أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في عصر التفاهة والاغتراب؟















المزيد.....


تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في عصر التفاهة والاغتراب؟


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 02:01
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك شعور يتكرر لدى كثير من القراء والمفكرين وإن اختلفت لغاتهم وتجاربهم، وهو ذلك الإحساس الخفي بأن العالم من حولهم يتحرك بسرعة هائلة بينما تتراجع قيمة كل ما يحتاج إلى تأمل أو صبر أو عمق. يفتح أحدهم هاتفه فيجد آلاف الصور والمقاطع والتعليقات تتدفق بلا انقطاع، ثم يغلقه بعد ساعة كاملة دون أن يشعر بأنه اكتسب فكرة واحدة تستحق البقاء. هذا ليس مجرد حنين إلى الماضي ولا شكوى رومانسية من تغير الزمن، بل هو سؤال حضاري عميق: لماذا أصبحت الأفكار نفسها تُعامَل كما تُعامَل السلع؟ ولماذا يبدو المفكر الحقيقي غريبًا داخل عالم يزداد ضجيجًا كل يوم؟

قبل كل شيء علينا ان نعرف ما هي التفاهة أصلًا؟

يستحق مفهوم التفاهة نفسه الى وقفة تعريفية، لأن كلمة "التفاهة" كثيرًا ماتم استخدامها بمعناها الدارج دون تدقيق، بينما تحمل هذه الكلمة في جذورها اللغوية والفكرية دلالة أعمق بكثير من مجرد "السخافة" أو "قلة الذوق".

لغويًا، تعود الكلمة إلى جذر "ت ف ه" الذي يدل في المعاجم العربية على الشيء القليل الخطر، الحقير القيمة، الذي لا وزن له ولا ثقل. والتافه في الاستعمال العربي القديم هو ضد الجليل والخطير، أي كل ما لا يستحق أن يُعتنى به أو يُلتفت إليه. وهذا يعني أن التفاهة في جوهرها اللغوي ليست فسادًا أو شرًا بقدر ما هي غياب للثقل والوزن والقيمة، وهو فارق دقيق لكنه جوهري.

أما علميًا وفلسفيًا، فقد ميّز مفكرون كثيرون بين التفاهة والجهل من جهة، وبين التفاهة والشر من جهة أخرى. فالجاهل يفتقر إلى المعرفة، والشرير يمتلك نية مؤذية واضحة، أما التافه فهو من يعيش في منطقة رمادية بينهما؛ لا هو معادٍ للحقيقة بوعي، ولا هو باحث عنها بجدية، بل هو ببساطة غير مكترث بالسؤال عن القيمة أصلًا. ومن أبرز من قارب هذا المفهوم فيلسوف السياسة الكندي ألان دونو في مطلع القرن الحادي والعشرين حين قدّم تحليلًا لما أسماه "حكم التافهين"، ورأى فيه أن الأنظمة الحديثة، الاقتصادية منها والإدارية والثقافية، تميل بطبيعتها إلى مكافأة الشخصية المتوسطة غير اللامعة وغير الخطيرة، لأنها لا تهدد أحدًا ولا تثير جدلًا ولا تتطلب مجهودًا استثنائيًا للتعامل معها، بعكس العبقري الذي يربك النظام بأفكاره الجريئة، أو المارق الذي يهدده بتمرده الصريح.

وثقافيًا، تختلف الشعوب في طريقة تسميتها لهذا الغياب للعمق، وإن اتفقت جميعها على استشعاره. ففي الثقافة الألمانية يشيع مصطلح جمالي قريب من هذا المعنى يصف كل عمل فني أو ذوق يقلّد السطح دون أن يبلغ الجوهر، بينما يستخدم النقاد الفرنسيون منذ عقود مصطلح "البنالية" للإشارة إلى ما تكرر حتى فقد قدرته على الإدهاش أو التحريك. وفي الموروث العربي القديم لم يكن التافه بالضرورة صفة أخلاقية سيئة بقدر ما كان وصفًا لكل ما هو عابر لا يستحق أن يُروى أو يُحفظ في الذاكرة الجماعية، وهو ما يفسر لماذا حرص القدماء على تدوين ما رأوه جليلًا وأهملوا عمدًا كل ما رأوه تافهًا، تاركين إيانا اليوم أمام مفارقة عكسية تمامًا؛ إذ صار ما هو تافه هو الأكثر تدوينًا وتوثيقًا وانتشارًا، بينما يواجه الجليل صعوبة حقيقية في إيجاد من يوثقه أو يحفظه.

وبهذا التعريف الثلاثي، اللغوي والعلمي والثقافي، يمكننا أن نفهم أن التفاهة التي نتحدث عنها في هذا المقال ليست غباءً ولا جهلًا ولا حتى سوءًا مقصودًا، بل هي نظام كامل يكافئ اللامبالاة بالقيمة ويعاقب كل من يحاول أن يمنح الأشياء وزنها الحقيقي.

حين ينقلب ترتيب الأولويات

عبر معظم تاريخه كان الإنسان يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن الوفرة، وكانت الفلسفة والدين والأدب والفنون تشكل البوصلة التي تحدد اتجاه المجتمع. أما اليوم فقد انعكست المعادلة؛ فالسوق لم يعد ينتج الأشياء فقط بل صار ينتج أيضًا الأذواق والاهتمامات وحتى طرق التفكير. لم تعد الثقافة تقود الاقتصاد، بل أصبح الاقتصاد يعيد تشكيل الثقافة وفق منطقه الخاص، أي وفق ما يجذب أكثر ويُستهلك أسرع ويحقق ربحًا أعلى.

وهكذا دخلت الفكرة إلى السوق، لكن السوق لا يسأل عن الحقيقة بل عن القابلية للبيع. لهذا أصبحت الفكرة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعدد الأسئلة التي تثيرها، وأصبح الكاتب مطالبًا بأن يكون مسليًا قبل أن يكون عميقًا، والمحاضر مطالبًا بأن يجذب الانتباه قبل أن يبني الحجة، حتى الإنسان نفسه بات يُختزل إلى "محتوى" يتنافس مع ملايين المحتويات الأخرى على ثوانٍ قليلة من انتباه المتلقي.

البعد الخفي الأصل: حين يتحول كل شيء إلى سلعة لا الفكرة وحدها

قبل الحديث عن مصير الفكرة تحديدًا، تستحق الظاهرة الأشمل وقفة خاصة، وهي أن منطق التسليع لم يتوقف عند الأفكار بل امتد ليشمل كل ما كان في الماضي بعيدًا عن منطق البيع والشراء. فالعلاقات الإنسانية نفسها باتت تُدار أحيانًا بمنطق "الاستثمار العاطفي" والعائد المتوقع منها، والجسد أصبح مساحة عرض تُقاس قيمتها بمدى جاذبيتها للنظر لا بما تحمله من معنى، وحتى الوقت الذي كان يُنظر إليه يومًا كهبة توهب لا تُشترى، صار سلعة تُدار وتُستثمر وتُحاسَب على كل دقيقة منها.

بل إن التسليع طال أيضًا ما كان يُعد في الماضي مقدسًا أو خارج نطاق السوق تمامًا؛ فالروحانية نفسها تحولت في كثير من صورها المعاصرة إلى منتج يُباع عبر دورات ومحاضرات وتطبيقات، والهدوء الداخلي صار خدمة تُشترى بالاشتراك الشهري، والعزلة التي كانت شرطًا للتأمل أصبحت هي الأخرى تُسوَّق كـ"تجربة" يمكن حجزها في منتجع فاخر. وهكذا لم يعد السؤال هو لماذا تحولت الفكرة إلى سلعة فحسب، بل لماذا لم يعد هناك أي مجال إنساني قادر على الإفلات من هذا المنطق أصلًا.

وما يجعل هذا الاتساع ملموسًا لا نظريًا هو الأمثلة اليومية التي أصبحنا نعيشها دون أن ننتبه لغرابتها. فتطبيقات المواعدة تحول لحظة اللقاء الإنساني الأول إلى واجهة تسويقية يُعرض فيها الشخص كمنتج له صورة جذابة ووصف مختصر، وتطبيقات التأمل التي كانت تعد بالهدوء تفرض اشتراكات شهرية على أبسط أشكال الصمت، ومحتوى "التطوير الذاتي" تحول إلى سوق ضخمة تبيع الشعور بالتحسن أكثر مما تقدم تحسنًا فعليًا. حتى الصداقة نفسها لم تسلم من هذا المنطق؛ إذ تحولت في بعض صورها الرقمية إلى عدد متابعين يُقاس وتفاعل يُحسب، بدل أن تبقى رابطة إنسانية بلا عائد محسوب.

