أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - في اليوم العالمي للمدن.. هل فقدت المدينة العراقية هويتها














المزيد.....

في اليوم العالمي للمدن.. هل فقدت المدينة العراقية هويتها


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 18:13
المحور: المجتمع المدني
    


في 31 تشرين الأول من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمدن. في نيويورك يحتفلون بناطحات السحاب، وفي باريس بشوارعها وساحاتها، وفي إسطنبول بمساجدها التي تعانق البوسفور. أما في بغداد والبصرة والموصل، فبماذا نحتفل؟
نحتفل بمدن أخذت تفقد ملامحها، حتى بات بعضها لا يعرف إن كان مدينة أم قرية كبيرة أم تجمعاً عمرانياً عشوائياً.
كانت المدينة العراقية تمتلك هوية واضحة. بغداد مدينة النخيل ودجلة والشناشيل وشارع المتنبي وقبابها التاريخية. والبصرة مدينة الماء والنخيل والقصب والبيوت المطلة على شط العرب. والموصل مدينة التراث والأزقة الحجرية والأسواق القديمة والجامع النوري. أما النجف وكربلاء فكانتا مدينتين روحانيتين تحملان خصوصية معمارية واجتماعية وتاريخية.
ماذا بقي من كل هذا اليوم؟
ذهبنا إلى بناء مدن جديدة، لكننا لم نحافظ على المدن القديمة. الشناشيل البغدادية تراجعت أمام واجهات حديثة تفتقر إلى الانسجام المعماري. وبساتين النخيل في ديالى وبغداد والبصرة تحولت أجزاء واسعة منها إلى مجمعات سكنية. وبعض ضفاف دجلة التي كانت متنفساً للعائلات العراقية ازدحمت بالمقاهي والمنشآت التجارية، فيما تراجع حضور النهر في الحياة العامة. أما شط العرب، الذي كان رمزاً لجمال البصرة، فيواجه مشكلات التلوث والملوحة وتراجع نوعية المياه.
المدينة العراقية أخذت تفقد خصوصيتها البصرية والمعمارية. الواجهات تتشابه، والمرمر والألمنيوم والحديد يتكرر استخدامها دون مراعاة لطبيعة المكان. المراكز التجارية تتشابه، والمباني الحديثة لا تعكس بالضرورة تاريخ المدن وخصوصيتها. تدخل مدينة فتجد ملامحها الجديدة قريبة من ملامح مدينة أخرى، وكأننا نعمم نموذجاً عمرانياً واحداً على مدن مختلفة في التاريخ والبيئة والثقافة.
لماذا فقدنا جزءاً من هويتنا العمرانية؟ هناك أربعة أسباب رئيسية.
أولاً، غياب التخطيط الحضري المستدام. منذ عام 2003 لم ينجح العراق في بناء سياسة تخطيط حضري مستقرة وملزمة تضبط التوسع العمراني وتحمي الشخصية المعمارية للمدن. فالتجاوزات تحولت في حالات كثيرة إلى أمر واقع، وتراجعت المساحات الخضراء، وأصبحت البلديات في أحيان كثيرة منشغلة بمعالجة المخالفات بعد وقوعها بدلاً من منعها بالتخطيط والرقابة.
ثانياً، تغليب المصالح السياسية والاستثمارية على الاعتبارات الجمالية والتراثية. فالمباني التاريخية تحتاج إلى حماية قانونية وإرادة إدارية، لكن ضعف الرقابة وتضارب المصالح يفتحان المجال أمام إزالة بعض الشواهد العمرانية التي لا يمكن تعويضها. لم يعد السؤال دائماً كيف نبني مدينة أجمل، بل كيف نحقق عائداً أسرع من الأرض والعقار.
ثالثاً، ضعف القوانين والإجراءات الخاصة بحماية التراث العمراني. فالمبنى التاريخي ليس مجرد عقار قديم يمكن استبداله ببناء حديث، بل جزء من ذاكرة المدينة. وحمايته تحتاج إلى تشريعات واضحة، وسجلات للمباني التراثية، ومؤسسات قادرة على منع التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها.
