أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاتن نور - حائط المبكى وحتمية التغيير















المزيد.....

حائط المبكى وحتمية التغيير


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 22:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كيف لنظام يحكم رقعة جغرافية استراتيجية، غنية بثرواتها البشرية ومواردها الطبيعية، أن يفشل حتى في استيعاب حقيقة تاريخية بسيطة؟
إذا كان خداع كل الناس بعض الوقت، أو خداع بعضهم كل الوقت, ممكناً؛ فأن خداع كل الناس طوال الوقت، محاولة بائسة مصيرها السقوط المحتوم، وقد تدفع عاجلاً أم آجلاً إلى حراك شعبي أو ثورة عارمة.
لماذا يصر هذا النظام على خداع الجميع باستمرار، مع إقحام المقدس في مشهد كوميدي لم يعد ينطلي على المواطن، الذي هتف في صيف 2015 "باسم الدين باگونا الحرامية"، وتردد صدى الهتاف في انتفاضة تشرين 2019؟

يبدو أن النظام يعيش في فقاعته الخاصة، يتحرك ويقرر أمام مرآته المطلية بالذهب بدل الزئبق، مرآة تريه أن كل شيء على ما يرام، وأن الطلاء ثابت ومُستدام؛ فالمواطن الصارخ اليوم سيصمت غداً، وسبل الخداع ستمضي بنجاح إلى مستقرها الآمن بسحر "الكتاب" وسلطة النص المقدس.
إذا كانت أعداد الحشود التي تتظاهر ضد ترهل السلطة ودقّها المستمر على الوتر العاطفي أمراً مهماً يعكس حجم التكاتف والرفض الشعبي، ويؤكد أن الشعب هو الفاعل الحقيقي في بناء مستقبله، فإن الأهم هو طبيعة الوعي المحرك لهذه الحشود، وماهية الهدف الموحِّد لها، بما يمكنّها من فرض إرادتها وتحقيق نتائج ملموسة تتجاوز المصالح الفئوية والاستقطابات النفعية الضيقة.
لا معنى لأية تظاهرة مستقبلية تكرر نفسها بشعارات ومطالب لا تجد آذاناً صاغية، مثل "محاسبة الفاسدين". فالخلل البنيوي لا يمكن إصلاحه إلا بإصلاح لبناته الأساسية. الفرق كبير بين المطالبة بمحاسبة أفراد بعينهم داخل المنظومة الحاكمة، ومحاسبة النظام ذاته الذي يسمح بإعادة إنتاج الفساد بينما يدعي مكافحته.
لذلك، بدلًا من المطالبة العبثية بمحاربة الفساد، لا بد أن يكون المطلب جاداً ويصيب الهدف مباشرةً: وهو إعادة بناء الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم السلطة ويحاسبها.

نحن نتحدث هنا عن سلطة سمحت لنفسها بمكافأة الخارجين عن القانون عبر استحداث وزارات ومناصب غير دستورية لإرضائهم.، سلطة غير ملتزمة بالدستور وتفسره بما يكفل مصالح القوى السياسية المتنفذة. وسلطة تريد أن تُخضٍع حتى الجغرافيا الوطنية للتحاصص، وذلك عبر استحداث تقسيمات إدارية لخدمة أجندات حزبية. ومن العبث أن تُطالب سلطة كهذه بإصلاح نفسها أو مكافحة فسادها ذاتياً.

الخلل لا يكمن فقط في عدم أهلية غالبية القوى السياسية للقيادة، أو عجز السلطة التشريعية عن تشريع قوانين عادلة تمس حياة أكثر من أربعين مليون نسمة في ظل وجود عدد من النواب بشهادات مشكوك بمصداقيتها، ولا يمتلكون الأسس الثقافية الرصينة للعمل البرلماني المنتج؛ بل يتعدى ذلك إلى استحالة قيامها بمهام الرقابة على الجهاز التنفيذي والأداء الوزاري، أو الرقابة المالية، فضلاً عن مهام الانتخاب والتعيين والمصادقة، في ظل فساد تفشى كالوباء وأصاب مقاعدها، مع انتشار السلاح المنفلت، ووجود أساطيل من مافيات التهريب والتهديد والاستلاب العاملة على قدم وساق.

