أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محفوظ بجاوي - إلى المهاجرين في أوروبا : لاتجعلوا العقلاء يدفعون ثمن تهوّر الحمقى!















المزيد.....

إلى المهاجرين في أوروبا : لاتجعلوا العقلاء يدفعون ثمن تهوّر الحمقى!


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 17:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يؤلمني حقًّا، وأنا أتابع أحداث العنف والتوتر التي تشهدها أوروبا، ليس فقط ما يحدث اليوم، بل ما قد تتركه هذه الأحداث من آثار على مستقبل ملايين المهاجرين الذين اختاروا هذه القارة وطنًا للإقامة والعمل وتربية أبنائهم وبناء مستقبلهم. ما يؤلمني هو ذلك المهاجر العاقل، الذي أفنى سنوات من عمره في العمل، واحترم القوانين، وأدّى واجباته، وربّى أبناءه على المسؤولية، وحرص على أن يكون فردًا نافعًا في المجتمع، ثم يجد نفسه مهدّدًا بأن يدفع ثمن تصرّفات أشخاص لا يمثّلونه، ولا يلتزمون بالقيم التي يؤمن بها، ولا يحترمون المجتمع الذي احتضنهم. من الظلم أن يدفع المحترم ثمن المسيء، ومن الخطأ أن يصمت العقلاء بينما يسيء المتهوّرون إلى الجميع.
إلى كل مهاجر يعيش في أوروبا، تذكّر أن وجودك في هذا البلد يمنحك حقوقًا، لكنه يحمّلك أيضًا مسؤوليات. من حقك أن تعمل، وأن تتعلم، وأن تمارس معتقداتك، وأن تعبّر عن آرائك، وأن تطالب بحقوقك، وأن تعيش بكرامة وأمان. لكن من واجبك، في المقابل، احترام قوانين البلد الذي تعيش فيه، ومؤسساته، وحقوق مواطنيه، وحرياتهم، ونظامه العام. لا يمكنك أن تطالب المجتمع باحترام حريتك، ثم ترفض احترام حريته. ولا يمكنك أن تطالب الدولة بحماية حقوقك، ثم تعتبر قوانينها اختيارية عندما لا تتوافق مع رغباتك. ولا يمكنك أن تستفيد من المؤسسات والخدمات العامة، ثم تتحايل على أنظمتها أو تتعامل مع أموال دافعي الضرائب وكأنها حق بلا شروط أو مسؤوليات. القانون ليس قائمةً من القواعد التي نختار منها ما يعجبنا ونرفض ما لا يعجبنا؛ القانون إطار مشترك ينظّم حياة الجميع، ويجب أن يخضع له الجميع دون استثناء.
إن احترام البلد المضيف لا يعني التخلّي عن جذورك أو لغتك أو ثقافتك أو معتقداتك، بل يعني أن تمارس خصوصيتك في إطار القانون، وأن تفهم أن المجتمع الذي تعيش فيه له تاريخه وقيمه ومؤسساته وحقوقه التي لا يجوز الاعتداء عليها. فمن حق كل إنسان أن يؤمن بما يشاء، وأن يمارس شعائره في إطار القوانين المعمول بها، وأن يدافع عن معتقداته بالوسائل المشروعة، لكن لا يحق لأحد أن يفرض معتقداته على الآخرين، أو يعطّل مصالحهم، أو يقيّد حرياتهم، ثم يطالبهم بقبول ذلك باسم التسامح الديني. حرية المعتقد لا تعني حرية مخالفة القانون، وحرية التعبير لا تعني تهديد الآخرين، وحرية ممارسة الشعائر لا تعني تعطيل مصالح الناس أو انتهاك حقوقهم. لا يمكن بناء التعايش على مطالبة الآخرين باحترام معتقداتنا، بينما نرفض نحن احترام حرياتهم.
وإذا رأيت شخصًا يعطّل طريقًا عامًا، أو يعتدي على الآخرين، أو يمارس العنف، أو يهدّد السلم الاجتماعي، فلا تبحث له عن مبرّر لمجرد أنه ينتمي إلى أصولك أو يتحدث لغتك أو يشاركك معتقداتك. وإذا رأيت من يستغل المساعدات الاجتماعية أو يتحايل على القوانين للحصول على امتيازات لا يستحقها، فلا تسمِّ ذلك شطارة. وإذا رأيت من يتذرّع بالدعوة الدينية لتبرير سلوك يضرّ بالآخرين أو يخالف القانون، فلا تجعل الدين غطاءً لتصرفاته. الصواب صواب، والخطأ خطأ، بصرف النظر عن هوية مرتكبه. أدينوا السلوك المسيء علنًا، كما تدينون التمييز ضد المهاجرين علنًا. لا تكيلوا بمكيالين، ولا تجعلوا التضامن مع أبناء جلدتكم أهم من التضامن مع الحق.
