أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العمل من أجل المياه في العراق: هل نمتلك الإرادة لتحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى أمن مائي مستدام؟















المزيد.....

العمل من أجل المياه في العراق: هل نمتلك الإرادة لتحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى أمن مائي مستدام؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 08:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل أساس الحياة والاستقرار والتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي، وحماية البيئة وحقوق الأجيال القادمة. يواجه العراق اليوم تحدياً مائياً يتجاوز حدود انخفاض الإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات، إذ تتداخل فيه التغيرات المناخية، وتذبذب الأمطار، وتراجع الخزين المائي، وتدهور نوعية المياه، والاستنزاف غير المستدام للمياه الجوفية، فضلاً عن تحديات الحوكمة وكفاءة الاستخدام وضعف التكامل بين القطاعات المستفيدة من المياه. وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد كافياً أن تنحصر مسؤولية إدارة المياه في تشغيل السدود وتنظيم التوزيعات المائية ومواجهة مواسم الجفاف، بل أصبح من الضروري تبني مفهوم أوسع للعمل من أجل المياه، يقوم على البحث العلمي، وتطوير السياسات، والاستثمار في التكنولوجيا، وحماية النظم البيئية، وإشراك المجتمع في صنع القرار.
أولاً: من إدارة المياه إلى العمل من أجل المياه
إن العمل من أجل المياه يعني بناء منظومة وطنية متكاملة لا تكتفي بمعالجة الأزمات بعد وقوعها، وإنما تعمل على استباقها من خلال المعرفة والتخطيط والاستثمار. ويحتاج العراق إلى الانتقال من الإدارة التقليدية للموارد المائية إلى حوكمة مائية حديثة تربط بين المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية. ويبدأ ذلك بتطوير قاعدة بيانات مائية وطنية موثوقة، وتوسيع استخدام الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، وبناء نماذج قادرة على التنبؤ بالفيضانات والجفاف وتغير نوعية المياه، وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر المائية. فلا يمكن إدارة مورد لا نعرف حجمه الحقيقي، ولا يمكن حماية مستقبل مائي دون معلومات دقيقة ومستمرة.
ثانياً: المياه والتغير المناخي... الاستثمار في الاستعداد بدلاً من انتظار الكوارث
أظهرت السنوات الأخيرة أن العراق معرض لتقلبات مناخية متزايدة، تجمع بين سنوات الجفاف وموجات الأمطار والسيول المفاجئة. وهذا يتطلب تطوير برامج وطنية لحصاد مياه الأمطار والسيول، وإنشاء سدود صغيرة ومتوسطة في الأودية الملائمة، وتطوير الخزانات الجانبية، وتعزيز التغذية الاصطناعية للمياه الجوفية.
كما ينبغي دراسة فرص التعاون مع سوريا في إدارة السيول والأحواض المائية المشتركة، وتبادل البيانات الهيدرولوجية، وتحديد إمكانيات الاستفادة من المياه الموسمية وفق الاحتياجات المحلية والاعتبارات البيئية والحقوق المائية المشتركة. إن مياه الأمطار والسيول التي لا نستطيع تخزينها أو توجيهها بصورة علمية قد تتحول إلى خطر في موسم الوفرة، بينما يمكن أن تصبح مورداً استراتيجياً إذا أحسنا إدارتها.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات... تحديات وفرص مائية جديدة
مع التوسع العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تتزايد الحاجة إلى مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. لكن هذه المراكز ليست مجرد منشآت تكنولوجية؛ فهي تحتاج إلى الكهرباء والتبريد والمياه، وقد تؤثر في الموارد المائية المحلية، خصوصاً عندما تتركز في مناطق تعاني أصلاً من الشح المائي. وهنا ينبغي للعراق، وهو يتطلع إلى تطوير اقتصاده الرقمي، أن يضع معايير واضحة للاستدامة المائية عند التخطيط لإنشاء مراكز البيانات. ومن أهم الإجراءات المطلوبة:
1. تقييم البصمة المائية لكل مشروع قبل الموافقة على إنشائه.
