أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سهام يوسف علي - المدى... واحة ثقافية في صحراء العراق














المزيد.....

المدى... واحة ثقافية في صحراء العراق


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 21:19
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة أماكن في العراق تجعلك، للحظات، تنسى واقعك المحيط بك. ليس لأنها تقع خارج الجغرافيا العراقية، بل لأنها تقدم صورة أخرى عن العراق؛ صورة البلد الذي نعرف أنه يمتلك عقولاً مبدعة، وطاقات فكرية وفنية وأدبية كبيرة، لكنها كثيراً ما تضيع وسط ضجيج السياسة وصراعات النفوذ ومظاهر الابتذال التي طغت على الحياة العامة.
هذا هو الانطباع الذي تتركه مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون عندما تتابع نشاطاتها، وتنظر إلى طبيعة الفعاليات التي تنظمها، وإلى نوعية الشخصيات التي تستضيفها، وإلى ذلك الحضور المتنوع من المثقفين والأكاديميين والأدباء والفنانين والمفكرين، فضلاً عن احتفائها بالكفاءات العراقية وتكريمها للمبدعين الذين يستحقون أن يكونوا في واجهة المشهد الثقافي.
تجد نفسك أمام مشهد مختلف، حوارات فكرية، وندوات ثقافية، ومعارض للكتاب، وأمسيات أدبية وفنية، ولقاءات تجمع أسماء عراقية وعربية ودولية. والأهم من ذلك أن الثقافة هنا لا تبدو مجرد نشاط موسمي أو مناسبة بروتوكولية، بل مشروعاً مستمراً لإبقاء العقل العراقي حاضراً في الحياة العامة.
ما يميز تجربة المدى، في تقديري، ليس إقامة مهرجان أو استضافة شخصية ثقافية مرموقة، فهذه أمور تستطيع مؤسسات كثيرة القيام بها، وإنما قدرتها على خلق بيئة تجمع هذه الطاقات، وتمنحها مساحة للتعبير والتفاعل، وتعيد الاعتبار إلى قيمة المعرفة والإبداع والإنجاز.
ولعل معرض أربيل الدولي للكتاب، الذي تقام دورته الثامنة عشرة هذه الأيام بتنظيم مؤسسة المدى، يقدم دليلاً حياً على طبيعة هذا المشروع الثقافي. فنحن نتحدث عن أكثر من 400 دار نشر ومؤسسة ثقافية من 18 دولة، وأكثر من مليون عنوان، وما يزيد على 90 فعالية ثقافية وفنية، تتوزع بين الندوات الفكرية والجلسات الحوارية والأمسيات الشعرية والموسيقية وتوقيع الكتب.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات على حجم المعرض، بل تعكس قدرة مؤسسة ثقافية عراقية على استقطاب هذا التنوع من دور النشر والمثقفين والكتاب، وتحويل مدينة أربيل إلى مساحة واسعة للقاء المعرفة والثقافات والأفكار.
ولعل اختيار شعار «أنا كوردستاني» لهذه الدورة يحمل دلالة تستحق التوقف عندها؛ فهو احتفاء بهوية ثقافية وحضارية، وفي الوقت نفسه تأكيد على التنوع والتعايش والحوار بين المكونات. فالكتاب لا يعرف الحدود الضيقة، والثقافة الحقيقية لا تخشى الاختلاف، بل تجد فيه مصدر غنى وقوة.
واللافت أن هذا المعرض لم يعد مجرد مكان لعرض الكتب وبيعها، بل أصبح تقليداً ثقافياً متواصلاً، ومحطة ينتظرها القراء والناشرون والمثقفون، بما يوفره من فرص للقاء الكاتب بقارئه، وللأفكار بأن تتقاطع، وللتجارب الثقافية بأن تتبادل المعرفة والخبرة.
وهنا تكمن أهمية المؤسسة، إنها لا تكتفي باستضافة أسماء من الخارج، بل تحاول أن تضع الإبداع العراقي في سياق ثقافي أوسع، وأن تقول إن العراق ليس مجرد بلد أزمات سياسية واقتصادية، بل بلد منتج للفكر والأدب والفن، ويمتلك من الكفاءات ما يؤهله لأن يكون حاضراً في المشهد الثقافي العربي والإنساني.
ولذلك فإن عبارة (وكأنك لست في العراق) ليست انتقاصاً من العراق، بقدر ما هي تعبير عن الأسف على المسافة الكبيرة بين العراق الذي نطمح إليه والعراق الذي نراه في كثير من تفاصيل الحياة اليومية. فعندما تجد هذا المستوى من التنظيم، وهذا التنوع في الحضور، وهذا الاحترام للمبدعين، تتساءل: لماذا لا تكون هذه الصورة هي السائدة في مؤسساتنا ومناسباتنا العامة؟ ولماذا لا تحظى الثقافة بمكانتها التي تستحقها في بلد أنجب هذا العدد من المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين؟
إن العراق لا يعاني من فقر في العقول، وإنما يعاني، في جوانب كثيرة، من ضعف البيئات التي تحتضن هذه العقول، ومن غياب المؤسسات التي تجعل الكفاءة معياراً للتقدير، والمعرفة أساساً للحضور، والإبداع سبباً للاحتفاء.
ومن هنا تبدو تجربة المدى جديرة بالاهتمام، لأنها تذكرنا بأن بناء الحياة الثقافية لا يحتاج إلى شعارات كبيرة بقدر ما يحتاج إلى رؤية، واستمرارية، وإيمان حقيقي بأن الثقافة ليست ترفاً اجتماعياً، بل جزء من بناء المجتمع وحماية وعيه وهويته.
أن الإنصاف يقتضي أن نرى أيضاً قيمة ما تقدمه، وأن نعترف بأن استمرار مؤسسة في تنظيم هذه الفعاليات، وجمع هذه الأسماء، وإبقاء أبوابها مفتوحة أمام الثقافة والمبدعين على مدى سنوات، أمر يستحق التقدير.
المدى واحة في صحراء العراق الثقافية، ليس لأن الصحراء خالية من العقول والمبدعين، بل لأن هذه الواحة تتيح لهم أن يلتقوا، وأن يظهروا، وأن يجدوا من يحتفي بمنجزهم.
فالبلدان لا تُبنى بالاقتصاد والسياسة وحدهما، تُبنى أيضاً بما تنتجه من معرفة، وما تحميه من حرية، وما تمنحه لعقولها من مكانة.