رابعاً، انقطاع العلاقة بين الإنسان والمدينة. المواطن لا يشعر دائماً أن المدينة مسؤوليته المشتركة، فلا يحافظ على الشجرة والرصيف والحديقة والممتلكات العامة، بينما يؤدي ضعف تطبيق القانون وغياب الخدمات إلى تعميق هذا السلوك. وهكذا تصبح الفوضى مسؤولية متبادلة بين مؤسسات لا تؤدي واجبها ومواطنين لا يجدون أنفسهم شركاء في حماية المكان.
في اليوم العالمي للمدن، لا نحتاج إلى احتفال بقدر ما نحتاج إلى اعتراف ومراجعة. نعم، لقد فقدت مدننا جزءاً كبيراً من جماليتها وهويتها، لكنها لم تمت بعد.
بغداد تستطيع استعادة جانب من هويتها إذا أعدنا الاعتبار لدجلة وشناشيلها وحدائقها ومناطقها التراثية. والبصرة تستطيع استعادة علاقتها بالماء والنخيل إذا عولجت مشكلات شط العرب وحُميت بساتينها. والموصل قدمت، من خلال جهود إعادة الإعمار، دليلاً على أن المدينة تستطيع النهوض من الدمار، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى استكمال الكثير من أعمال الإعمار وحماية تراثها.
المدينة ليست شوارع وبيوتاً، المدينة ذاكرة وهوية وعلاقة بين الإنسان والمكان. وإذا كانت الحكومات مسؤولة عن التخطيط والحماية، فإن المواطنين شركاء في صيانة هذه الذاكرة. فالمدينة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من مستقبلها أيضاً.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استحداث محافظات جديدة في العراق.. تنمية أم تقسيم للمناصب؟
- ١١ الف مدرسة
- الشرق الأوسط بين صندوقين
- العلاقات العراقية السورية.. المصالح فوق الأيديولوجيات
- جيل Z.. الجيل الذي لا ينتظر أحداً ليغير العالم
- لماذا نهتم بالانتخابات الإسرائيلية؟
- أوربا تحترق من الداخل
- الإرهاب بين التمويل الفكري والمالي
- خريف أوربا
- الصحافة بعد المنصات والذكاء الاصطناعي
- هل نحن امام نسخة جديدة من الشرق الأوسط؟
- جريمة الكرك والخلايا النائمة: حين يستهدف الإرهاب المجتمع
- من مكة إلى الدوحة: التحالف الإسلامي من الدفاع إلى التصنيع
- مفهوم الأمن الخليجي
- اي دولة تريد؟
- ما المطلوب تعديله في الدستور العراقي؟
- فواتير حرب أوكرانيا
- يوم الفقراء العالمي
- مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب
- تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية


المزيد.....




- اعتقال وسرقة معدات زراعية.. اعتداءات إسرائيلية تطال موسم الز ...
- ناجية من إعدام فاشل في أمريكا تروي تفاصيل معاناتها مع الألم ...
- انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة في الصومال بعد مسيرة دعم استم ...
- الأمم المتحدة تحذر من تفاقم أزمة النزوح في غزة مع حلول الشتا ...
- بينهم موظفون في -ديزني- وشرطي مدرسة.. اعتقال 281 شخصا بأمريك ...
- الإغاثة الطبية بغزة: الأوضاع غير قابلة للاستمرار وشتاء الناز ...
- الصحراء الغربية: فيتو يحول دون تمديد ولاية بعثة الأمم المتحد ...
- بعد اعتقال الرئيس الأسبق للاستخبارات الخارجية الألمانية .. و ...
- تركيا ترشح فريدون سينيرلي أوغلو لخلافة غوتيريس في منصب الأمي ...
- فيتو متبادل بين واشنطن وموسكو ينهي ولاية بعثة الأمم المتحدة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - في اليوم العالمي للمدن.. هل فقدت المدينة العراقية هويتها