2. اعتماد تقنيات التبريد ذات الاستهلاك المائي المنخفض، متى كانت ملائمة من الناحية الفنية والمناخية.
3. إعادة استخدام المياه المعالجة في التبريد والخدمات غير الصالحة للشرب.
4. إلزام المستثمرين بالإفصاح عن استهلاك المياه والطاقة ومؤشرات الكفاءة.
5. عدم السماح بإنشاء مشاريع كثيفة الاستهلاك للمياه على حساب احتياجات السكان والزراعة والبيئة.
إن التقدم التكنولوجي يجب ألا يتحول إلى عبء إضافي على الأمن المائي، بل ينبغي أن يكون جزءاً من الحل من خلال تحسين كفاءة الإدارة والتنبؤ والتشغيل.
رابعاً: إعادة استخدام المياه... المورد الذي لا ينبغي أن نهدره
من أكبر الفرص المتاحة أمام العراق التوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، بدلاً من الاستمرار في تصريف كميات كبيرة من المياه غير المعالجة إلى الأنهار والمسطحات المائية. إن الاستثمار في محطات المعالجة الثلاثية، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة المقيدة والصناعة والتشجير، يمكن أن يخفف الضغط على المياه العذبة، ويساهم في حماية نوعية المياه والصحة العامة. كما يجب تعزيز الرقابة على التصريفات الصناعية والطبية، وحماية الأنهار والأهوار والبحيرات من التلوث، لأن الأمن المائي لا يتعلق بكمية المياه وحدها، بل بنوعيتها ومدى صلاحيتها للاستخدام.
خامساً: حماية الطبيعة... المياه حق للإنسان والنظم البيئية
لا يمكن بناء أمن مائي مستدام إذا تعاملنا مع البيئة باعتبارها المستفيد الأخير من المياه المتبقية.
فالأنهار والأهوار والمناطق الرطبة والتنوع الأحيائي تحتاج إلى تدفقات بيئية تضمن استمرار وظائفها الطبيعية، وتحافظ على التوازن البيئي والاقتصادي والاجتماعي. ويحتاج العراق إلى اعتماد التدفقات البيئية ضمن خطط تشغيل السدود وتوزيع المياه، وحماية الأهوار العراقية، ومكافحة التصحر وتملح الأراضي، وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة. فحماية الطبيعة ليست ترفاً بيئياً، وإنما استثمار مباشر في استدامة الموارد المائية والغذائية.
سادساً: البحث العلمي وتحويل المعرفة إلى سياسات قابلة للتنفيذ
إن الجامعات ومراكز البحوث العراقية تمتلك فرصة مهمة للمساهمة في معالجة التحديات المائية، لكن المطلوب هو الانتقال من الدراسات المنفصلة إلى برامج بحثية مرتبطة باحتياجات الدولة والمجتمع. ومن الضروري دعم البحوث المتعلقة بالتغير المناخي، والنمذجة الهيدرولوجية، والمياه الجوفية، وحصاد السيول، وتحلية المياه، وإعادة الاستخدام، والذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية المائية. كما ينبغي تعزيز التعاون مع المؤسسات البحثية الدولية، والاستفادة من خبراتها في تطوير أدوات اتخاذ القرار، وبناء القدرات الوطنية، ونقل التكنولوجيا. فالبحث العلمي الذي لا يصل إلى صانع القرار ولا يتحول إلى مشروع أو سياسة أو ممارسة ميدانية يفقد جزءاً كبيراً من قيمته التنموية.
