أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - نحو عقد وطني للمياه في العراق حتى عام 2050... من إدارة الأزمات إلى الحوكمة والعدالة والاستقرار.؟















المزيد.....

نحو عقد وطني للمياه في العراق حتى عام 2050... من إدارة الأزمات إلى الحوكمة والعدالة والاستقرار.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 00:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد أزمة المياه في العراق مجرد انعكاس لانخفاض الإيرادات المائية، بل أصبحت قضية وطنية مركبة تتشابك فيها السيادة المائية، وتغيرات المناخ، وكفاءة الاستخدام، وتدهور نوعية المياه، وتداخل المسؤوليات المؤسسية، وانعكاسات الشح المائي على الأمن الغذائي والطاقة والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع المياه بوصفها ملفاً موسمياً تحكمه المفاوضات والاستجابات الطارئة، إلى نهج وطني مستدام يحوّل الرؤى إلى سياسات عامة، والسياسات إلى برامج قابلة للتمويل والتنفيذ، والبرامج إلى نتائج واضحة يمكن قياسها ومساءلة الجهات المعنية عنها. من هنا، أقترح بناء عقد وطني للمياه يمتد حتى عام 2050، يقوم على خمسة مرتكزات مترابطة: إصلاح الحوكمة المائية، وتعزيز الدبلوماسية والتعاون العابر للحدود، وتطبيق الإدارة المتكاملة للأحواض المائية، وتحقيق العدالة في توزيع المياه والخدمات، وتوسيع مشاركة النساء والشباب والمجتمعات المحلية في صنع القرار.
أولاً: من السياسة إلى السياسات المائية
إن جوهر التحدي المائي في العراق لا يكمن في حجم الموارد المتاحة وحده، بل في قدرة الدولة على إدارة هذه الموارد بكفاءة وعدالة واستدامة. فحماية حقوق العراق المائية خارج حدوده يجب أن تتكامل مع إصلاح إدارة المياه داخل البلاد؛ إذ لا يمكن تعويض ضعف الحوكمة الوطنية بزيادة الإيرادات المائية وحدها، كما لا تستطيع إجراءات الترشيد المحلية أن تغني عن التعاون مع دول المنبع على أساس القانون الدولي، والشفافية، وتبادل البيانات، والمصالح المشتركة. وعليه، فإن المطلوب ليس استبدال الدبلوماسية بالسياسات، بل الجمع بين دبلوماسية مائية تحمي مصالح العراق وحقوقه، وسياسات وطنية تترجم هذه المصالح إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. ويقتضي ذلك الانتقال من إدارة المياه باعتبارها ملفاً قطاعياً محدوداً إلى حوكمتها بوصفها مسؤولية وطنية مشتركة، ومن قياس النجاح بحجم الإطلاقات والإيرادات المائية فقط إلى قياسه أيضاً بكفاءة الاستخدام، وانتظام التجهيز، ونوعية المياه، وحماية النظم البيئية، والقدرة على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية. فمستقبل المياه في العراق لن تحدده الأمطار والإطلاقات النهرية وحدها، بل ستحدده كذلك قدرة المؤسسات على تحويل الموارد المتاحة إلى أمن مائي مستدام، وخدمات آمنة، وإنتاج زراعي كفوء، وبيئة محمية، ومجتمع أكثر قدرة على التكيف.
ثانياً: التشتت المؤسسي — أين تتعطل السياسات المائية؟
لا يعني الحديث عن التشتت المؤسسي أن العراق يفتقر إلى الوزارات أو القوانين أو الخطط أو الخبرات. فالعراق يمتلك مؤسسات مائية متخصصة، وكفاءات هندسية وعلمية، وخبرة طويلة في إنشاء السدود وشبكات الري ومشروعات مياه الشرب. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة هذه العناصر على العمل ضمن منظومة متكاملة، تتضح فيها الصلاحيات، وتتناسق القرارات، وترتبط الخطط بالتمويل، وتُحدَّد المسؤوليات التنفيذية، وتُقاس النتائج بصورة دورية.
فوجود المؤسسات لا يعني بالضرورة تكامل أدوارها، ووجود الخطط لا يضمن تنفيذها، كما أن إعلان الأهداف الاستراتيجية لا يكفي ما لم تقترن ببرامج ممولة ومؤشرات أداء وآليات للمساءلة.
وتسلط المشروعات والتقارير المعنية بقطاع المياه في العراق، ومنها الوثائق المرتبطة بمشروع التكيف وصحة نهر دجلة، الضوء على تحديات تتعلق بكفاءة خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، والفاقد المائي، ومعالجة مياه الصرف، والاستدامة المالية، والتنسيق المؤسسي. وهي تحديات تؤكد أن الأزمة لا تتعلق بالموارد الطبيعية فحسب، بل تشمل أيضاً كفاءة إدارة الخدمة المائية واستدامتها.
ويمكن تحديد خمسة مظاهر رئيسية تستحق المعالجة:
1. تشتت المسؤوليات وتداخل الصلاحيات حيث تتوزع ملفات المياه بين قطاعات الموارد المائية والزراعة والبيئة والطاقة والتخطيط والمالية والحكومات المحلية. ويجعل هذا التداخل التنسيق المستمر وتحديد المسؤولية عن النتائج أمراً ضرورياً، خصوصاً عندما تتعارض الأولويات القطاعية أو تتعدد الجهات المنفذة.
2.ضعف الربط بين التخطيط والتمويل
قد تتضمن الاستراتيجيات أهدافاً طموحة، لكنها لا تتحول دائماً إلى برامج تنفيذية ذات موازنات متعددة السنوات، وجداول زمنية واضحة، ومسؤوليات محددة. ولذلك ينبغي أن ترتبط كل أولوية مائية بمصدر تمويل، وجهة مسؤولة، ومؤشرات تقيس مستوى الإنجاز والأثر.
3.قصور تكامل البيانات والمعلومات
إن عدم انتظام تبادل البيانات أو اختلاف أساليب القياس والتحديث يمكن أن يضعف دقة القرارات المتعلقة بالخزين المائي، والإطلاقات، والاستهلاك، والتلوث، واحتياجات القطاعات المختلفة. ومن ثم، فإن بناء قاعدة بيانات وطنية مترابطة، تستفيد من نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي، يمثل شرطاً أساسياً للتخطيط الاستباقي والإنذار المبكر.
4. تفاوت الوصول إلى المياه الآمنة والخدمات
تختلف قدرة المدن والقرى والمناطق النائية على الحصول على مياه آمنة ومنتظمة، كما تتفاوت إمكانات صيانة الشبكات وتشغيل محطات المعالجة. وهذا يفرض اعتماد العدالة المائية معياراً أساسياً في التخطيط، بحيث تُراعى الاحتياجات الإنسانية والصحية والبيئية، إلى جانب المتطلبات الزراعية والصناعية، مع مراعاة اختلاف الظروف المحلية.
5.ضعف المساءلة القائمة على النتائج
ينبغي ألا يقتصر تقييم المؤسسات على عدد المشروعات المنفذة أو حجم الإنفاق، بل يجب أن يشمل أثر هذه المشروعات في تقليل الفاقد، وتحسين نوعية المياه، وزيادة انتظام التجهيز، ورفع كفاءة الري، والحد من التلوث، وحماية الأهوار والأنظمة البيئية.
إن معالجة هذه الاختلالات لا تتطلب بالضرورة إنشاء هياكل إدارية جديدة، بل تبدأ بمراجعة الأطر القائمة، وتوضيح الصلاحيات، وتوحيد آليات التنسيق، وربط المسؤولية بالنتائج، وتطوير أدوات المتابعة والتقييم.
ثالثاً: الحوكمة المائية بوصفها أساساً للاستقرار
لا يمكن تحقيق الأمن المائي المستدام من خلال المشروعات الهندسية وحدها، مهما بلغت أهميتها، ما لم تستند إلى منظومة حوكمة تضمن التنسيق بين المؤسسات، والعدالة في توزيع الموارد، والشفافية في اتخاذ القرارات، والمشاركة المجتمعية في تحديد الأولويات.
ومن الضروري تعزيز الانتقال من الإدارة التقليدية القائمة على الاستجابة للأزمات إلى إدارة متكاملة للأحواض المائية، تراعي العلاقة بين المياه والزراعة والطاقة والبيئة والتنمية الاقتصادية، وتربط التخطيط المحلي برؤية وطنية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، ينبغي تطوير آليات التنسيق على مستوى أحواض دجلة والفرات وروافدهما، وربط إدارة الخزين والإطلاقات والطلب المائي بخطط واضحة للتعامل مع سنوات الوفرة والشح، بدلاً من الاقتصار على الحلول الطارئة عند تفاقم الأزمة. كما ينبغي أن تتكامل هذه المنظومة مع دبلوماسية مائية مستمرة تستند إلى القانون الدولي، وتبادل المعلومات، والتفاوض الفني والقانوني، وبناء ترتيبات تعاون تراعي التغيرات المناخية والاحتياجات الإنسانية والبيئية لجميع الأطراف.
رابعاً: من الرؤية إلى عقد وطني قابل للتنفيذ
يتطلب العقد الوطني للمياه تحويل المبادئ العامة إلى التزامات حكومية ومجتمعية قابلة للقياس، من خلال:
إصلاح مؤسسي واضح: تحديد مسؤوليات الجهات المعنية وآليات التنسيق بينها، وتعزيز التكامل بين المستويين الاتحادي والمحلي.
تمويل مستدام: ربط الاستراتيجيات بموازنات متعددة السنوات، وتحديد أولويات الاستثمار وفق الاحتياجات الفعلية والعائد المائي والبيئي والاجتماعي.
بيانات موثوقة ومتكاملة: إنشاء منظومة وطنية للمعلومات المائية تدعم التخطيط، والإنذار المبكر، ومراقبة الخزين والاستهلاك والتلوث.
