاع الطلب على المياه. لذلك، فإن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من مفهوم إدارة المياه إلى مفهوم حوكمة المياه؛ أي الانتقال من التركيز على المنشآت والكميات فقط إلى بناء منظومة متكاملة تشمل المؤسسات والقوانين والبيانات والمجتمع والبيئة والاقتصاد. ويُعد اعتماد الحوض المائي كوحدة أساسية للتخطيط أحد أهم التحولات المطلوبة. فالمياه لا تتوقف عند حدود المحافظات، ولذلك ينبغي أن تتكامل إدارة الأحواض والأنهار مع التخطيط الزراعي والبيئي والاقتصادي، مع تعزيز مشاركة المستخدمين والمجتمعات المحلية والجامعات والخبراء. كما أن مستقبل الأمن المائي العراقي يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي. فكما ينبغي الاستعداد لسنوات الجفاف، يجب الاستعداد أيضًا لفترات الوفرة المائية المفاجئة من خلال تطوير منظومة الخزن الاستراتيجي وتأهيل الخزانات والبحيرات ذات الأهمية الوطنية. وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل تأهيل بحيرة الثرثار، ضمن دراسة وطنية متكاملة، خيارًا استراتيجيًا لاستقبال الوفرة المائية وإدارتها مستقبلًا، بدل انتظار الأزمات ثم البحث عن حلول مؤقتة. ومن جهة أخرى، تفرض الطبيعة المتغيرة للمياه العابرة للحدود إعادة النظر في مفهوم تقاسم المياه. فالقيمة الحقيقية للمياه لا تتحدد بالكمية فقط، وإنما أيضًا بالنوعية والمكان والتوقيت. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering)، الذي ينظر إلى المياه باعتبارها موردًا تتغير قيمته وفق توقيت وصوله واستخدامه وتخزينه، بما يفتح مجالًا جديدًا لتطوير التخطيط والدبلوماسية المائية العراقية. إن العراق لا يحتاج إلى العودة إلى الماضي، بل إلى التعلم منه. فالتراث الهيدروليكي لبلاد ما بين النهرين يمكن أن يوفر مبادئ مهمة لبناء حوكمة مائية حديثة، بينما توفر التكنولوجيا المعاصرة أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، مثل الاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية، والنمذجة الهيدرولوجية، والذكاء الاصطناعي والإنذار المبكر.وعليه، فإن بناء الأمن المائي العراقي حتى عام 2050 يتطلب الجمع بين حكمة الماضي وتقنيات المستقبل، والانتقال من إدارة المورد إلى حوكمة المنظومة، ومن الاستجابة للأزمة إلى الاستباق، ومن إدارة الكمية إلى إدارة القيمة المائية عبر الزمن.فالدرس الأهم من تاريخ بلاد ما بين النهرين هو أن المياه لم تكن يومًا قضية هندسية فقط؛ بل كانت قضية مجتمع ومؤسسات وتنظيم ومسؤولية وتكيف. وهذا هو الدرس الذي يحتاج العراق إلى إعادة اكتشافه لبناء مستقبل مائي أكثر مرونة واستدامة.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على العراق ان تجعل الثرثار جزءًا من خطة استباقية لاستقبال ال ...
- من الاعتماد المائي إلى الاستقلالية المائية: العراق أمام كارث ...
- من مديريات الموارد المائية في المحافظات إلى إدارات الأحواض ا ...
- من أزمات المياه إلى أزمات إدارة الملف المائي.؟
- العراق 2050: من إدارة ندرة المياه إلى هندسة المرونة المائية- ...
- من منابع النيل إلى منابع دجلة والفرات: لماذا نحتاج إلى رحلة ...
- ادارة الموارد المائية في العراق لا تحتاج إلى إدارة أكثر تعقي ...
- من -إدارة المياه- إلى -قيمة المياه- نحو بناء قطاع مائي قابل ...
- المرونة المائية في العراق: من إدارة الموارد إلى بناء منظومة ...
- من «تقاسم المياه» إلى «تقاسم المنافع»: هل يمكن بناء الأمن ال ...
- من تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع: نموذج جديد للأمن المائي ف ...
- هل ما زال العراق يدير مياهه بعقلية إدارة الأزمة، أم بدأ ينتق ...
- حين تُحسن الدولة صناعة الإنسان... تُحسن صناعة أمنها المائي.؟
- نحو رؤية دستورية وقانونية ومؤسسية جديدة لموارد العراق المائي ...
- هل تقاس حداثة المدن بعدد الأبراج... أم بجودة الحياة - وهل يح ...
- زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا: هل تمثل نقطة تحول ف ...
- السدود العراقية 2050: من خزانات للمياه إلى منظومات ذكية لإدا ...
- الحوكمة المائية العراقية 2050: نحو نموذج وطني جديد للأمن الم ...
- هندسة الزمن المائي: نحو ثورة علمية في إدارة المياه في عصر ال ...
- هندسة الزمن المائي ومستقبل الحضارة المائية: من الحكمة القديم ...


المزيد.....




- -تنذر بمرحلة خطيرة في الحرب-.. ما تداعيات -هجمات ناقلات النف ...
- -غبار نووي رمادي-.. مدفيديف يصف ما سيبقى من الناتو في حال اس ...
- سلسلة انفجارات تدوي في زابوروجيه ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرة ...
- اشتباكات قرب الخط الأصفر بين عناصرالمقاومة الفلسطينية ومجموع ...
- تقرير: إيران تستخدم صاروخا -كهروبصريا- جديدا لأول مرة في مها ...
- هل كان دونالد ترامب قرب مركز التجارة العالمي أثناء هجمات 11 ...
- تصعيد واسع في مضيق هرمز وترامب يتوقع نهاية الحرب بعد انتخابا ...
- كيف تدمر أمريكا في 20 شهرا؟.. تحذير من كلفة سياسات ترمب
- الاحتلال يواصل التصعيد والجيش اللبناني يرصد نحو 8 آلاف خرق ل ...
- “الانتخابات” الصهيونية: الوهم والحقيقة حول “ديمقراطية” الاح ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في العراق المعاصر - إعادة تفسير الخبرة التاريخية لبناء مستقبل مائي مرن ومستدام.؟