أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - تقرير الاستيرادات السلعية العراقية لعام 2025: فائض نفطي يخفي هشاشة الاقتصاد غير النفطي















المزيد.....

تقرير الاستيرادات السلعية العراقية لعام 2025: فائض نفطي يخفي هشاشة الاقتصاد غير النفطي


سهام يوسف علي

الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 22:17
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في الاقتصاد، لا تكفي قراءة الأرقام الإجمالية لفهم حقيقة الأداء الاقتصادي؛ فخلف بعض المؤشرات الإيجابية قد تختبئ اختلالات هيكلية عميقة. وهذا ما تكشفه بيانات تقرير الاستيرادات السلعية العراقية لعام 2025، الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط العراقية، الذي يرصد حجم الواردات وتوزيعها بحسب الدول والسلع وطرق الدخول إلى البلاد.

فبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغت الاستيرادات السلعية غير النفطية 70.8 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 77.9%، فيما سجّل الميزان التجاري الكلي فائضاً قدره 19.9 مليار دولار، مقابل عجز تجاري غير نفطي بلغ 65.9 مليار دولار. وتكشف هذه الأرقام مفارقة جوهرية: اقتصاد يحقق فائضه التجاري بفضل صادرات النفط، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتلبية احتياجات سوقه المحلية.

ولا تكمن أهمية التقرير في حجم الاستيرادات وحده، بل في ما تكشفه تفاصيله عن تركّز الواردات في أسواق محددة، والاعتماد على الممرات البحرية، واتساع استيراد السلع الاستهلاكية، مقابل محدودية القاعدة الإنتاجية والتصديرية غير النفطية.

هذه المفارقة ليست مجرد تفاوت بين الصادرات والواردات، بل تعكس طبيعة اقتصاد ما زال يعتمد على النفط في تأمين موارده الخارجية، بينما لا تزال قدرته الإنتاجية والتصديرية خارج القطاع النفطي محدودة. فالفائض التجاري، وإن كان حقيقياً من الناحية الحسابية، لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر تنوعاً أو قدرة على توليد القيمة المضافة محلياً.

فجوة بين الاستهلاك والإنتاج
الأخطر من ذلك ، هو حجم الاستيرادات السلعية غير النفطية الذي بلغ 70.8 مليار دولار (ما يعادل 93.4 تريليون دينار)، مسجلاً نمواً سنوياً بنسبة 77.9%. هذا المؤشر يطرح إشكالية هيكلية تتعلق ببنية الطلب الكلي في الاقتصاد العراقي، حيث يعكس هذا النمو المتسارع للواردات تحولاً نحو نمط استهلاكي مفتوح، في ظل ضعف مرونة العرض المحلي. فبالنظر إلى المقومات الإنتاجية للبلاد من موارد أرضية ومائية، فإن بلوغ حجم الواردات هذا المستوى يشير إلى فجوة إنتاجية واضحة، وتراجع القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية المحلية (الصناعة والزراعة) أمام تدفق السلع المستوردة، لاسيما من الأسواق الصينية والإيرانية والتركية، مما يرسخ حالة من التبعية التجارية ويعمق أثر التضخم المستورد على الميزان التجاري.

الصين ومخاطر التركّز التجاري

أكثر ما تكشفه بيانات التجارة الخارجية هو التركيز المرتفع للواردات العراقية في السوق الصينية. فالصين تستحوذ وحدها على 43.7% من إجمالي الاستيرادات غير النفطية، بقيمة تبلغ 30.9 مليار دولار، مقابل 8.4% لإيران، و8.1% للإمارات، و5.1% للهند.
اقتصادياً، لا تكمن المسألة في حجم الاستيراد من الصين بحد ذاته، بل في اتساع الاعتماد على مصدر واحد لتلبية احتياجات السوق العراقية. فالواردات تشمل معدات وآلات كهربائية بقيمة 13.5 مليار دولار، ومركبات ودراجات بقيمة 7.4 مليار دولار، فضلاً عن طيف واسع من السلع الاستهلاكية والمنزلية. ويعكس هذا التركّز محدودية القاعدة الإنتاجية المحلية، ويزيد انكشاف السوق العراقية على اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسعار، والتغيرات في السياسات التجارية الصينية.
إن تنويع الشركاء التجاريين لا يمثل مجرد خيار تجاري، بل أداة لتقليل مخاطر الإمداد وتعزيز الأمن الاقتصادي. غير أن المعالجة الأعمق لا تقتصر على تنويع مصادر الاستيراد، بل تتطلب أيضاً بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على إحلال جزء من الواردات حيثما كان ذلك مجدياً اقتصادياً.

الطريق البحري… شريان الاستيراد الذي كشفته أزمة هرمز
تكشف بيانات التجارة الخارجية عن هشاشة واضحة في منظومة الإمداد العراقية؛ إذ مرّ 69.6% من الاستيرادات غير النفطية، بقيمة 49.3 مليار دولار، عبر الطريق البحري، مسجلاً نمواً بنسبة 92.7% مقارنة بالعام السابق. والأكثر دلالة أن ميناء أم قصر استحوذ وحده على 57.8% من الواردات البحرية، ما يضع جزءاً كبيراً من تدفق السلع إلى السوق العراقية في نطاق جغرافي ولوجستي شديد الحساسية.
وتتجاوز أهمية هذه الأرقام حدود النقل البحري، لتلامس صميم الأمن الاقتصادي والغذائي للعراق. فقد أظهرت أزمة إغلاق مضيق هرمز والاضطرابات التي رافقتها كيف يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تتحول سريعاً إلى مخاطر على حركة التجارة، وارتفاع كلف الشحن والتأمين، وتأخر وصول البضائع، وتعقيد عمليات الاستيراد. وبالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، لا تتوقف آثار هذه الاضطرابات عند الموانئ، بل تمتد إلى كلف الإنتاج والتوزيع والأسعار وتوافر السلع في الأسواق.
وقد تجسّد هذا الخطر عملياً خلال أزمة مضيق هرمز؛ إذ تراجعت حركة البضائع في ميناء أم قصر بنحو النصف، واضطر المستوردون إلى إعادة توجيه شحنات عبر موانئ إماراتية، ثم نقلها براً وإعادة شحنها بسفن أصغر، في مسار أطول وأكثر كلفة. كما لجأت وزارة التجارة إلى مسارات بديلة لاستيراد بعض المواد الغذائية عبر تركيا ومنفذ ربيعة، مع وصول مدد التسليم في بعض الحالات إلى 90 يوماً.