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقرير الاستيرادات السلعية العراقية لعام 2025: فائض نفطي يخفي ...
- صُنّاع القرار في العراق: أنتم تصنعون الأزمات والشعب يدفع الف ...
- حين تصبح أصول الدولة رهينة للدين: من إدارة الثروة العامة إلى ...
- الحرب الاقتصادية على إيران: لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- الحرب الاقتصادية على إيران... لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- بيع عقارات الدولة... هل نعالج أزمة السيولة بتصفية ثروة الدول ...
- قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة
- عندما يصبح الوطن مذهبًا
- لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...


المزيد.....




- فرنسا.. أكثر من مليون ونصف مليون متظاهر يشارك في احتجاجات عم ...
- كييف توجه اتهاما لفتاة شاركت في احتجاجات سجن الحرس الوطني
- مباحثات سرية بين إدارة ترامب وإيران بشأن ترحيل إيرانيين خلال ...
- استقالة رئيس باراغواي سانتياغو بينيا على خلفية فضيحة مصرفية ...
- قاصر يكشف تفاصيل تعذيبه بسجن قرب كييف
- إيران.. خسارة ترامب واحتمالات المواجهة
- أمن الأردن: مقتل أحد عناصرنا بعمل إرهابي
- مناورات بحرية مصرية تركية بالمتوسط
- اضطرابات بحركة الطيران بعدة دول أوروبية
- الجيش المصري يعلن مقتل ضابطين ويكشف نتائج حملته على -الدهابة ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سهام يوسف علي - المدى... واحة ثقافية في صحراء العراق