عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 00:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: العراق مختبر عالمي لعدم اليقين المزمن
عند محاولة تطبيق الإطار النظري حول "الاستثمار السياسي في عدم اليقين" على الحالة العراقية، نجد أنفسنا أمام حالة فريدة وربما استثنائية. العراق لم يعرف عدم اليقين كحالة مؤقتة أو كأزمة عابرة، بل كـ بنية وجودية مستدامة امتدت لعقود. من الحروب المتعاقبة، مروراً بالحصار الاقتصادي، وصولاً إلى الاحتلال وما تلاه من نظام تقاسم طائفي، أصبح عدم اليقين هو الثابت الوحيد في حياة العراقيين. هذا الواقع جعل العراق يبدو كمختبر طبيعي لإنتاج عدم اليقين سياسياً واستثماره اقتصادياً واجتماعياً.
أولاً: إنتاج عدم اليقين المؤسسي في العراق
1. نظام تقاسم السلطة: عدم يقين مؤسسي مبرمج
منذ عام 2003، بني النظام السياسي العراقي على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية، وهو نظام ينتج عدم اليقين بشكل منهجي. هذا النظام لا يقوم على أسس واضحة ومستقرة، بل على توازنات هشة تتغير باستمرار. النتيجة هي:
غموض في تحديد المسؤوليات: من المسؤول عن الفشل؟ الحكومة المركزية؟ الأقاليم؟ الأحزاب؟ المواطن لا يعرف لمن يوجه مطالبه.
تغيير القواعد باستمرار: التحالفات السياسية تتغير، القوانين تُسن وتُلغى، الاتفاقات تُعقد وتُخترق.اللجان التحقيقية تُشكل ونتائجها لاترى النور.
فراغ في صنع القرار: غياب رؤية وطنية واضحة يترك المواطن في حالة ترقب دائم.
هذا ليس مجرد فشل مؤسسي، بل قد يكون نمط حكم قائم بذاته، حيث عدم اليقين هو أداة للحفاظ على التوازنات الهشة بين الكتل المتنافسة.
2. غياب العقد الاجتماعي الواضح
العراق يفتقر إلى عقد اجتماعي واضح بين الدولة والمواطن. الحقوق والواجبات غير محددة بدقة، والقوانين يتم تطبيقها بشكل انتقائي. هذا الغموض يُبقي المواطن في حالة من التبعية للوساطات والعلاقات الشخصية، بدلاً من الاعتماد على مؤسسات واضحة.
ثانيًا: المستفيدون من عدم اليقين في العراق
1. الطبقة السياسية
النخبة السياسية العراقية هي المستفيد الأول من حالة عدم اليقين المزمنة. في بيئة واضحة ومستقرة، سيكون المواطن قادراً على محاسبة المسؤولين. أما في بيئة الغموض، فيصبح من المستحيل تحديد المسؤولية.
أن عدم اليقين يسمح بـ:
توزيع اللوم: كل طرف يلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر.
تأجيل الإصلاحات: بحجة "الظروف غير المستقرة".
إعادة إنتاج الأزمة: لأن الأزمة هي التي تبرر وجود النخبة الحالية.
2. الإعلام العراقي
الإعلام في العراق ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو منتج لعدم اليقين. التغطية الإعلامية تركز على:
تضخيم التهديدات الأمنية
بث الأخبار المتضاربة
توفير منصة لخطاب الكراهية والتحريض
ان هذا الإعلام لا يعكس عدم اليقين فقط، بل يغذيه باستمرار، لأن القلق والتوتر هما ما يحققان المشاهدات والتفاعل.
3. قطاع الأمن الخاص
في بيئة عدم اليقين الأمني، تزدهر التشكيلات المسلحة التابعة لقوى سياسية. الشركات الأمنية، الحراس المسلحون، أنظمة الحماية الموازية، كلها تزدهر في غياب يقين أمني توفره الدولة.
4. الوسطاء والسماسرة
عندما تكون القواعد غير واضحة، تصبح الـ واسطة هي العملة الأقوى. السماسرة السياسيون، الوسطاء الإداريون، "الرشوة" في الدوائر الحكومية، كل ذلك يستفيد من غياب اليقين المؤسسي.
ثالثًا: اليقين الزائف في العراق
1. الخطاب الطائفي كيقين زائف
في مواجهة عدم اليقين المزمن، يلجأ الكثير من العراقيين إلى اليقين الزائف الذي توفره الخطابات الطائفية والإثنية. هذه الخطابات تقدم إجابات بسيطة وواضحة عن أسئلة معقدة:
"المشكلة هي الطرف الآخر"
"نحن المظلومون وهم الظالمون"
"الحل هو في الانتصار لطائفتنا"
هذا اليقين الزائف قد يكون أخطر من عدم اليقين نفسه، لأنه يغذي الانقسامات ويجعل الحلول التوافقية مستحيلة.
2. اليقين الزائف للقوى الخارجية
التدخلات الإقليمية والدولية في العراق تقدم أيضًا يقينًا زائفًا. كل قوة خارجية تقدم نفسها كـ "حامية" لمكون معين، وتوفر له يقينًا وهميًا بأنها ستحميه. هذا اليقين الزائف يمنع المكونات من بناء ثقة متبادلة.
رابعًا: إعادة توزيع السلطة المعرفية في العراق
1. تراجع المؤسسات التقليدية
المؤسسات التقليدية التي كانت تقدم اليقين للمواطن العراقي (الجامعات، الإعلام الرسمي، القضاء) فقدت مصداقيتها بشكل كبير. هذا التراجع خلق فراغاً معرفياً.
2. صعود المؤثرين الجدد
في غياب المؤسسات الموثوقة، ظهرت مصادر جديدة للمعرفة واليقين:
خطباء المنابر الدينية: يقدمون يقيناً دينياً في عالم سياسي مضطرب.
نشطاء التواصل الاجتماعي: يقدمون تحليلات سريعة ومباشرة.
القنوات الفضائية الطائفية: تقدم "حقيقة" بوجه واحد لا تقبل النقاش.
هذا التحول في السلطة المعرفية يعيد تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية في العراق.
خامسًا: إعادة تشكيل الأفق الزمني للعراقي
1. تقصير الأفق الزمني
عقود من عدم اليقين جعلت العراقي يعيش في "الآن الممتد". التخطيط للمستقبل أصبح ترفاً لا يمكن تحمله:
الشباب يؤجلون الزواج وبناء الأسر
الاستثمار طويل الأجل شبه معدوم
الهجرة تصبح الخيار العقلاني الوحيد
2. ثقافة البقاء اليومي
العراقي تحول إلى خبير في إدارة البقاء اليومي، لكنه فقد القدرة على التخطيط الاستراتيجي. هذه الثقافة تجعل من الصعب بناء مشاريع وطنية طويلة الأجل.
سادسًا: عدم اليقين كسمة ثقافية عابرة للأجيال
1. انتقال الصدمة عبر الأجيال
الأجيال التي ولدت بعد 2003 لم تعرف سوى العراق ما بعد الغزو. بالنسبة لهم، عدم اليقين ليس حالة استثنائية، بل هو الوضع الطبيعي. هذا يعني أن استراتيجيات التكيف مع عدم اليقين أصبحت جزءاً من الهوية الجيلية.
2. الذاكرة المؤسسية للصدمة
المشاريع التي توثق الذاكرة العراقية، مثل مشروع "Ruptured Domesticity"، تظهر كيف أن الصدمة وعدم اليقين أصبحا جزءاً من النسيج الثقافي العراقي. الذاكرة الجماعية للصدمات المتكررة تنتقل عبر القصص العائلية والطقوس الاجتماعية.
3. الهوية العراقية بين اليقين المفقود واليقين الزائف
الهوية العراقية نفسها أصبحت موقعاً للصراع بين:
اليقين المفقود: حنين إلى عراق ما قبل الحروب (قد يكون أسطورياً)
اليقين الزائف: هويات طائفية وإثنية مغلقة
عدم اليقين الإبداعي: محاولات لبناء هوية عراقية جديدة تتجاوز الانقسامات
سابعًا: العتبة المثلى لعدم اليقين في العراق
1. هل وصل العراق إلى عتبة الانفجار؟
السؤال الجوهري: هل وصل عدم اليقين في العراق إلى درجة تهدد بانهيار النظام الاجتماعي؟ أم أن هناك آليات تكيف تمنع هذا الانهيار؟
الاحتجاجات العراقية المتكررة (2011، 2015، 2019-2020) تشير إلى أن عدم اليقين وصل إلى عتبات حرجة. لكن في كل مرة، تمكن النظام من امتصاص الصدمة عبر:
تقديم وعود إصلاحية جزئية
استخدام القوة المفرطة
إعادة توزيع الموارد بشكل مؤقت
2. لماذا يبدو الشعب العراقي عاجزاً أمام التغيير؟
هذا السؤال الذي يطرحه الكثير من المحللين له إجابات معقدة نوجزها بما يلي:
الإرهاق: عقود من الصدمات جعلت الكثيرين في حالة من العجز المكتسب
انعدام البديل: غياب رؤية واضحة لمستقبل بديل
الخوف من المجهول: عدم اليقين الحالي قد يكون أفضل من عدم يقين أسوأ
استراتيجيات البقاء الفردية: كل عائلة تطور طرقها الخاصة للتعامل مع الأزمة، مما يضعف العمل الجماعي
ثامنًا: نحو استراتيجية للتعامل مع عدم اليقين العراقي
1. بناء يقين مؤسسي تدريجي
بدلاً من محاولة القضاء على عدم اليقين بشكل كامل (وهو أمر غير واقعي)، يمكن العمل على بناء جزر من اليقين المؤسسي:
تبسيط الإجراءات الحكومية
توحيد القوانين وتطبيقها بشكل متساوٍ
بناء مؤسسات رقابية مستقلة
2. تعزيز الثقافة المدنية
مواجهة اليقين الزائف الطائفي تتطلب بناء ثقافة مدنية تقبل بالاختلاف والتعقيد. هذا يتطلب:
إصلاح المناهج التعليمية
دعم الإعلام المستقل
خلق مساحات للحوار بين المكونات
تشريع قوانين تجرم التحريض والانقسام الطائفي
3. إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن
الثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، لكنها تبدأ بـ:
الشفافية في القرارات الحكومية
أطلاع الرأي العام على نتائج التحقيقات
محاسبة الفاسدين بشكل علني
تقديم خدمات أساسية واضحة ومستقرة
4. الاستثمار في الشباب
الشباب العراقي هم الأكثر تضرراً من عدم اليقين، لكنهم أيضاً الأكثر قدرة على تجاوزه. من خلال الاستثمار في:
التعليم والتدريب
ريادة الأعمال
المشاركة السياسية الحقيقية
يمكن أن يخلق جيلاً جديداً قادراً على التعامل مع عدم اليقين بشكل إبداعي بدلاً من أن يكون ضحية له.
خاتمة: العراق بين إدارة عدم اليقين وتجاوزه
العراق يقدم حالة فريدة لدراسة عدم اليقين كأداة حكم. النظام السياسي القائم على المحاصصة ينتج عدم اليقين بشكل منهجي، والنخبة المستفيدة تستثمر في إدامته. في المقابل، يطور العراقيون استراتيجيات معقدة للتعامل مع هذا الواقع، تتراوح بين التكيف اليومي والهروب (الهجرة) والاحتجاج الدوري.
الاستنتاجات الخاصة بالحالة العراقية:
عدم اليقين في العراق ليس مجرد نتيجة جانبية للأزمات، بل هو نتاج نظام حكم قائم على المحاصصة.
هناك مستفيدون واضحون من عدم اليقين: النخبة السياسية، الإعلام الطائفي، قطاع الأمن الخاص، الوسطاء.
اليقين الزائف (الطائفي، الإثني) قد يكون أخطر من عدم اليقين نفسه.
عدم اليقين أعاد تشكيل الأفق الزمني للعراقي، وجعله يعيش في "الآن الممتد".
الصدمة وعدم اليقين أصبحا سمة ثقافية عابرة للأجيال.
العراق لم يصل بعد إلى عتبة الانفجار الكامل، لكنه يقترب منها باستمرار.
الرهان الأكبر: هل يستطيع العراق بناء يقين مؤسسي تدريجي يخرج المواطن من دوامة عدم اليقين المزمن، أم أن النظام سيواصل استثماره في الغموض حتى نقطة الانهيار؟ الإجابة على هذا السؤال هي من ستحدد مستقبل العراق لعقود قادمة.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