والطفولة ذاتها، التي كانت آخر معقل بريء من منطق السوق، باتت اليوم مساحة استهلاك مبكر عبر الألعاب التي تُصمَّم لتستدرج طلبات الشراء المتكررة، وعبر محتوى الأطفال الذي يتحول صغاره أنفسهم أحيانًا إلى "منتج" يُعرض ويُتابَع من قبل الملايين. وحتى الحزن والفقد، وهما من أكثر التجارب إنسانية وخصوصية، وجدا طريقهما إلى السوق عبر محتوى يستثمر في لحظات الأسى العلنية لتحقيق تفاعل وانتشار.

والتفسير الأعمق لهذا الاتساع أن الاقتصاد الحديث لا يكتفي بإشباع الحاجات القائمة، بل يحتاج باستمرار إلى ابتكار حاجات جديدة كي يستمر النمو، فإذا استُنفدت الحاجات المادية التقليدية لم يبق أمامه سوى أن يتوغل في المساحات التي كانت تُعتبر يومًا خارج حساباته، من المشاعر إلى المعنى إلى العلاقة بالذات نفسها. وهذا ما يجعل تسليع الفكرة مجرد فصل واحد من رواية أكبر بكثير، عنوانها أن لا شيء يبقى بمنأى عن السوق ما دام قابلًا لأن يُعاش أو يُشعَر به أو يُرغَب فيه.

وإذا كان هذا هو حال العلاقات والجسد والوقت والروحانية، فليس مستغربًا أن تخضع الفكرة نفسها للمنطق ذاته، بل قد تكون الفكرة هي الحلقة الأخيرة والأخطر في هذه السلسلة؛ لأن تسليع شيء ملموس كالجسد أو الوقت يبقى محدود الأثر في نطاقه، بينما تسليع الفكرة يعني إعادة تشكيل الأداة التي بها نفهم كل ما سبق ونحاكمه، أي العقل ذاته. من هنا تصبح الصناعة التي تحدثنا عنها في الفكرة تحديدًا ليست استثناءً بل الحلقة الأكثر خطورة في منظومة تسليع شاملة تطال كل شيء تقريبًا.

صناعة كاملة لا مجرد ظاهرة عابرة

وإذا كانت الفكرة قد أصبحت حلقة في هذه المنظومة الشاملة للتسليع، فإن ما يجعل وضعها استثنائيًا هو أن تسليعها لم يبق في حدود البيع والشراء العابر، بل تحول مع الوقت إلى نظام إنتاج متكامل له آلياته الخاصة وأدواته الدقيقة في الترويج والانتشار. فأخطر ما حدث في عصرنا ليس انتشار التفاهة، فالتفاهة قديمة قدم الإنسان، بل تحوّلها إلى صناعة متكاملة لها قواعدها ومنطقها الاقتصادي. فالمنصات الرقمية لا تكافئ بالضرورة الأكثر علمًا أو صدقًا، بل تكافئ الأكثر قدرة على إبقاء العين معلقة بالشاشة، وكلما كانت الرسالة أسرع وأكثر إثارة وأقل تعقيدًا ازدادت فرص انتشارها.

والسبب بسيط إلى حد ما: الاقتصاد الحديث يعيش على الاستهلاك المستمر، ولا يقتصر هذا الاستهلاك على شراء هاتف أو سيارة بل يمتد ليشمل الأفكار نفسها. الفكرة العميقة مشكلة بالنسبة للسوق لأنها تجعل الإنسان يتوقف ويتأمل ويشكك ويعيد ترتيب أولوياته، أما الفكرة السطحية فمثالية لأنها تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة ليأتي غيرها بعد دقائق. فالرأسمالية الرقمية لا تحتاج إلى مواطن متأمل بقدر ما تحتاج إلى مستخدم لا يغادر الشاشة، ولهذا صارت المنصات تكافئ كل ما يثير الانفعال الفوري من غضب وسخرية وفضائح وإثارة وجدل عقيم، بينما يحتاج التفكير الحقيقي إلى الصمت والوقت والقراءة وإعادة النظر، وهذه كلها لا تحقق أرباحًا سريعة.

