أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء














المزيد.....

حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:05
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة مناطق في العالم لا يواجه فيها الإنسان تحديات الحياة المعتادة فحسب، بل يجد نفسه مطالباً يومياً بإدارة شبكة معقدة من العلاقات والحساسيات والاعتبارات الاجتماعية والسياسية والمهنية. في مثل هذه البيئات، لا يكون السؤال دائماً: "ما الذي أراه صحيحاً؟" بل كثيراً ما يصبح: "كيف أستطيع الاستمرار دون أن أخسر كل شيء؟".

في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، يعيش كثير من الناس هذه المعضلة بشكل أو بآخر. فهم يتحركون داخل فضاء مليء بالقيود الرسمية وغير الرسمية، والتوقعات الاجتماعية المتشابكة، وموازين القوى التي لا يمكن تجاهلها. وقد يجد الفرد نفسه مضطراً إلى التعامل مع أشخاص أو مؤسسات أو ممارسات تتعارض بوضوح مع قناعاته الشخصية، ليس لأنه مقتنع بها، بل لأنه يحاول حماية مصالحه الأساسية أو تأمين مستقبله أو الحفاظ على استقراره.

من السهل على المراقب الخارجي أن يطالب الإنسان بالثبات المطلق على مبادئه في كل الظروف، لكن الواقع غالباً أكثر تعقيداً من الشعارات. فحين تكون الفرص محدودة، والبدائل قليلة، وأثمان الاعتراض مرتفعة، تتحول المسايرة أحياناً من خيار أخلاقي محل جدل إلى وسيلة للبقاء. لا يحبها أصحابها بالضرورة، ولا يشعرون بالفخر تجاهها دائماً، لكنها تصبح جزءاً من حسابات الحياة اليومية.

وتزداد المحنة عندما يشعر الإنسان أن المنافسة نفسها ليست عادلة. فبدلاً من أن تكون الكفاءة والاجتهاد هما المعيار الحاسم، قد يجد أن النجاح يتطلب مهارات أخرى: معرفة الأشخاص المناسبين، وإدارة العلاقات بحذر، وتجنب الصدامات غير الضرورية، وفهم قواعد غير مكتوبة لا تظهر في أي قانون أو لائحة. عندها يتولد شعور مرير بأن الطريق إلى ما يعتبره حقه الطبيعي أصبح أطول وأكثر تعقيداً مما ينبغي.

ولا يمكن فهم هذه التجربة بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة منذ عقود. فالحروب المتكررة، وحالات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، والانقطاعات المتواصلة في مسار التنمية، كلها عوامل تجعل المستقبل أقل وضوحاً وأكثر ضبابية. ينشأ كثير من الناس وهم يشعرون بأن الأرض التي يقفون عليها ليست صلبة تماماً، وأن الخطط بعيدة المدى قد تتغير بفعل أحداث لا يملكون أي قدرة على التأثير فيها.

ويضاف إلى ذلك صراع مستمر على تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الاجتماعي. فالمجال العام لم يعد يقتصر على المؤسسات التقليدية أو المنابر السياسية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس قوى متعددة على احتكار السرديات وتقديم تفسيرات جاهزة للواقع. وفي خضم هذا الضجيج، يجد الفرد نفسه محاطاً بقناعات معبأة مسبقاً، وشعارات مكتملة الصنع، وأحكام نهائية لا تترك مساحة كبيرة للتردد أو التساؤل.

ومع الوقت، تكتسب بعض هذه الأفكار حصانة اجتماعية تجعل الاقتراب منها أو مناقشتها أمراً حساساً، وكأنها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة. لا يُطلب من الإنسان أحياناً أن يفكر بقدر ما يُطلب منه أن ينتمي، ولا أن يبحث عن الحقيقة بقدر ما يُنتظر منه أن يكرر الموقف المقبول داخل الجماعة التي ينتمي إليها. وهكذا تصبح المحافظة على الاستقلال الفكري جهداً يومياً إضافياً، يضاف إلى أعباء العمل والمعيشة والبحث عن الاستقرار.

في مثل هذا المناخ، لا تقتصر معاناة الإنسان على مواجهة الظروف الخارجية فحسب، بل تمتد إلى محاولة حماية قدرته على التفكير الحر، والاحتفاظ بمسافة نقدية بينه وبين السرديات المتصارعة التي تسعى باستمرار إلى اجتذاب ولائه الكامل. وهذه معركة صامتة لا تقل صعوبة عن المعارك الأخرى التي تفرضها الحياة اليومية.