ليس المطلوب منكم أن تعتذروا عن أفعال لم ترتكبوها، ولا أن تتحمّلوا مسؤولية جماعية عن أخطاء الآخرين، بل المطلوب ألّا تدافعوا عن الخطأ، وألّا تبرّروه، وألّا تصمتوا عنه حين تكون لديكم القدرة على قول كلمة حق. لا تجعلوا الخوف من اتهامكم بالتخلّي عن أبناء أصولكم يمنعكم من إدانة التجاوزات، ولا تسمحوا لأي شخص بأن يستخدم هويتكم أو معتقداتكم لتبرير سلوك يضرّ بكم وبمستقبل أبنائكم. فالصمت عن السلوك المسيء قد يُفهم، لدى بعض الناس، على أنه تسامح معه، حتى إن لم يكن هذا هو قصدكم. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون للمهاجرين العقلاء موقف واضح وصريح من كل ما يسيء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه.
وعندما يرتكب شخص فعلًا عنيفًا أو مسيئًا، فإن المسؤولية القانونية تقع على مرتكبه، لا على كل من يشترك معه في الأصل أو الجنسية أو الدين. هذه قاعدة أساسية من قواعد العدالة. لكن علينا أيضًا أن نكون واقعيين: قد تؤثر الأفعال المتكررة لبعض الأفراد في نظرة الرأي العام إلى المهاجرين، وقد تتحوّل الأحداث الخطيرة إلى موضوع للنقاش السياسي، وقد تُطرح في أعقابها قوانين وإجراءات أكثر تشددًا. وهنا تكمن المأساة التي أحذّر منها: أن يرتكب بعض الأشخاص أخطاءهم، ثم يجد المهاجر الملتزم نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن وجوده، وشرح سلوكه، وإثبات أنه لا يشبه من أساءوا إلى المجتمع. قد يكون ذلك المهاجر قد عمل عشرين أو ثلاثين سنة، ودفع الضرائب، واحترم النظام، وربّى أبناءه، ولم يتورّط يومًا في عنف أو تحايل أو اعتداء، ومع ذلك يجد نفسه متأثرًا بمناخ عام أكثر تشككًا في الهجرة، أو بإجراءات قانونية جديدة قد تمسّ فئات واسعة. من غير المقبول أن يتحمّل الأبرياء تبعات أفعال لم يرتكبوها، ومن الحكمة ألّا يمنح أحدٌ بتصرفاته ذريعةً لتشديد النظرة إلى المهاجرين جميعًا.
ومن هذا المنطلق، أقول للمهاجرين العقلاء: دافعوا عن حق الدولة المضيفة في تطبيق قوانينها، وحماية أمن مواطنيها، وتنظيم مؤسساتها وخدماتها العامة، ومحاسبة المخالفين وفق إجراءات عادلة. ومن حق مواطني هذه الدول أن يعيشوا بأمان، وأن يستخدموا الطرق والمرافق العامة دون اعتداء أو تعطيل، وأن يتمتعوا بالحريات التي يكفلها لهم القانون. وفي المقابل، من حق المهاجر ألّا يتعرّض للتمييز بسبب أصله، وألّا يُحمَّل مسؤولية جماعية عن جرائم غيره، وألّا تُنتهك حقوقه الأساسية، وأن يحصل على معاملة عادلة أمام المؤسسات والقضاء. هذه الحقوق ليست متناقضة، بل يجب أن تسير جنبًا إلى جنب في دولة القانون. لا تطالبوا بالعدالة عندما تكونون أنتم الضحايا، ثم ترفضوها عندما يكون الضحايا من أبناء المجتمع المضيف. ولا تقبلوا أن يُدان شخص بسبب أصله، ثم تدافعوا عن شخص آخر لمجرد أنكما تنتميان إلى الأصل نفسه. العدالة لا تتجزأ، والقانون لا ينبغي أن يتغيّر بتغيّر هوية المتهم أو الضحية.
والاندماج الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي أقمتها في أوروبا، ولا بمجرد امتلاكك إقامة أو جنسية، بل يظهر في احترامك للقانون، وفي تعاملك مع جيرانك، وفي التزامك بعملك، وفي احترامك للمرأة والرجل، وفي قبولك حق الآخرين في الاختلاف معك، وفي قدرتك على التعايش مع أشخاص لا يشاطرونك لغتك أو ثقافتك أو معتقداتك. ويظهر أيضًا في استعدادك لتعلّم لغة البلد، وفهم مؤسساته، والمشاركة في مجتمعه، واحترام فضائه العام، وتعليم أبنائك أن الحرية تقترن بالمسؤولية، وأن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات. ليس مطلوبًا منك أن تتخلى عن هويتك، بل أن تجعلها مصدر غنى لك وللمجتمع، لا ذريعةً للانغلاق أو الصدام. وليس مطلوبًا منك أن تتبنّى كل ما يعتقده الآخرون، بل أن تحترم حقهم في الاعتقاد والاختلاف، ما داموا يحترمون القانون وحقوق غيرهم.
أقولها بوضوح: لا تتركوا الساحة لمن يسيئون إليكم وإلى غيركم. ارفضوا العنف، وارفضوا التحايل، وارفضوا الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وارفضوا تعطيل مصالح الناس، وارفضوا فرض المعتقدات على الآخرين. وفي الوقت نفسه، ارفضوا العنصرية والتمييز والعقاب الجماعي، ودافعوا عن حق كل إنسان في المعاملة العادلة. كونوا أول من ينتقد المسيء حين يكون من جماعتكم، وأول من يدافع عن المظلوم حين يكون مختلفًا عنكم. فالمهاجر المحترم لا يحتاج إلى أن يرفع شعارات الولاء كل يوم؛ يكفي أن يشهد سلوكه على احترامه للمجتمع الذي يعيش فيه. والمجتمع العادل لا يحاكم الناس جماعيًا، بل يحاسب كل شخص على أفعاله وفق القانون.
ما أخشاه هو أن يدفع المهاجر العاقل ثمن تهوّر غيره، وأن يجد أبناؤه أنفسهم أمام مستقبل أكثر صعوبة بسبب تصرفات كان بالإمكان تجنّبها. لذلك أوجّه ندائي إلى كل مهاجر يحترم نفسه ويحترم المجتمع الذي يعيش فيه: لا تكتفِ بأن تكون محترمًا في سلوكك الشخصي؛ كن واضحًا أيضًا في رفضك لكل ما يسيء إلى المجتمع ويضرّ بمستقبل المهاجرين. فمستقبل أبنائكم لا يُبنى بالصمت عن الأخطاء، ولا بتبرير التجاوزات، ولا بمخاصمة المجتمع الذي تعيشون بين أفراده، بل بالعمل والوعي والمسؤولية واحترام القانون والدفاع عن العدالة للجميع.
لا تجعلوا العقلاء يدفعون ثمن المتهوّرين، ولا تجعلوا أخطاء البعض تتحوّل إلى عبء على الأبرياء.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نصيحة قبل فوات الأوان : لاتمنحوا اليمين المتطرف الدريعة التي ...
- أنا لا أفضّل لغة على أخرى، بل أفضّل العقل على التعصب.
- الكفاءة والنتائج اولا : العلم أكثر من معارك اللغة
- الجزائر بين صراع الهوية ومحاولات التأثير
- الجزائر اولا ... فلنلتف حول دولتنا ومؤسساتنا
- الجزائر في زمن المحن... رسالة إلى شعبها
- من مجتمع الثقة إلى مجتمع الشك... كيف تحولنا؟
- الجدر والروافد والجامع
- أسماؤنا... ذاكرتنا وكرامتنا
- أكتب حبا للجزائر، لا كراهية لأحد
- قبل أن تتكلم الفروع: من أين بدأت شجرة الجزائر
- هل الوطن مكان نولد فيه... أم شيء نحمله معنا؟
- الجزائر اولا ... القرار الوطني خط أحمر، والسيادة فوق كل المص ...
- حين تنتصر المدرسة للفكر...كلمة شكر إلى رئيس الجمهورية
- الوكالة الوطنية للأثار ... إرادة الرئيس عبد المجيد تبون لفتح ...
- حين تنطفىء النار وتبقى الجزائر
- قادة مؤتمر الصومام... رجال حملوا أوجاع الجزائر
- أبشروا يا أهلنا... الجزائر لا تترك أبناءها وحدهم
- وزارة للغابات والتشجير وحماية البيئة... الجزائر بحاجة إلى قر ...
- الجزائري... حين تتكلم الشخصية التي صنعتها القرون


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محفوظ بجاوي - إلى المهاجرين في أوروبا : لاتجعلوا العقلاء يدفعون ثمن تهوّر الحمقى!