البعد الخفي الأول: حين يُهندَس الدماغ نفسه

ثمة زاوية لا يلتفت إليها كثيرون رغم أنها الأساس الفعلي لكل ما سبق، وهي أن ما يجري ليس مجرد صدفة ثقافية بل هندسة مقصودة لآليات الدماغ البشري. فالتطبيقات الحديثة لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تُصمَّم وفق مبدأ "التعزيز المتقطع"، وهو المبدأ نفسه الذي تعتمده آلات القمار؛ إذ لا يعرف المستخدم متى سيظهر له منشور مثير أو إشعار مهم، فيبقى يمرر الشاشة بحثًا عن تلك المكافأة غير المتوقعة. وكل مرة يحصل فيها على إعجاب أو تعليق أو مقطع مسلٍّ تُفرز كمية صغيرة من الدوبامين، فيتشكل مع الوقت مسار عصبي يربط بين فتح الهاتف والشعور بالارتياح.

هذا يعني أن ما نظنه ضعفًا في الإرادة أو نقصًا في التركيز ليس دائمًا كذلك، بل هو أحيانًا نتيجة مباشرة لتصميم متعمّد يستهدف أضعف نقاط الانتباه البشري. والمفارقة أن من يصمم هذه الأنظمة يدرك تمامًا هذه الآليات، بينما يظل أغلب المستخدمين يتعاملون معها وكأنها اختيار حر بالكامل.

البعد الخفي الثاني: حين تتقلص اللغة لتناسب الشاشة

من الزوايا التي نادرًا ما يُلتفت إليها أن التفاهة لا تكتفي بتغيير المحتوى بل تعيد تشكيل اللغة ذاتها التي نفكر بها. فالجملة الطويلة المركبة، القادرة على حمل فكرة معقدة بكل تفاصيلها وتحفظاتها، بدأت تفسح المجال لجمل قصيرة حادة تُصمَّم لتُقرأ في ثانيتين. والمفردة النادرة التي تحمل شحنة دلالية دقيقة تتراجع أمام كلمات أكثر عمومية وأسهل تداولًا.

وهذا ليس تفصيلًا شكليًا، لأن اللغة ليست وعاء محايدًا ينقل الفكر، بل هي التي تحدد حدود ما يمكن التفكير فيه أصلًا. حين تتقلص أدوات اللغة يتقلص معها مجال الفكرة الممكنة، فيصبح من الصعب فعليًا صياغة فكرة معقدة داخل بيئة تدرّبت على الاختزال، حتى لو توفرت النية والرغبة في العمق.

البعد الخفي الثامن: حين تسرّع المنصات موت الدهشة وتعمّق الاغتراب

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق في تحويل الأفكار والمشاعر الإنسانية إلى منتجات استهلاكية مكررة، وهو ما سرّع من وتيرة "البنالية"، أي موت الدهشة وابتذال كل ما هو جديد، وعمّق في الوقت ذاته شعور الفرد بالاغتراب عن ذاته وعن واقعه.

فمن ناحية أولى، تفرض خوارزميات منصات مثل تيك توك وريلز صيغًا وقوالب بصرية وموسيقية موحدة يعرفها المستخدمون باسم "الترندات"، وتكرار هذه الأنماط ملايين المرات يوميًا يكفي وحده لتحويل أي فكرة مبتكرة إلى فكرة مبتذلة خلال ساعات معدودة، إذ ما إن تظهر صيغة جديدة حتى تُستنسخ بلا حصر فتفقد بريقها بالسرعة نفسها التي اكتسبته بها. ويضاف إلى ذلك أن التدفق اللامتناهي للمحتوى ألغى تلك المسافة الزمنية التي كانت ضرورية لاستيعاب الجمال أو استيعاب الصدمة؛ فرؤية مأساة إنسانية على الشاشة تليها مباشرة رقصة طريفة أو إعلان مرح كفيلة بقتل القدرة على التعاطف والإدهاش معًا، وتصيب المتلقي تدريجيًا بما يشبه بلادة المشاعر. وفوق هذا وذاك، تحولت التجارب الإنسانية الأكثر عمقًا كالحزن والحب والنجاح ذاتها إلى "محتوى" يُصنع بعناية من أجل حصد الإعجابات والمشاهدات، فأفقدها هذا التصنيع عفويتها الأصلية وجعلها نسخًا مكررة ومصطنعة عن تجربة كانت يومًا فريدة لكل من عاشها.

ومن ناحية ثانية، لم يكتفِ هذا المنطق بتسريع موت الدهشة بل عمّق أيضًا اغتراب الفرد عن نفسه وعن محيطه. فقد صار كثير من المستخدمين يصنعون نسخة مثالية ومصقولة من حياتهم على هذه المنصات، وهذا الانفصال بين الذات الحقيقية المليئة بالعيوب والتناقضات، والذات الرقمية اللامعة التي تتشابه في قوالبها مع آلاف الحسابات الأخرى، يولّد اغترابًا داخليًا حادًا يجعل الفرد غريبًا عن صورته هو قبل أن يكون غريبًا عن الآخرين. وبالرغم من الاتصال الدائم بمئات "الأصدقاء" الافتراضيين، يعاني كثيرون من عزلة حقيقية عميقة، ذلك أن العلاقات الرقمية السطحية القائمة على تفاعل سريع من إعجاب أو تعليق عابر لا تلبي الحاجة الإنسانية الأصيلة للانتماء العميق، فتغذي شعورًا متناقضًا بالوحدة وسط الزحام. وربما يكون الأخطر أن مقاييس القيمة الذاتية نفسها انفصلت عن مصدرها الداخلي؛ فأصبح الإنسان يقيّم ذاته بناءً على مقاييس خارجية بنالية كعدد المتابعين وحجم التفاعل، بدلًا من دوافعه وقيمه الشخصية، وهو ما يجعله مغتربًا عن جوهره الخاص ومسيَّرًا برغبة جماهير افتراضية لا تعرفه أصلًا.

وهكذا يلتقي الخيطان في نقطة واحدة: فموت الدهشة الذي تصنعه الخوارزمية، واغتراب الذات الذي تولّده المقارنة الدائمة بنسخ مصقولة من الحياة، وجهان لعملة واحدة هي إفراغ التجربة الإنسانية من معناها الخام لصالح نسخة قابلة للعرض والقياس والمقارنة.

لماذا يشعر المفكر بالغربة؟

المفكر لا يعيش في الزمن نفسه الذي يعيش فيه الجمهور. فبينما يتنقل كثيرون بين عشرات الموضوعات في ساعة واحدة قد يقضي هو أسابيع أو أشهرًا وهو يطارد سؤالًا واحدًا، وبينما يبحث العالم عن إجابات سريعة يكتشف هو أن الأسئلة الجيدة أهم من الأجوبة الجاهزة. المجتمع يريد إجابة خلال عشر ثوانٍ، والتفكير يحتاج أحيانًا عشر سنوات؛ المجتمع يبحث عن اليقين، والعقل يبدأ بالشك. ولذلك يبدو أحيانًا كأنه يتحدث لغة أخرى، لا لأنها أرقى من لغة الناس، بل لأنها تنتمي إلى إيقاع مختلف تمامًا.

وليس هذا لأن الناس أغبياء، بل لأن البيئة كلها صارت مصممة ضد التركيز. فقد أصبح الانتباه هو العملة الأغلى في القرن الحادي والعشرين، ومن يملك الانتباه يملك السوق.

البعد الخفي الثالث: حين تصبح التفاهة أداة سيطرة لا مجرد ترفيه

يغيب عن كثير من المراقبين أن انشغال الجمهور بالتافه ليس دائمًا نتيجة عرضية للسوق، بل هو أحيانًا وظيفة مفيدة لمن يريد الإبقاء على الأوضاع كما هي. فالمجتمع المنشغل بالفضائح والمعارك الصغيرة والإثارة العابرة هو مجتمع أقل قدرة على متابعة قرار اقتصادي مصيري أو مساءلة سياسة عامة أو تنظيم موقف جماعي متماسك. ومنذ القدم عرفت السلطات أن إشغال الناس بمتعة سريعة أسهل من قمعهم بالقوة، وما اللهو المنظم الذي كانت تقدمه الإمبراطوريات القديمة لجماهيرها إلا نسخة مبكرة مما تفعله اليوم خوارزميات الترفيه الرقمي بشكل أكثر دقة وأقل تكلفة.

هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة مقصودة تدار من غرفة مغلقة، فالأمر غالبًا أبسط من ذلك؛ إذ يكفي أن يكون النظام القائم مستفيدًا من انشغال الناس، ليجد نفسه دون تخطيط واعٍ يكافئ كل ما يُبقي الانتباه بعيدًا عن الأسئلة الجوهرية. والنتيجة واحدة في الحالتين: مجتمع يظن أنه حر في اختياراته بينما هو موجَّه بعناية نحو ما لا يهدد الوضع القائم.