ولا تقتصر آثار هذه الضغوط على الحياة المهنية أو الاقتصادية، بل تمتد إلى الداخل الإنساني نفسه. فالتكيف المستمر مع بيئة لا تنسجم مع القناعات الشخصية قد يخلق نوعاً من الانقسام الداخلي. يتعلم الإنسان أن يقول ما لا يعتقده أحياناً، أو أن يخفي جزءاً من شخصيته، أو أن يؤجل التعبير الصريح عن آرائه، أو أن يختار الصمت في اللحظة التي يرغب فيها بالكلام. ومع مرور الوقت، قد يشعر أنه يؤدي دوراً اجتماعياً أكثر مما يعيش حياته الحقيقية.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ إذ يصبح الإنسان مطالباً أحياناً بأن يغيّر ملامحه الفكرية أو السلوكية حتى يبدو طبيعياً في أعين الآخرين. وقد يضطر إلى إخفاء جوانب من شخصيته، أو التظاهر بقدر من الانسجام مع ما يحيط به، لا رغبةً في ذلك، بل اتقاءً للخسائر أو تجنباً للعزلة أو حفاظاً على فرصه في الحياة. وكأن المطلوب منه أن يتشوّه قليلاً حتى يُنظر إليه بوصفه سليماً ومعافى.

لكن من المهم أيضاً تجنب الأحكام القاطعة. فليس كل تكيف خيانة للمبادئ، وليس كل مسايرة ضعفاً أخلاقياً. الحياة البشرية مليئة بالمساومات المعقدة، والناس يختلفون في قدرتهم على تحمل الخسائر وفي مسؤولياتهم تجاه أسرهم ومستقبلهم. ما يبدو تنازلاً غير مقبول لشخص قد يكون ضرورة قاسية لشخص آخر.

لذلك فإن فهم هذه المحنة يتطلب قدراً من التعاطف والواقعية معاً. فالكثير من الناس لا يختارون الظروف التي يعيشون فيها، وإنما يحاولون التعايش معها بأقل الخسائر الممكنة. وهم يدفعون ثمناً نفسياً لا يظهر للعيان: توتراً دائماً، وإرهاقاً مزمناً، وشعوراً بعدم اليقين، وصراعاً مستمراً بين ما يؤمنون به وما تسمح به الوقائع المحيطة بهم.

في النهاية، قد تكون المأساة الحقيقية ليست في وجود الضغوط نفسها، بل في تحولها إلى حالة اعتيادية يصبح فيها الإنسان مطالباً باستنزاف جزء من ذاته كل يوم كي يستمر. وبين المثاليات التي يصعب تطبيقها والضرورات التي لا يمكن تجاهلها، يمضي كثيرون في رحلة شاقة يحاولون خلالها الحفاظ على ما تبقى من قناعاتهم، دون أن يخسروا قدرتهم على العيش. ومن لم يختبر هذا النوع من الحياة قد يظن أن الأمر مجرد خيارات فردية، بينما يراه من عاشه سلسلة طويلة من التوازنات الصعبة بين الكرامة والضرورة، وبين القناعة والواقع، وبين الرغبة في أن يكون الإنسان نفسه، والحاجة إلى البقاء في عالم لا يترك له دائماً هذه الرفاهية.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟
- الأمن القومي: بين الضرورة الاستراتيجية وإغراء الهيمنة - قراء ...
- حين نتعلّم أن نحمل الألم دون أن نصبحه
- منطق “الاحتواء بالتخويف”: كيف تُعاد هندسة إيران دون إسقاطها؟
- التحرش الجنسي: ظاهرة عالمية تتجاوز الحدود الثقافية
- إلقاء القبض على نيكولاس مادورو.. ماذا بعد؟
- غادرت حصن اليقين


المزيد.....




- إغلاق ممرات وإخلاء طوابق في البنتاغون بسبب -مواد خطرة-.. ماذ ...
- مسؤولون إيرانيون يتحدثون عن تأثير ضربات أمريكا الأخيرة على و ...
- الحرس الثوري الإيراني: إذا أرادت أمريكا أن تختبر إخفاقاتها ا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن إصابة ضابط وجندي بانفجار عبوة ناسفة في ...
- قصف إسرائيلي متواصل على لبنان.. والرئيس اللبناني يتمسك بمسار ...
- بين الإفراج والقيود.. عقدة الأموال المجمّدة تعرقل التفاهم بي ...
- بعد اتهامها بدعم حماس.. إسرائيل تمنع صحافية فرنسية من دخول أ ...
- رويترز: فرنسا تقترح تركيز المزيد من الصلاحيات في يد كالاس
- جولة إيجابية.. حماس تكشف تفاصيل محادثات القاهرة
- إلزام قناة مصرية بحذف حلقة تلفزيونية بعد وفاة ممثل شهير.. وف ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء