أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محفوظ بجاوي - هل نعيش حقًّا، ام نهرب من حقيقة الفناء؟














المزيد.....

هل نعيش حقًّا، ام نهرب من حقيقة الفناء؟


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:38
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يكن الكون ينتظرنا كي يستمر، ولم تكن النجوم بحاجة إلى عيوننا لتضيء، ولا المجرّات إلى عقولنا لتواصل رحلتها الصامتة عبر الزمن. مضت مليارات السنين قبل ظهور الإنسان، وسيواصل الكون مسيرته، على الأرجح، طويلًا بعد غياب آخر إنسان. وبين هذين الامتدادين الهائلين، ظهر كائن صغير اسمه الإنسان، يحمل عقلًا يريد أن يفهم كل شيء، وقلبًا يخشى أن يفقد كل شيء.
وهنا تبدأ المأساة الإنسانية: أن نكون الكائن الذي يعرف أنه سيموت، لكنه لا يستطيع أن يتقبّل موته بسهولة.
أمام هذا المصير، صنع الإنسان الرموز والمعاني، ونسج الحكايات التي تمنح حياته قدرًا من الطمأنينة. فهل كان الدين بحثًا عن حقيقة تتجاوز حدود العالم المادي، أم كان، في بعض تجلياته، استجابة لحاجة الإنسان إلى تفسير المجهول ومواجهة الموت؟ وهل كان الزواج والإنجاب مجرد وسيلتين للاستقرار واستمرار النوع، أم أنهما تحوّلا أيضًا إلى مؤسستين اجتماعيتين تنظّمان الحب والانتماء والمسؤولية؟
ربما لا توجد إجابة واحدة تختصر هذه الأسئلة؛ فالإنسان لا يعيش بالأوهام وحدها، كما لا يعيش بالحقائق المجردة وحدها. إنه يحتاج إلى الحب، وإلى الأمان، وإلى الشعور بأن وجوده ليس مجرد حادث عابر في كون شاسع لا يعرف اسمه. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المعاني التي صنعها إلى حقائق مقدسة لا يجوز مساءلتها، وحين تصبح الأنظمة التي ابتكرها من أجل الحياة قيودًا تمنعه من عيشها بحرية.
لقد بنى الإنسان الأوطان، واخترع الحدود، وأقام المؤسسات، وورث المعتقدات والعادات، ثم أمضى جزءًا كبيرًا من عمره يدافع عنها، وكأنها حقائق أزلية لا اختيارات بشرية قابلة للمراجعة. وقد يستهلك سنواته في صراعات حول أفكار ورموز، وينسى أن العمر الذي يخوض فيه تلك المعارك محدود، وأن الزمن لا يتوقف احترامًا لانتصاراته أو انكساراته.
لكن هل يعني ذلك أن الحب وهم، وأن الأسرة مجرد آلية بيولوجية، وأن الأخلاق اختراع بلا قيمة، وأن الحياة تفقد معناها لأنها تنتهي؟
ليس بالضرورة.
فقد يكون المعنى الذي نصنعه لأنفسنا أكثر صدقًا حين نعترف بأنه ليس مضمونًا من الخارج، وأن قيمته لا تتوقف على خلوده. فالوردة لا تفقد جمالها لأنها تذبل، والقصيدة لا تفقد قيمتها لأن قائلها سيموت، واللحظة الإنسانية الصادقة لا تصبح بلا معنى لمجرد أنها لن تتكرر. وربما تكمن قيمة الحياة تحديدًا في هشاشتها، وفي أن ما نملكه منها لا يمكن تأجيله إلى الأبد.
لسنا مطالبين بأن نكون خالدين حتى يكون لوجودنا معنى، بل ربما نحن مطالبون بأن نكون أكثر وعيًا لأننا عابرون.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأصعب: كم من حياتنا نعيشه بإرادتنا، وكم منه نستهلكه في إرضاء المجتمع، والخضوع للموروث، والخوف من الموت، والبحث عن يقين لا يتزعزع؟ هل نختار ما نؤمن به فعلًا، أم نتمسك بما ورثناه لأن الشك يربكنا؟ وهل نحب لأننا نريد الحب، أم لأننا نخشى الوحدة؟ وهل نسعى إلى ترك أثر في العالم لأن الحياة تستحق أن تُعاش، أم لأن فكرة اختفائنا الكامل ترعبنا؟
ربما لا تكمن الحرية في امتلاك إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، بل في امتلاك الشجاعة لطرحها، من دون خوف من سلطة أو مقدّس أو تقليد.
فالكون لا يمنحنا، بحسب ما نعرف، شهادة تضمن خلودنا، ولا يَعِدُنا بأن أسماءنا ستبقى إلى الأبد. لكنه منحنا، عبر تطور الحياة، فرصة نادرة: أن نعي وجودنا، وأن نتأمل مصيرنا، وأن نختار كيف نقضي الزمن المحدود الذي نملكه.
وهنا يظل السؤال مفتوحًا أمام كل إنسان:
إذا كنا سنرحل يومًا، وإذا كان الكون سيواصل رحلته من دوننا فهل ينبغي أن نقضي أعمارنا في بناء أنظمة تحمينا من حقيقة الفناء، أم أن نتحرر من خوفنا منه، ونعيش بوعي وحرية ونمنح وجودنا معنى لا يحتاج إلى الخلود كي يستحق أن يُعاش؟