الشامبو والبسكويت، دلالة السلع البسيطة

الأمر الأكثر إيلاماً في تقرير 2025 هو حجم استيراد السلع الاستهلاكية البسيطة التي كان يمكن للعراق أن يصنعها بأقل التكاليف. التقرير يفصح عن أرقام مذهلة:
- استوردنا 286 مليون دولار من الشامبو.
- استوردنا 228 مليون دولار من البسكويت.
- استوردنا 147 مليون دولار من الأحذية البلاستيكية (الشحاطات).
- استوردنا 95 مليون دولار من النودلز (الإندومي).
- استوردنا 62 مليون دولار من الأكواب والأطباق البلاستيكية (للاستخدام مرة واحدة).

هذه ليست سلعاً تكنولوجية معقدة، بل هي صناعات تحويلية بسيطة تعتمد على مواد خام متوفرة (الدقيق، السكر، البلاستيك، الورق). إن استيراد "الطرشي" و"الصابون" و"الحفاضات" بقيمة مئات الملايين من الدولارات، فكل دولار يُصرف على استيراد الشامبو، هو دولار يُهدر على وظائف كان يمكن أن يشغلها شباب عراقي في مصنع محلي.

رغم أن التقرير يذكر أن صافي الميزان التجاري الكلي سجل فائضاً بـ 19.9 مليار دولار، إلا أن هذا الفائض وهمي، لأن 85.8 مليار دولار من الصادرات هي نفط خام.
إن العجز التجاري غير النفطي البالغ 65.9 مليار دولار (أي ما يعادل 87.1 تريليون دينار) هو القنبلة الموقوتة التي تهدد الاقتصاد العراقي. فإذا انخفضت أسعار النفط دولاراً واحداً، أو تعرضت صادرات النفط لأي توقف، فإن هذا العجز سيتحول إلى أزمة سيولة خانقة، وستجد الحكومة نفسها عاجزة عن تمويل فاتورة الاستيراد الضخمة. بعبارة أخرى، العراق يغطي "استهلاكه" من "ريعه النفطي" فقط، دون أن ينتج شيئاً يذكر



#سهام_يوسف_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صُنّاع القرار في العراق: أنتم تصنعون الأزمات والشعب يدفع الف ...
- حين تصبح أصول الدولة رهينة للدين: من إدارة الثروة العامة إلى ...
- الحرب الاقتصادية على إيران: لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- الحرب الاقتصادية على إيران... لماذا ينبغي أن يقلق العراق؟
- بيع عقارات الدولة... هل نعالج أزمة السيولة بتصفية ثروة الدول ...
- قتلُ الرسول لا يقتل الرسالة
- عندما يصبح الوطن مذهبًا
- لم يُهدر المال العام أولاً بل أُهدرت أدوات حمايته
- حين يفاوض العراق من موقع الضعف
- القائمة الرمادية وكلفة الامتثال في العراق: من يتحمل المسؤولي ...
- تخفيض العملة لن ينقذ الاقتصاد العراقي: قراءة في مفارقة العجز ...
- تصفية وخصخصة المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون.. سياسة عالية ...
- في ضوء تصريح وزير الخارجية حول طباعة 25 ترليون دينار… قراءة ...
- هل يمكن للعراق تطبيق تجربة كوريا الجنوبية والهند في دعم رياد ...
- الفرق بين القراءة الاقتصادية والتحليل الاقتصادي
- التفسير الفني لا يكفي: ما الذي يحدث للدولار النقدي في العراق ...
- العراق أمام مفترق مالي: جراحة مؤلمة أم استنزاف صامت؟
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI)
- قراءة لمؤشرات أسعار المستهلك (CPI) الصادرة عن الجهاز المركزي ...
- اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قوا ...


المزيد.....




- ماليزيا ترى فرصا لتعزيز التعاون مع روسيا في مجال الطاقة
- هاري كين يظفر بالكرة الذهبية
- ذي قار تحذر من انتشار المخدرات وتدعو إلى حلول اقتصادية وبرام ...
- لامين يامال بعد حلوله ثالثاً في سباق الكرة الذهبية: واثق بأن ...
- إيران مباشر.. اشتعال ناقلة في مضيق هرمز وواشنطن تتهم طهران ب ...
- -ستأتي لحظتي-.. لامين جمال يرد على خيبة الكرة الذهبية برسالة ...
- تقرير أمريكي يوضح الملفات الاقتصادية المطروحة للنقاش بين موس ...
- لامين جمال يخرج عن صمته بعد خسارة الكرة الذهبية للعام الثاني ...
- بوتين: التبادل التجاري مع موزمبيق تضاعف تقريبا خلال الأشهر ا ...
- لامين جمال يعلق على نتائج الكرة الذهبية ويؤكد ثقته في المستق ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - سهام يوسف علي - تقرير الاستيرادات السلعية العراقية لعام 2025: فائض نفطي يخفي هشاشة الاقتصاد غير النفطي