عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 18:27
المحور:
الادب والفن
لا ينبغي لنا أن نخضع ليقينياتٍ لا تقبل المراجعة، ولا أن نستسلم لمنطق الريبة الذي يُخضع كل قيمةٍ لشكٍّ دائم. وبدلاً من ذلك، يمكننا السعي نحو منظومةٍ أخلاقيةٍ تتسم بالمرونة في أحكامها، والثبات في التزامها بالكرامة الإنسانية، والقدرة على تعديل وسائلها دون التخلي أبداً عن غاياتها.
في عالمٍ لا نملك السيطرة عليه، يصبح التخطيط ضرورةً، لكنه وحده لا يكفي لجني الثمار المرجوة؛ كما يصبح التكيف مع التحديات أمراً حيوياً، شريطة ألا يعني ذلك أبداً قبول الظلم أو تبريره. تكمن الحكمة في التخطيط دون توهّم أن الخطة هي القدر المحتوم، وفي الاستجابة للمتغيرات دون إغفال ما نعدّه جوهرياً: العدالة، والتعاطف، والإخلاص، واحترام حياة الآخرين.
قد تدفعنا ضرورات السيطرة العنيفة نحو المواجهة، لكن علينا اختيار اللطف. ينبغي لنا بناء شيءٍ مشترك، أو نسج علاقةٍ قوامها المحبة، أو مرافقة الآخرين في محنهم. إن فعل ذلك لا يجعلنا حكماء مطلقين، ولا يمحو عبثية الكثير مما يحلّ بنا؛ لكنه يحدد طبيعة الحضور الذي نختار أن نكون عليه في عالمٍ لا نستطيع إخضاعه لإرادتنا. وهنا، لا تُعدّ الأخلاق انتصاراً على الفوضى الخلاقة في الكون، بل مسؤوليةً تجاه الحياة التي تجمعنا في رحابه.
لسنا محكومين بالاصطدام الحتمي بالجدران، لكننا في الوقت ذاته لا نملك ضمان هدمها جميعاً. قد نكتشف بعضها، ونعيد بناء أخرى، ونشقّ باباً في جدارٍ ثالث لنتمكن من العبور. قد تفرض الصدفة ظروفاً معينة، لكنها لا تملي وحدها كيفية استجابتنا لها؛ فربما لا يملك الوعي القدرة على حكم العالم، لكنه قادرٌ على الإنصات إليه، ورواية ما عاشه، واختيار -ضمن حدود الممكن- الطريقة التي يعامل بها الآخرين.
في نهاية المطاف، ليست الأخلاق جداراً يقيّد حركتنا، ولا مفتاحاً سحرياً يفتح كل الأبواب؛ بل هي الميثاق الذي نبرمه كي لا يتحول عبورنا في متاهة الوجود إلى رحلةٍ فرديةٍ منعزلة. إنها خيطٌ يجمع بين الذاكرة والمسؤولية، ننسجه معاً لنضمن بقاء مساحةٍ للاختيار وسط حياةٍ تفرض علينا الكثير مما لا نملك السيطرة عليه.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