عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 07:35
المحور:
قضايا ثقافية
حين يخطو الإنسان سنواته الأولى في المهجر، تكون انطباعاته الأولى مبنية على ما تراه العين أكثر مما تدركه التجربة. فيلفت انتباهه قلة التزاور، وندرة السهرات، وإغلاق الأسواق أبوابها في السادسة أو السابعة مساءً، بينما كنا قد اعتدنا في بلداننا على حياة لا تهدأ إلا بعد منتصف الليل، بل إن بعض الأسواق والمقاهي في دول الشرق الأوسط تظل نابضة بالحركة حتى ساعات الفجر الأولى، حتى يخيل للزائر أن النوم ليس ضمن برنامج أهلها. شوارع تعج بالأطفال يلعبون بعد صلاة العشاء، وبيوت أبوابها شبه مفتوحة للأقارب والجيران في أي وقت، ومجالس لا تحدد لها مواعيد مسبقة لأن الزيارة نفسها لا تحتاج إلى استئذان.
هذا التباين الحسي، المباشر والملموس منذ الأسبوع الأول للوافد الجديد، يترك أثرا نفسيا سريعا يصعب مقاومته، إحساس بالبرود وشعور بأن شيئا جوهريا في العلاقة بين الناس قد فقد هنا، وأن هذه المجتمعات رغم كل تقدمها المادي والتنظيمي، خسرت الدفء الذي كنا نعرفه.
ومن السهل أن يظن القادم حديثا أن تلك المجتمعات باردة، وأن العلاقات الإنسانية فيها ضعيفة أو محدودة، أو أن الفردانية استبدلت الروابط الإنسانية بجدول أعمال جاف لا مكان فيه للقلب. لكن ما إن تمضي السنوات وتتسع دائرة العلاقات، ويعيش الإنسان تفاصيل المجتمع من داخله، حتى يكتشف أن الصورة الأولى لم تكن سوى المظهر، وأن الحقيقة أعمق بكثير من مجرد أسواق تُغلق مبكرًا أو سهرات تقلّ عددًا.
الوقت كمورد محدود لا كسلعة متاحة بلا ثمن
حين يصبح للإنسان بيت يديره، وأسرة يرعاها، وعمل يلتزم به بدقة صارمة لا تسمح بتأخير أو ارتجال، ووالدان يحتاجان إلى بره ولو من بعيد عبر مكالمة أسبوعية منتظمة، وإخوة وأخوات وأقارب يقتطع كل منهم جزءا من وقته واهتمامه، يدرك أن اليوم ليس بلا نهاية، وأن الطاقة البشرية ليست بلا حدود. عندها يتعلم أن يقول: نعم، لمن يستطيع الوفاء بحقه، ولا، لما يعجز عن القيام به كما ينبغي.
هذا الدرس بالذات هو ما يغيب عن كثير من القادمين حديثا في سنواتهم الأولى، لأنهم اعتادوا في بلدانهم الأصلية على نموذج اجتماعي مختلف كليا: حيث تتداخل الأوقات، وتتشارك الأسر في رعاية بعضها البعض بشكل عفوي غير مجدول، وحيث الزيارة المفاجئة ليست إزعاجا بل تعبيرا عن القرب. في المقابل، يبني الإنسان في المجتمعات الغربية، مع مرور الوقت، وعيا مختلفا بمفهوم الوقت نفسه: أنه رأس مال محدود، لا يجوز إنفاقه بلا حساب، وأن منحه لشخص ما هو، بحد ذاته، هدية ثمينة لا ينبغي التقليل من شأنها لمجرد أنها جاءت في موعد محدد مسبقا لا بشكل عفوي.
إعادة تعريف قوة العلاقة
في مجتمعات المهجر لا يقلّ الناس محبةً لبعضهم، ولكنهم أكثر وعيا بقيمة الوقت، وأكثر حرصا على احترام خصوصية الآخرين. فهم لا يقيسون قوة العلاقة بعدد الزيارات أو طول السهرات، بل بصدق المودة، والوفاء عند الحاجة، والالتزام بالمواعيد، وإعطاء كل جانب من جوانب الحياة حقه.
هذا الفارق في القياس يظهر بوضوح في لحظات الأزمات، لا في الأيام العادية. الصديق الذي لا تراه إلا مرتين في السنة، لكنه أول من يصلك متصلا حين يعلم بمرضك، أو أول من يعرض مساعدته الفعلية حين تمر بضائقة، هو صديق حقيقي بأي معيار، حتى لو لم تجمعكما سهرة أسبوعية. الجار الذي لا يطرق بابك كل مساء، لكنه يترك لك رسالة مطمئنة حين يلاحظ أن سيارتك لم تتحرك من مكانها لأيام، أو يعرض عليك رعاية أطفالك دون تردد حين تحتاج، يمارس شكلاً من أشكال الجيرة لا يقل أصالة عن الجيرة التي عرفناها، وإن اختلف إيقاعه الظاهري.
كثير من هذه المجتمعات، إضافة إلى ذلك، طوّرت أطراً منظّمة للتضامن الاجتماعي لا تعتمد على العفوية بقدر ما تعتمد على الاستمرارية والالتزام: جمعيات الحي التي يتطوع فيها السكان لرعاية شؤون منطقتهم المشتركة، شبكات دعم كبار السن التي يتناوب عليها المتطوعون بجداول منتظمة، مجموعات الأهالي التي تتشارك في نقل الأطفال إلى المدارس أو رعايتهم بالتناوب، ونوادٍ اجتماعية ورياضية وثقافية تجمع الناس بانتظام أسبوعي محدد، لا عشوائي، لكنه ثابت لا ينقطع لسنوات طويلة أحيانا. هذه الأطر، رغم أنها "منظمة" بمعنى يبدو بارداً للوهلة الأولى، تخلق في الواقع نوعا من الاستقرار العلائقي يفوق أحيانا متانة العلاقات العفوية التي تتقلب مع تقلبات المزاج والظروف.
رعاية المسنين، حين تصان الكرامة بالتنظيم لا بالعاطفة وحدها
من أكثر الملفات التي سيء فهمها في هذا السياق، ملف رعاية كبار السن. حين يرى القادم الجديد أسرة غربية تضع أحد والديها المسنين في دار رعاية متخصصة، يتبادر إلى ذهنه للوهلة الأولى انطباع قاس: أن هذا المجتمع تخلى عن أبسط واجب إنساني، وأن الأبناء هجروا من رباهم صغارا حين كبر واحتاج إليهم.
لكن التأمل الأعمق في هذا الخيار يكشف عن فلسفة مختلفة تماماً، اتفق عليها المجتمع بوعي جماعي تراكم عبر عقود، لا عن جفاء عاطفي أو تنصّل من المسؤولية. فدور رعاية المسنين في هذه البلدان ليست أماكن للتخلي، بل مؤسسات متخصصة توفر لكبار السن ما يصعب أحياناً على أسرة عادية، مهما بلغ حرصها وحبها، أن توفره بالكفاءة نفسها، رعاية صحية متواصلة على مدار الساعة، بإشراف طواقم طبية وتمريضية مدرَّبة تحديداً على التعامل مع أمراض الشيخوخة وتعقيداتها، وبيئة مجهزة بكل ما يلزم من أجهزة ووسائل سلامة، وبرامج نشاط يومي مصممة خصيصاً لإبقاء المسن فاعلاً ذهنيا وجسديا لا مجرد قابع في غرفة منتظراً الوقت يمرّ.
الأهم من هذا كله، أن هذا الخيار يحمي كرامة المسن نفسه من أخطر ما قد يتعرض له،وهو أن تقدم الرعاية له دون مستواها الصحي الحقيقي، على يد أبناء مرهقين بأعباء عملهم وأسرهم الخاصة، لا يملكون الوقت ولا التدريب الكافي لتقديم رعاية طبية دقيقة، فتتحول الرعاية بحسن نية إلى إهمال غير مقصود، أو إلى نوع من الإذلال غير المعلن حين يتم ترك المسن دون النظافة أو المتابعة الصحية التي يستحقها لأن من يرعاه مثقل فوق طاقته أصلاً. في حين ان الدار المتخصصة، بمعاييرها الصارمة ورقابتها المستمرة، تضمن للمسن الحصول على مستوى ثابت من الرعاية، لا يتغير بحسب حالة الأبناء المزاجية أو ضغوط حياتهم اليومية، وهي بذلك أقرب إلى صون الكرامة منها إلى انتهاكها.
وهناك بُعد آخر لا يقل أهمية، غالبا ما يُغفل عنه في النقاش السطحي حول هذا الموضوع، هوأن هذا الاجراء سيحمي العلاقة بين المسن وأبنائه من خطرالتآكل الذي قد يصيبها حين يُفرض على الطرفين العيش في مساحة واحدة يوميا رغم اختلاف الأمزجة والطباع والتوجهات التي قد تتسع الفجوة بينها مع تقدم العمر. فكثيراً ما تتحول الرعاية اليومية المباشرة، حين يجد الطرفين انفسهم مجبرين عليها نتيجة العرف والقيم الالجتماعية، دون مساحة كافية من الاستقلالية لكلا الطرفين، إلى مصدر احتكاك متكرر: خلاف حول طريقة الطعام، أو موعد النوم، أو أسلوب التعامل مع الأحفاد، أو حتى حول قضايا أعمق تتعلق بأسلوب الحياة والقناعات التي تباعدت بين جيل وجيل. هذا الاحتكاك اليومي، إن تُرك يتراكم دون مخرج، قد يتصاعد إلى شجار مستمر، ويترك ندوباً في العلاقة أعمق بكثير مما قد يتركه ترتيب سكني منفصل يحفظ لكل طرف مساحته، بينما تبقى الزيارات المنتظمة والمكالمات اليومية والوقت المخصص فعلا للقرب، لا المفروض بحكم السكن المشترك، هي الرابط الذي يبقي المحبة حية دون أن تستنزفها الاحتكاكات الصغيرة اليومية.
بهذا المعنى، يصبح إيداع المسن في دار رعاية متخصصة، حين يتم اختيارها بعناية ويُحرص على الزيار التفقدية فيها والتواصل عبر الهاتف بانتظام صادق لا شكلي، شكلاً من أشكال البر لا نقيضه، بر يحفظ للمسن كرامته وصحته وأمانه، ويحفظ في الوقت نفسه للعلاقة الأسرية دفئها من التآكل، بدل أن يُترك الخياران الوحيدان المتاحان هما إما تحميل الأسرة عبئا يفوق طاقتها فتنهار العلاقة تحت وطأته، أو التخلي الكامل عن المسن في الشارع كما قد يحدث حين تغيب الخيارات المؤسسية المنظمة تماما.
الخصوصية كاحترام لا كجفاء
من أكثر ما يُساء فهمه في هذا السياق أيضا هو مفهوم الخصوصية نفسه. حين يتردد الجار الغربي في طرق بابك دون موعد مسبق، فهذا ليس نابعا من عدم اهتمام، بل من قناعة راسخة بأن وقتك وحياتك الخاصة ملك لك أنت، ولا يجوز لأحد أن يقتحمها دون إذن، مهما كانت نيته طيبة. هذه القناعة حين تُفهم بشكل صحيح، ليست نقيض المحبة، بل هي شكل آخر منها: احترام حدود الآخر، والثقة بأنه سيطلب المساعدة حين يحتاجها فعلاً، لا افتراض أنه بحاجة دائمة لرقابة اجتماعية أو تدخل غير مطلوب.
هذا يفسّر أيضًا ظاهرة أخرى يلاحظها القادمون الجدد، أن الدعوات الاجتماعية في الغرب تأتي غالبا مجدولة مسبقا، بأسابيع أحيانا، لا بشكل مفاجئ. هذا لا يعني بروداً، بل يعني أن المضيف يريد أن يمنحك وقتا خالصا، مُحضراً له بعناية، لا لحظة عابرة اقتطعت من زحمة يوم مزدحم أصلاً. كثير ممن عاشوا في هذه المجتمعات لسنوات طويلة يشهدون أن عشاء واحدا مخططا له بعناية، حيث يخصص المضيف ساعات كاملة من وقته وتركيزه لضيوفه دون تشتت، قد يحمل من الدفء والاهتمام الحقيقي ما لا تحمله عشر زيارات عفوية سريعة مزدحمة بالمقاطعات.
دروس التوازن التي يفرضها المهجر
ومع مرور الزمن، يكتشف كثير من المقيمين أن تنظيم الوقت ليس ترفاً، بل ضرورة، وأن انتقاء العلاقات ليس نوعا من الأنانية، بل هو حفاظ على التوازن النفسي والأسري. فليس كل من قلت زياراته قلت محبته، وليس كل من اعتذر عن مناسبة قد تغير قلبه، وإنما أدرك أن الحياة تصبح أكثر استقراراً عندما يعرف الإنسان حدود وقته وطاقته، ويمنحهما لمن يستطيع أن يؤدي حقهم بإخلاص.
بل إن كثيرا ممن عادوا لاحقاً لزيارة بلدانهم الأصلية بعد سنوات من الإقامة في الغرب، يعترفون بمفارقة لافتة، أنهم بدأوا يشعرون بإرهاق من كثرة الالتزامات الاجتماعية العفوية التي اعتادوا عليها يوماً، وأنهم افتقدوا ذلك الهامش من الخصوصية الذي منحهم إياه المهجر، دون أن يعني هذا أنهم افتقدوا الدفء الإنساني نفسه. الأمر أشبه بمن تعلّم لغة جديدة للتعبير عن المشاعر نفسها: الكلمات تغيّرت، لكن المعنى الذي تحمله بقي في جوهره واحداً.
المحبة التي لا تقاس بالساعات
لعل هذا هو أحد أهم الدروس التي يتعلمها الإنسان في المهجر، أن جودة العلاقات أهم من كثرتها، وأن المحبة الصادقة لا تقاس بعدد الساعات التي نقضيها معا، بل بما يبقى في القلوب من مودة واحترام، مهما تباعدت المسافات أو قلَّت اللقاءات.
فالصداقة التي تصمد ثلاثين عاما رغم أن أصحابها لا يلتقون سوى مرة أو مرتين سنويا، والجيرة التي تترجم إلى مساعدة فعلية صادقة وقت الحاجة لا إلى دردشة يومية فارغة، والعائلة التي تحافظ على تماسكها رغم تباعد أفرادها جغرافيا واختلاف جداولهم، ورعاية المسن التي تُصان بالتنظيم والكفاءة بدل أن تترك لأعباء عاطفية تفوق طاقة القائمين عليها، كلها أشكال حقيقية للرابط الإنساني، لا تقل أصالة عن تلك التي عرفناها في مجتمعاتنا الأصلية، بل ربما تتفوق عليها أحيانا لصدقها، لأنها نجت من اختبار الزمن والمسافة والانشغال، وبقيت قائمة رغم كل الأسباب التي كان يمكن أن تعمل على اضعافها.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