سابعاً: نحو عقد وطني للعمل من أجل المياه حتى عام 2050
أقترح إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «العراق يعمل من أجل المياه 2050»، تتبناها الحكومة بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وترتكز على خمسة التزامات الحوكمة لتطوير المؤسسات والتشريعات وتحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات المنفذة. المعرفة لبناء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة ومدعومة بالبحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة. الكفاءة لتقليل الهدر وتحديث أنظمة الري وتوسيع إعادة استخدام المياه. الاستدامة لحماية المياه الجوفية والأنهار والأهوار والتدفقات البيئية، وكذلك الشراكة لتعزيز الدبلوماسية المائية والتعاون الإقليمي والمشاركة المجتمعية. ويجب أن ترتبط هذه الالتزامات بمؤشرات أداء سنوية وموازنات تنفيذية ومواعيد زمنية واضحة، حتى لا تبقى الاستراتيجية مجرد وثيقة أو إعلان للنوايا. ان العمل من أجل المياه مسؤولية وطنية مشتركة لإن مستقبل العراق المائي لن يتحدد فقط بما يصل إليه من مياه عبر الحدود، بل أيضاً بما يفعله بهذه المياه، وكيفية إدارتها وتخزينها وتوزيعها وحمايتها.
نحن بحاجة إلى ثقافة وطنية جديدة تعتبر المياه مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة، وإلى سياسات تجعل البحث العلمي أساساً للقرار، والتكنولوجيا أداة للتطوير، والبيئة شريكاً في التخطيط، والمجتمع جزءاً من الحل. إن العمل من أجل المياه يعني أن نضمن للإنسان احتياجاته، وللاقتصاد مقومات استمراره، وللطبيعة حقها في الحياة، وللأجيال القادمة نصيبها من الموارد. فهل نستطيع الانتقال في العراق من انتظار الأزمات المائية إلى صناعة الحلول، ومن إدارة المياه المتاحة اليوم إلى حماية رأس المال المائي للأجيال القادمة حتى عام 2050؟ إن الوقت لم يعد يسمح بتأجيل هذا التحول؛ فالمياه التي نحميها اليوم هي استقرار العراق في المستقبل.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو عقد وطني للمياه في العراق حتى عام 2050... من إدارة الأزم ...
- بين الادعاء العلمي والتفسير الطبيعي: دروس من العراق في التعا ...
- الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟
- تخيّل يوماً بلا مياه… حين تتوقف الحياة عن تفاصيلها.؟
- دهوك بين زحف الإسمنت وذاكرة المكان: هل نوسع المدينة أم نفقد ...
- المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو - ...
- المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ض ...
- تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهي ...
- من -تقاسم المياه- إلى -هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ- ل ...
- الثرثار: من خزان مائي متراجع إلى رأس مال مائي استراتيجي للعر ...
- الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بن ...
- من معرفة الفجوة إلى توجيه القرار: التغطية والتخصيص في إدارة ...
- من التصاريح والاعلام إلى الفعل والتطبيق: نحو منظومة مائية عر ...
- من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح ...
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...
- الإفلاس الأزرق... هل يقترب العراق من نقطة اللاعودة المائية؟ ...


المزيد.....




- كـ-بطة عرجاء-.. كيف يُتوقع أن يتعامل ترامب مع كونغرس -ديمقرا ...
- ترامب يراجع حظر تفريغ ناقلات الديزل الروسي
- إسرائيل تستحضر -خطر حزب الله- وسط أزمة تكليف وتشكيل حكومة وص ...
- النائب الجمهوري ماسي يسعى لتمرير تصويت جديد في الكونغرس الأم ...
- عمدة كييف يحذر سكان العاصمة من سيناريوهات صعبة في الشتاء
- ثقة الفرنسيين بماكرون تهبط إلى أدنى مستوى تاريخي لها
- 51 بطاقة حمراء في مباراة واحدة.. شجار جماعي قد يُدخل البرازي ...
- هل يصبح ترامب عبئًا على الجمهوريين بعد اكتساح الديمقراطيين ل ...
- أوكرانيا..هل وثّقت المشاهد إخراج مراهق من مركز احتجاز بعد تع ...
- بريطانيا: الحكومة تدافع أمام المحكمة العليا عن حظر مجموعة -ب ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العمل من أجل المياه في العراق: هل نمتلك الإرادة لتحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى أمن مائي مستدام؟