محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 16:00
المحور:
قضايا ثقافية
يستطيع الإنسان أن يحمل جنسيتين، وأن يعيش بين وطنين، وأن يحب أرضين احتضنتاه في مرحلتين مختلفتين من حياته. لكن السؤال الأكثر عمقًا هو: هل يستطيع أن ينتمي إلى أمتين بالدرجة نفسها، أم أن الانتماء إلى الوطن شيء، والانتماء إلى الأمة شيء آخر؟
الوطن ليس مجرد أرض نولد عليها، بل هو ذاكرة الطفولة، ولهجة الأمهات، ورائحة البيوت القديمة، وتاريخ الأجداد، والأفراح والأحزان التي صنعت وعينا الأول. أما الجنسية، فهي رابطة قانونية يمكن أن تتعدد، بينما تتشكل الهوية عبر التاريخ والثقافة واللغة والذاكرة الجماعية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الجذور والانفتاح؛ فالإنسان قادر على اكتساب ثقافة جديدة، والتحدث بلغة أخرى، والاندماج في مجتمع مختلف، بل قد يشعر بارتباط عميق بوطن احتضنه ومنحه فرصًا للحياة. وليس في ذلك خيانة لجذوره، كما أن الاعتزاز بالأصل لا يفرض عليه رفض الآخرين.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول تعدد الانتماء إلى تناقض في المواقف، أو عندما تصبح الهوية مجرد شعار يُرفع وفق المصالح، أو عندما يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن تاريخه كي يثبت ولاءه لوطنه الجديد.
فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بعدد جوازات السفر، بل بمدى الصدق في العلاقة مع الوطن، واحترام المجتمع الذي نعيش فيه، والوفاء للقيم التي نؤمن بها.
قد يحمل الإنسان جنسيتين، ويعيش ثقافتين، ويتحدث لغات متعددة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه فقد هويته الأصلية أو أنه عاجز عن بناء هوية جديدة. فالهويات ليست دائمًا جدرانًا تفصل بين البشر؛ قد تكون أيضًا جسورًا تصل بينهم.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل نستطيع الانتماء إلى أمتين؟ بل: هل نستطيع أن نكون أوفياء لجذورنا، ومنفتحين على العالم، ومخلصين للمجتمع الذي نعيش فيه، دون أن نجعل الهوية سجنًا لأنفسنا أو سلاحًا ضد الآخرين؟
فالإنسان الواثق من هويته لا يخشى الثقافات الأخرى، ولا يحتاج إلى إنكار جذوره كي يثبت انتماءه، ولا إلى إهانة الآخرين كي يعتز بنفسه.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