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى المهاجرين في أوروبا : لاتجعلوا العقلاء يدفعون ثمن تهوّر ...
- نصيحة قبل فوات الأوان : لاتمنحوا اليمين المتطرف الدريعة التي ...
- أنا لا أفضّل لغة على أخرى، بل أفضّل العقل على التعصب.
- الكفاءة والنتائج اولا : العلم أكثر من معارك اللغة
- الجزائر بين صراع الهوية ومحاولات التأثير
- الجزائر اولا ... فلنلتف حول دولتنا ومؤسساتنا
- الجزائر في زمن المحن... رسالة إلى شعبها
- من مجتمع الثقة إلى مجتمع الشك... كيف تحولنا؟
- الجدر والروافد والجامع
- أسماؤنا... ذاكرتنا وكرامتنا
- أكتب حبا للجزائر، لا كراهية لأحد
- قبل أن تتكلم الفروع: من أين بدأت شجرة الجزائر
- هل الوطن مكان نولد فيه... أم شيء نحمله معنا؟
- الجزائر اولا ... القرار الوطني خط أحمر، والسيادة فوق كل المص ...
- حين تنتصر المدرسة للفكر...كلمة شكر إلى رئيس الجمهورية
- الوكالة الوطنية للأثار ... إرادة الرئيس عبد المجيد تبون لفتح ...
- حين تنطفىء النار وتبقى الجزائر
- قادة مؤتمر الصومام... رجال حملوا أوجاع الجزائر
- أبشروا يا أهلنا... الجزائر لا تترك أبناءها وحدهم
- وزارة للغابات والتشجير وحماية البيئة... الجزائر بحاجة إلى قر ...


المزيد.....




- مقاطع فاضحة توقع أشهر راقصة مصرية في قبضة الأمن
- البابا ليو يدعو لوقف العنف باليمن ويدين الهجوم الإرهابي الذي ...
- صدام حفتر لترامب: لا مبرر سياسيا للإساءة إلى ليبيا وشعبها
- محكمة يابانية توجه اتهاما لجندي من مشاة البحرية الأمريكية في ...
- لماذا وافقت الجزائر على إرسال وحدة عسكرية إلى النيجر؟
- قبل يومين من الحسم.. الاستطلاعات تعمق الغموض حول مستقبل إسرا ...
- الدفاع الروسية: استهداف سفينة شحن كانت تنقل شحنات عسكرية إلى ...
- ترامب: لن نضرب إيران اليوم
- زيلينسكي يطالب واشنطن بالإفراج عن صواريخ باتريوت اتفق عليها ...
- ترامب: لو كان لدينا رؤساء أذكياء لما وجدت مشكلة تايوان مع ال ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محفوظ بجاوي - هل نعيش حقًّا، ام نهرب من حقيقة الفناء؟