في هذه المرحلة، ينبغي أن توجّه مطالب أية تظاهرة أو حراك بوعي وحذر، لتعبر عن رفض شعبي جذري للعملية السياسية الفاشلة، والتي سيستمر فشلها مهما مُنحت من وقت لإصلاح نفسها؛ لأنها لا تمتلك آلية للإصلاح الوطني بعيداً عن المحاصصة والاغتنام، وغير مؤهلة لبناء وطن جامع لكل العراقيين وضامن لحقوقهم في ظل مسيرة دينية وآليات ماضوية تعتبر الخبرة والكفاءة حجر عثرة في طريقها.
والخلل الجوهري يكمن في البنى التأسيسية لهذه العملية التي أنتجت "التوأم السيامي".. كما أسماه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، تعبيراً عن النظام الثيوقراطي، حيث يغذي فيه كل طرف من طرفي العلاقة المتزاوجين، الدين والسياسة، أستبداد الآخر، ويهيئ له البيئة الخصبة للاستمرار.
والسؤال المحوري:
كيف أصبحت المحاصصة وهي بيت الداء والاستنزاف، سيدة المشهد السياسي الأولى المخدومة من قبل القوى التي تمثله؟
وكيف تحول الاتفاق السياسي عليها في بداية نشأة العملية السياسية إلى عرف، ثم تحول العرف إلى قاعدة نافذة، مع أن الدستور لا ينص عليها صراحة، فأصبحت الوزارات والمناصب تعرض على طاولة التفاوضات الحزبية والمراهنات، ولا تُعامل بصفتها مؤسسات عامة تخدم الوطن؟
لذا، يعد تعديل الدستور خطوة حاسمة لإعادة صياغة فقراته بدقة لغوية متناهية، لا يمكن تفسيرها بما يخدم التقسيم الطائفي والقومي. فالمفاهيم الواردة فيه مثل "تمثيل المكونات"، و"التوافق"، و"الشراكة الوطنية"، وُظفت لتسويغ تقاسم المناصب وتوزيع الرئاسات والوزارات طائفياً وقومياً.
ولأن الدستور لا يحظر المحاصصة صراحة مثلما لا يقرها صراحة، أصبح استحداث فقرة استثنائية لحظرها حظراً باتاً ضرورة وطنية ملزمة لغلق بابها، وأن يصبح تعديل الدستور وحصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة المنفلتين والخارجين عن القانون بدلاً من مكافأتهم؛ مطلباً جماهيرياً لا رجعة فيه.
وهذا يستدعي وجود سلطة قانونية فعلية، ومؤسسات أمنية موحدة، مع آليات تنفيذ صارمة تضرب بيد من حديد لحسم الأمر قبل أن يتحول إلى صراع مسلح واسع النطاق. وبخلاف ذلك، لا يمكن الحديث عن بناء دولة تستوطنها جماعات مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً عنها، ويتلاعب بها الرجعيون والطائفيون والانتهازيون وتعصف بها الولاءات الخارجية.

بالإضافة إلى ذلك، تأتي المطالبة بحل البرلمان المستنزِف للمال العام، وكذلك حل مجالس المحافظات التي باتت بؤراً للفساد وأبواباً لقضاء الحوائج مقابل المال؛ كضرورة من ضرورات معالجة الواقع السياسي المتردي. وبناء دولة مدنية حديثة تتداول السلطة سلمياّ وحسب ما تقره نتائج الأنتخابات فحسب. وتحظر توظيف المقدس في اكتساب السلطة والحصانة السياسية، وذلك عبر الفصل بين الدين والدولة. فلا تُقدم المصالح الحزبية باعتبارها تمثيلاً للدين، ولا يصبح نقد السلطة اعتداءً على العقيدة، لتحل المحاسبة السياسية محل الولاء للهوية الدينية والطائفية. أما مسألة بناء مدن حديثة في دولة ثيوقراطية مترهلة، فهذا فصام تنموي وحداثة قشرية تنسجم مع روح البرجوازية الثيوقراطية الكبرى.

ولأن العملية السياسية القائمة، بحكوماتها المتعاقبة، لم تقوَ على إحداث مثل هذا التغيير البنيوي، فإن النظام غير مؤهل للبناء؛ إذ إن كل طاقته مكرّسة للنفوذ والتصرف بخيرات البلد كأنها إرث خاص، مع توفيره الحماية الكافية لرؤوس الأفاعي ومحاسبة أكباش الفداء، يصبح تغيير الخطاب الشعبي ضرورة قصوى، والانتقال من جملة مطالب تعجز حكومة فاشلة ونظام غنائمي عن تلبيتها، إلى مطلب واحد تفرضه حتمية الواقع بعيداً عن العشوائية الشعاراتية وتعددها: تشكيل حكومة (إنقاذ وطني شامل)

وعلى هذا الأساس، تُفتح قنوات حوار مكثف مع المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب بلد استنزفته عملية سياسية هجينة ومتخبطة، وفُرضت على الشعب تحت غطاء ديمقراطية شوهاء تعددت في ظلها التكتلات الديكتاتورية والولائية الضاربة لمفهوم الدولة عرض الحائط.. حائط المبكى العراقي..

October 27, 2026



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعنة الخندقين
- امرأة المرايا الناطقة
- الدستور والتهاون القضائي
- نشيد المرحلة
- ثالوث الإسلام السياسي
- مناقل البلوط 2
- وتصغر في عين الصغير العظائم
- مساحات 9
- عندما يحارب الفاسدون الفساد
- حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
- مناقل البلوط
- جهابذة السوس
- مساحات 8
- بلا جوهر
- مساحات 7
- وقفة مع مصنع السحاب
- صنو الكريستال
- مساحات 6
- قبعات
- القناع والظل


المزيد.....




- لص ابتلع أقراطًا ماسية مسروقة من -تيفاني- أثناء اعتقاله.. شا ...
- -متغيب منذ يوليو-.. مصر تصدر بيانًا حول واقعة -التسلل- إلى إ ...
- نائب وزير النفط العراقي يؤكد سعي بلاده للحصول على عضوية كامل ...
- دول -منتدى الدول المصدرة للغاز- تدعو لتطبيق تقنيات حديثة بما ...
- لافروف: أوروبا لم تغيّر نهجها إزاء أوكرانيا و محادثة بوتين م ...
- قادة الدول المصدرة للغاز يعتمدون -إعلان موسكو- في ختام قمتهم ...
- المنفي يتحدث لـRT عن الدور الروسي بليبيا
- وزير الخارجية النرويجي: محادثة بوتين مع رئيس فنلندا ورئيس وز ...
- المنفي لـ-RT-: القمة الروسية الإفريقية فرصة لبناء شراكة استر ...
- بوتين: الكثير يتوقف على تنسيق قطر وروسيا لا سيما استقرار أسو ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاتن نور - حائط المبكى وحتمية التغيير