عدالة مائية قابلة للقياس: وضع مؤشرات لانتظام خدمات مياه الشرب، وجودتها، وإمكانية الوصول إليها، مع إعطاء الأولوية للاحتياجات الإنسانية الأساسية.
مشاركة مجتمعية فاعلة: إشراك النساء والشباب والمزارعين والجامعات ومنظمات المجتمع المدني في تصميم السياسات ومراقبة تنفيذها.
مساءلة دورية: نشر تقارير منتظمة عن مؤشرات الأداء، والإنفاق، ومستوى الإنجاز، والتحديات التي تعترض التنفيذ.
وينبغي أن تُترجم هذه الالتزامات إلى خارطة طريق وطنية حتى عام 2050، تتضمن مراحل تنفيذية متعاقبة، وأهدافاً مرحلية، ومؤشرات أداء، وآليات للمراجعة والتحديث وفق المتغيرات المناخية والاقتصادية والديموغرافية.
ندعو الحكومة العراقية ومجلس النواب إلى تبنّي "العقد الوطني للمياه حتى عام 2050" بوصفه التزاماً وطنياً ملزماً، تُحدَّد فيه المسؤوليات، وتُخصَّص له الموارد، وتُقاس نتائجه بشفافية ومساءلة.
إن أزمة المياه لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل أو المعالجات المؤقتة؛ فكل يوم يتأخر فيه القرار تتراجع فيه خيارات العراق، وتتزايد كلفة الأزمة على الإنسان والزراعة والاقتصاد والبيئة.
المطلوب اليوم ليس إعلان استراتيجية جديدة، بل إرادة وطنية تحوّل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتائج ملموسة.
فلنجعل المياه أولوية دولة لا رهينة الأزمات، وحقاً مصوناً للأجيال لا مورداً مستنزفاً. فما لم نضع للمياه سياسة وطنية مستقرة اليوم، فإننا نترك للأجيال القادمة أزمةً أكبر وخياراتٍ أقل.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الادعاء العلمي والتفسير الطبيعي: دروس من العراق في التعا ...
- الخطر الذي لا يظهر في سجل المخاطر المائية للعراق.؟
- تخيّل يوماً بلا مياه… حين تتوقف الحياة عن تفاصيلها.؟
- دهوك بين زحف الإسمنت وذاكرة المكان: هل نوسع المدينة أم نفقد ...
- المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو - ...
- المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ض ...
- تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهي ...
- من -تقاسم المياه- إلى -هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ- ل ...
- الثرثار: من خزان مائي متراجع إلى رأس مال مائي استراتيجي للعر ...
- الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بن ...
- من معرفة الفجوة إلى توجيه القرار: التغطية والتخصيص في إدارة ...
- من التصاريح والاعلام إلى الفعل والتطبيق: نحو منظومة مائية عر ...
- من -المواطنة المؤسسية- إلى “الأمن المائي المؤسسي- لان إصلاح ...
- العراق من الإفلاس المائي إلى بنوك المياه كنموذج مؤسسي عراقي ...
- المياه في العراق يجب ان تتحول من مورد متاح إلى -رأس مال مائي ...
- من تخزين المياه إلى هندسة الزمن المائي... كيف ينقذ العراق رأ ...
- اعلان بغداد - من بغداد يبدأ الحوار… وبالعلم والمعرفة نصنع ال ...
- رأس المال المائي العراقي... الثروة التي نستهلكها ولا نحسبها. ...
- الإفلاس الأزرق... هل يقترب العراق من نقطة اللاعودة المائية؟ ...
- التراث الهيدروليكي في بلاد ما بين النهرين وحوكمة المياه في ا ...


المزيد.....




- وزير الخارجية اللاتفي الأسبق يدعو ريغا لقيادة الحوار مع روسي ...
- كييف تستعد لاستقبال أقسى شتاء لها منذ 5 سنوات
- ترامب يصف النرويج بالدولة -الرديئة والقذرة- لعدم منحها إياه ...
- اليونان توافق على إبقاء -باتريوت- في السعودية وتعزز التعاون ...
- واشنطن تجدد الأوامر لموظفيها بمغادرة السعودية مع استئناف جزئ ...
- مصر تدفع بقافلة طحين ثالثة لحل أزمة مخابز غزة
- بلومبرغ: الديمقراطيون يعتزمون التحقيق في ملفات إبستين في حال ...
- فوتشيتش يتهم -الدولة العميقة- الأمريكية بهزيمته في الانتخابا ...
- الخارجية الإيرانية تعلق على تضارب تصريحات القيادة الأمريكية ...
- بوتين: اتهام أوروبا لنا دليل عجز قادتها


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - نحو عقد وطني للمياه في العراق حتى عام 2050... من إدارة الأزمات إلى الحوكمة والعدالة والاستقرار.؟