أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام















المزيد.....

هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 08:22
المحور: قضايا ثقافية
    


لسنوات طويلة كان مفهوم المراقبة مرتبطا بشكل شبه كامل بالكاميرا. عدسة تلتقط صورة او فيديو وهذا هو الدليل الوحيد على وجود انسان في مكان ما. لكن هذا التصور بدأ يتغير بهدوء خلال السنوات الاخيرة بفضل تقنية تحمل اسم Wi-Fi Sensing او استشعار الواي فاي. الفكرة تبدو غريبة للوهلة الاولى: كيف يمكن لاشارة انترنت لاسلكية ان تعرف اين انت وماذا تفعل بدون كاميرا ولا جهاز ترتديه؟ الجواب موجود في الفيزياء البسيطة لانتشار الموجات الراديوية داخل أي غرفة.

كيف تعمل هذه التقنية من الناحية العلمية

كل راوتر او نقطة وصول لاسلكية يبث اشارات باستمرار ليبقي الاجهزة متصلة به. هذه الاشارات لا تسير في خط مستقيم فقط باتجاه هاتفك او حاسوبك، بل ترتد عن الجدران والاثاث وجسم الانسان نفسه. عندما يكون المكان فارغا فان نمط انعكاس هذه الاشارات يبقى شبه ثابت. اما عندما يتحرك شخص داخل الغرفة فان جسمه يمتص جزءا من الطاقة ويعكس جزءا اخر بطريقة مختلفة عن الجدران، فيتغير النمط.

الباحثون يعتمدون على نوعين رئيسيين من البيانات لقياس هذا التغير:

اولا معلومات حالة القناة او ما يعرف اختصارا بـ CSI، وهي بيانات دقيقة جدا تصف كيف تغيرت خصائص الاشارة اللاسلكية بعد مرورها عبر المكان.

ثانيا قوة الاشارة المستقبلة او RSSI، وهو مقياس اقل دقة لكنه اسهل في القياس ومتوفر في اغلب اجهزة الواي فاي التجارية.

بعد جمع هذه البيانات تدخل خوارزميات تعلم الآلة لتحليل الانماط واستخلاص معلومات مثل وجود شخص من عدمه، وفي بعض الانظمة المتقدمة عدد الاشخاص واتجاه حركتهم وسرعتها، وحتى رصد حالات السقوط او انماط التنفس اثناء النوم.

من يستخدم هذه التقنية اليوم

هذه ليست تجربة مخبرية بعيدة عن الواقع. شركات كبرى مثل Google وAmazon استثمرت في هذا المجال، الى جانب شركات متخصصة مثل Origin Wireless. الاستخدامات الحالية تتركز غالبا في ثلاثة مجالات: المنازل الذكية لكشف الحركة بدلا من اجهزة الاستشعار التقليدية، رعاية كبار السن عبر رصد حالات السقوط او التغير في نمط النشاط اليومي، وكفاءة استهلاك الطاقة من خلال تشغيل التدفئة او الاضاءة فقط عند وجود اشخاص فعليا في الغرفة.

هل هذا يعني ان الواي فاي يراك فعلا

الاجابة الدقيقة هي لا، وليس بالمعنى الذي نفهمه من كلمة رؤية. الكاميرا تنتج صورة بصرية واضحة يمكن التعرف من خلالها على ملامح الشخص وهويته. اما استشعار الواي فاي في تطبيقاته التجارية الحالية فلا ينتج صورة من هذا النوع، بل يستنتج وجود الشخص وحركته من انماط رياضية معقدة في تغير الاشارة. الفارق هنا جوهري: نحن امام استنتاج احصائي وليس تصويرا مباشرا.

مع ذلك من الانصاف القول ان دقة هذه الخوارزميات تحسنت بشكل ملحوظ خلال السنوات الاخيرة، وبعض الابحاث الاكاديمية تمكنت من الوصول الى مستويات تفصيلية اعلى مما كان متوقعا قبل سنوات قليلة، خصوصا في بيئات مغلقة ومضبوطة تجريبيا. لكن الفارق بين نتائج المختبر والتطبيق الواسع في المنازل العادية ما زال قائما.

اين تكمن مخاوف الخصوصية الحقيقية

المشكلة الاساسية ليست في قدرة التقنية على انتاج صورة، بل في ثلاثة امور اخرى.

الامر الاول ان كثيرا من المستخدمين لا يدركون اصلا ان الراوتر الذي في منزلهم يحمل هذه القدرة، لان الميزة قد تكون مفعلة ضمن اعدادات مخفية او تضاف عبر تحديث برمجي لاحق.

الامر الثاني ان الاستشعار يعمل بغض النظر عن الاضاءة، فهو لا يحتاج الى ضوء مثل الكاميرا، ويمكن ان يعمل حتى خلف بعض الحواجز غير المعدنية.

الامر الثالث ان البيانات المجمعة، حتى لو لم تكن صورا، يمكن ان تكشف تفاصيل حساسة عن الحياة اليومية مثل مواعيد النوم والاستيقاظ، اوقات مغادرة المنزل والعودة اليه، وحتى انماط نشاط قد تشير الى حالة صحية معينة.

كيف يمكن تقليل هذه المخاطر

الحماية الكاملة من هذا النوع من الاستشعار صعبة، لان المشكلة ليست في جهاز واحد يمكن اخفاؤه، بل في طبيعة انتشار الموجات اللاسلكية داخل المكان كله. مع ذلك توجد خطوات عملية يمكن ان تقلل من المخاطر:

مراجعة اعدادات الراوتر والاجهزة الذكية والتأكد من عدم تفعيل ميزات مثل Presence Detection او Wi-Fi Sensing اذا لم تكن هناك حاجة فعلية لها.

تقليل عدد الاجهزة المتصلة بالشبكة، لان كل جهاز اضافي يزيد من كمية البيانات القابلة للتحليل.

اطفاء الواي فاي في اوقات لا تحتاج فيها الى اتصال، خصوصا في غرف النوم او الاماكن التي تريد فيها خصوصية اكبر.

اختيار موقع الراوتر بعناية، فوضعه بعيدا عن غرف النوم قد يقلل من دقة الاستشعار داخل تلك المساحات تحديدا.

استخدام كابل الايثرنت بدلا من الاتصال اللاسلكي كلما كان ذلك ممكنا، وخاصة للاجهزة الثابتة مثل الحاسوب المكتبي.

قراءة سياسة الخصوصية وملاحظات التحديثات البرمجية، لان بعض ميزات الاستشعار الجديدة تضاف احيانا عبر تحديث للبرنامج الثابت دون اعلان واضح للمستخدم.

اما الحديث عن جهة خارجية تحاول التجسس من خارج المنزل باستخدام اشارات الواي فاي فهذا سيناريو مختلف تماما، ويتطلب معدات متخصصة وخبرة تقنية عالية، وليس شيئا يقدر عليه شخص عادي بسهولة، وهو اقرب الى ابحاث اكاديمية منه الى تهديد يومي واقعي.

ومن الضروري التنويه الى انه لا توجد وسيلة عملية تضمن اخفاء وجودك بالكامل عن أي استشعار لاسلكي دون تحويل المكان الى ما يشبه قفص فاراداي الذي يحجب الموجات الراديوية بالكامل، وهذا حل غير عملي لاي منزل لانه سيمنع ايضا الاتصالات اللاسلكية العادية بما فيها الهاتف والانترنت.

خلاصة بلا مبالغة

المراقبة فعلا لم تعد تحتاج دائما الى عدسة، والاشارات اللاسلكية اصبحت قادرة على العمل كنوع من الحاسة الرقمية التي تستشعر وجود الانسان وحركته داخل الفضاء المحيط. هذه حقيقة علمية مدعومة بابحاث جادة وتطبيقات تجارية قائمة فعلا. لكن في المقابل يجب عدم المبالغة في تصوير الامر وكأن كل راوتر في كل منزل يراقبك بدقة كاميرا خفية. التقنية الحالية اقل دقة بكثير من الكاميرا في التعرف على الهوية او انتاج تفاصيل بصرية واضحة، وتبقى في الغالب اداة استنتاج احصائي محدودة النطاق.

افضل موقف واقعي هو الوعي بان الراوتر الحديث قد يحمل قدرات تتجاوز مجرد توفير الانترنت، مع اتخاذ خطوات بسيطة لتقليل المخاطر دون الدخول في حالة قلق غير مبررة من كل جهاز لاسلكي في المنزل.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُقاس المحبة بميزان مختلف: حقيقة العلاقات الاجتماعية في ...
- أنت تحمل أشخاصاً لم تلتقِ بهم بعد
- عدم اليقين كأداة حكم: قراءة في الواقع العراقي
- دراسة تحليلية وتطبيقية في تفسير النوستالجيا الجماعية في ظل ا ...
- المعنى: البوصلة الداخلية للوعي البشري
- حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة
- أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين: هل حان وقت قرار المصير؟


المزيد.....




- وثائقي على CNN.. أهدى حبيبته ما ظن أنه عطر فاخر لكنه كان يحت ...
- إنقاذ طاقم سفينة حاويات اشتعلت فيها النيران قرب مضيق هرمز
- لماذا لا تتجه أمريكا وإيران إلى مواجهة شاملة؟ محلل عسكري يجي ...
- قطر تعلن إصابة 3 أشخاص منهم طفل بسقوط شظايا نتيجة اعتراض صوا ...
- البهائيون حول الوضع في إيران - -نخشى الأسوأ-
- غلاف جديد للمباني القديمة .. ابتكار ألماني يغيّر مفهوم الترم ...
- الخارجية الإيرانية تكشف تفاصيل اجتماع عراقجي بنظيره العماني ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 349 مسيرة أوكرانية خلال الليلة ...
- وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام
- قطر.. تسجيل 3 إصابات بينها طفل جراء سقوط شظايا بعد -الاعتداء ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام