أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاتن نور - مصيدة الاستفهام














المزيد.....

مصيدة الاستفهام


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 07:07
المحور: قضايا ثقافية
    


هنالك أسئلة غير نقية، عكرة كالمياه الراكدة، قد تُصمَّم خصيصاً لتأطير الوعي وحصره في زاوية ضيقة.
لا أفترض هنا بالضرورة "عدم براءة" هذا النمط من الأسئلة، وليس لنا أن نتصور دائماً أن غرض هذه الأسئلة هو إيقاع المتلقي في "حفرة الجواب". لأن هذا النمط في الحقيقة قد يعبر عن أفق معرفي ضيق، يخلط بين المفاهيم ويمزجها قسراً، للحصول على كوكتيل بلا طعم، ثم يُقدَّم بثقة وكأنه شراب سائغ يُكرَع بجرةٍ واحدة.

أمثلة عن هذا النمط:
بيتك أم مدرستك؟
زوجتك أم أمك؟
بتر قدميك أم بتر ثروتك؟
عقيدتك أم وطنك؟

نلاحظ أن القاسم المشترك في هذا النمط من أسئلة التأطير الثنائي هو محاولة توجيه الوعي للاختيار بين مفهومين ليسا من طبيعة واحدة، ولا جدوى من وضعهما على نفس المستوى للمقارنة والمفاضلة. وقد لا تكون المحاولة مقصودة بالضرورة من قبل السائل، ولكن السؤال يظل، في حد ذاته، تأطيراً للوعي.

ومن السهل الوقوع في فخ الإجابة عن أسئلة كهذه، التي تفترض مسبقاً وجود منافسة أو تعارض أو صراع بين المفهومين أو القضيتين المطروحتين.
وأمام هذا النمط من الأسئلة يقف الكثيرون في حيرة من أمرهم، فتبدأ أدمغتهم بإجهاد نفسها للمقارنة والتفضيل، وكأن الإجابة فرضٌ مقدس لا بد من أدائه دون استفهام.
أرى أن "قلب الطاولة" بوجه من يسأل هكذا أسئلة تأطيرية، سواء كانت موجهة لغاية ما أم لا، وإيقاعه في "مصيدة الاستفهام الحميد"، هو الأذكى والأجدى نفعاً، ليس للمتلقي فحسب، بل لطارح السؤال أيضاً، خصوصاً إذا جاء طرحه بريئاً ولا يخرج عن كونه نتيجة لضيق الأفق.

فنستفهم أولاً عن الإشكالية التي يجدها السائل بين البيت والمدرسة مثلاً، أو عن ماهية التضارب أو التعارض الذي يراه بين وجود ثروة لديك وبين سلامة قدميك. وما نوع المنافسة وقوتها، إن وجدت أصلاً، بين الزوجة والأم التي تفرض عليك الاختيار؟
أو نستفهم عما إذا كان السائل يرى ثمة صراعاً حقيقياً بين الوطن والعقيدة، أم إنه محض صراع مفتعل "لغاية في نفس يعقوب"

الاستفهام هنا هو المشرط الذي سيضع السائل على محك رؤيته ومعرفته. ومع التقدم في الاستفهام كحق طبيعي لتوضيح منطلقات السؤال، وتعريف كل مفهوم على حدة، نتبين ما إذا كان الطرفان (السائل والمسؤول) يقفان على أرضية مشتركة في إدراك المفاهيم أم على طرفي نقيض. إذ لا معنى لأي إجابات عن أسئلة تفتقر إلى أرضية مشتركة في فهم مفرداتها وطبيعة العلاقة بين معانيها.

ونسأل في هذا المقام الدافئ:
هل الانتماء العقائدي يفرض دحر الانتماء الوطني؟ أم إنهما مفهومان سلميان لا تنافر بينهما، ولكل مفهوم حقله ومجاله الفاعل وحدوده تحت سقف واحد؟ وإن تجاوز الحدود هو ما يولد الإشكالية بين المفهومين، فالمعالجة تكون بحظر التجاوز وليس بإلغاء أحد المفهومين أو تسفيهه.

حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية حق طبيعي تكفله الأوطان ومواثيق حقوق الإنسان، وخصوصاً الأنظمة العلمانية منها. فالسقف العلماني يحتضن الجميع بلا مفاضلة عقائدية، وغرضه تنزيه الدين عن العمل السياسي؛ كونه مجالاً متاحاً للدهاء والخبث والمكر. وإذا امتزج بالدين، أصبح أكثر مكراً وخبثاً باستغلاله لسلطة المقدس في تعمية الشعب عن حقوقهم. والله لا يحب الماكرين.
الافتعال قادم من بعض أهل العقيدة، الذين جعلوا الانتماء الوطني منافساً للانتماء العقائدي أو العكس؛ فهذا ما تلقنوه، وما تبثه غالبية مدارس التعليم الديني عبر فقهاء ينشرون هذا الفكر في عقول النشء.
ومن الغرابة بمكان أن نتصور أن الانتماء العقائدي يتطلب مثل هذا الاستهتار بالمفاهيم الوطنية، أو يتطلب تسقيط الانتماء الوطني وجعله يبدو وكأنه شبهة أو جرماً، مع أن الأوطان هي الحاضنة للمعتقدات باحتضانها لأصحابها. وخصوصاً إذا كانت أنظمة علمانية تنزّه الدين بفصله عن السياسة، وليس عن المجتمع، كما يحاول الدجالون إشاعته.

لماذا نفترض مثل هذا العداء المكرس لصناعة إمبراطورية وصائية، وقد فشلت قبلها إمبراطوريات سالفة استغلت الدين سياسياً لتكريس الهيمنة والوصاية؟
ولماذا تبرز في هذه المرحلة القلقة أسئلة تأطيرية مثل هذا السؤال القاحل كالربع الخالي: "العقيدة أم الوطن"، ولا تبرز أسئلة مجدية عن مقومات التكامل بين المفهومين لبناء وطن يسع الجميع ولا يفاضل بينهم على أساس الهوية العقائدية؟
أو أسئلة جادة عن مقومات ردم الهوة المفتعلة بين الوطن والعقيدة (أو الإيمان والمواطنة)؟

ولماذا، بدلا عن افتعال هوة، لا نلجأ إلى محاولة ردم الهوة الموجودة فعلياّ بين المعرفة الدينية الجامدة والمعرفة العلمية الديناميكية، التي تكبر وتتسع كل يوم بتطور العلوم، وذلك بتنقية المعارف الدينية وحفظ ما يتنافى مع المعطيات العلمية الراسخة في متاحف التراث؟
والسؤال التشكيكي هنا: ما قيمة الانتماء العقائدي إن لم يرَ أهل العقيدة أثر عقيدتهم في بناء مجتمعات متماسكة، وأوطان مستقرة، يمثل الدفاع عنها دفاعاً ضمنياً عن المعتقدات السائدة فيها؟

وأختم بسؤال تأطيري وتعليق ربما ينطوي على مرح: العلم أم العقيدة؟
لاحظ أنك إذا اخترت "العقيدة" (بمعناها المناقض للعلم في سياق السؤال)، ستتخلى عن الموبايل والتلفاز والسيارة وكل ما أنتجه العلم، ولن تفكر بعدها بالذهاب إلى مهندس أو طبيب أو ورشة تصليح. هل ستجيب أم ستستفهم لتنير الطريق؟



October 29, 2026



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حائط المبكى وحتمية التغيير
- لعنة الخندقين
- امرأة المرايا الناطقة
- الدستور والتهاون القضائي
- نشيد المرحلة
- ثالوث الإسلام السياسي
- مناقل البلوط 2
- وتصغر في عين الصغير العظائم
- مساحات 9
- عندما يحارب الفاسدون الفساد
- حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
- مناقل البلوط
- جهابذة السوس
- مساحات 8
- بلا جوهر
- مساحات 7
- وقفة مع مصنع السحاب
- صنو الكريستال
- مساحات 6
- قبعات


المزيد.....




- واشنطن بوست: فانس يطمئن رضائي بشأن سيادة إيران ويشترط مفاوضي ...
- -أصوات أشباح مرعبة عند الفجر-.. بيونغ يانغ تستعد لاستئناف حر ...
- اكتشاف آليات جديدة لتطور مرض الصدفية
- ابتكار روسي.. مرشحات مياه تتحمل التعقيم بالبخار فائق التسخين ...
- تقرير استخباراتي أمريكي يكشف عن -التنين الإلهي- الفضائي الصي ...
- كيري يحذر: الهجوم على إيران بعد انتخابات أمريكا سيبعدها عن ط ...
- جي دي فانس يتحدث عن زيه في عيد الهالوين
- تدمير 84 مسيرة أوكرانية كانت في طريقها إلى موسكو
- ما يجري في الخليل أبعد من رد على عملية
- تقرير حقوقي: 222 حالة لأطفال جرى تجنيدهم ومقتلهم في اليمن.. ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فاتن نور - مصيدة الاستفهام