البعد الخفي الرابع: حين يصبح الوهم أكثر إقناعًا من الواقع

من الزوايا التي يتفطن لها الراصد الحاذق أن المشكلة لم تعد فقط في المفاضلة بين فكرة عميقة وأخرى سطحية، بل في تراجع قدرتنا أصلًا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع. فالصور المعدّلة، والمحتوى المولَّد آليًا، والشخصيات الرقمية التي تبدو أصيلة رغم أنها بلا وجود واقعي، كلها تصنع طبقة من التمثيل تتقدم أحيانًا على الواقع نفسه في قدرتها على الإقناع. يصبح الانطباع المصطنع أكثر جاذبية من الحقيقة الخام، لأن الأول صُمم خصيصًا ليكون مثيرًا بينما الثاني يأتي كما هو دون تجميل.

وهذا يضع المفكر أمام مأزق مضاعف؛ فهو لا يواجه فقط منافسة السطحي على انتباه الجمهور، بل يواجه أيضًا بيئة يتراجع فيها الحد الفاصل بين الصادق والمصطنع، بحيث يصبح الدفاع عن الحقيقة نفسها مهمة أشق مما كانت عليه في أي عصر سابق.

أزمة قديمة بسرعة جديدة

قد يبدو مغريًا أن نظن أن عصرنا هو الأسوأ في التاريخ، لكن التاريخ لا يقول ذلك. فقد اشتكى سقراط قبل أكثر من ألفي عام من مجتمع يفضّل البلاغة على الحكمة، وحذّر أفلاطون من السفسطائيين الذين كانوا يتاجرون بالكلمات بدل البحث عن الحقيقة، وكان الجاحظ في العصر العباسي يشكو من أدعياء العلم، ورأى ابن خلدون أن الحضارات حين تستغرق في الترف تضعف قدرتها على إنتاج المعنى. فالصراع بين الحقيقة والزيف قديم جدًا.

لكن الجديد اليوم هو الحجم والسرعة. في الماضي كانت التفاهة تحتاج سنوات لتنتشر، أما اليوم فهي تصل إلى مئات الملايين خلال ساعات. كان الجهل محليًا وأصبح عالميًا، وكانت الدعاية تحتاج دولة بأكملها وأصبح بمقدور شخص واحد أن يصنع وهمًا يشاهده العالم كله. التكنولوجيا لم تخترع هذا التوتر بين الفكر العميق والوعي السطحي، لكنها منحته سرعة غير مسبوقة، بحيث يمكن للسطحي أن ينتشر عالميًا في ساعات كما يمكن للعميق أن يضيع وسط سيل لا ينتهي من الضجيج.

البعد الخفي الخامس: مجتمع ينسى بالسرعة نفسها التي يتذكر بها

من الأبعاد التي يغفل عنها كثيرون أن هذا الفيض المستمر من المعلومات لا يُنتج فقط تفاهة بل ينتج أيضًا نسيانًا جماعيًا متسارعًا. فالخبر الذي كان يشغل العالم كله بالأمس يختفي اليوم تحت ركام من الأخبار الجديدة، والقضية التي أثارت غضبًا عارمًا قبل أسبوع تبدو اليوم وكأنها لم تحدث. وهذا النسيان المتسارع ليس عارضًا جانبيًا بريئًا، بل هو شرط ضروري لاستمرار الصناعة نفسها؛ إذ لو احتفظ الناس بذاكرة طويلة تجاه كل قضية لما توفرت المساحة الذهنية اللازمة لاستقبال الموجة التالية من المحتوى.

والنتيجة أن المجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على بناء سردية متماسكة عن نفسه وعن تاريخه القريب، لأن الذاكرة الجمعية تحتاج إلى ثبات نسبي كي تتشكل، بينما تعيش هذه الذاكرة اليوم في حالة تفتت مستمر تجعل من الصعب حتى استخلاص العبر من أحداث الأمس القريب.


البعد الخفي السادس: جيوب العمق الموازية

وما يغيب أيضًا عن الصورة العامة أنه في الوقت ذاته الذي تتوسع فيه صناعة التفاهة، تنشأ في الخفاء جيوب صغيرة من المقاومة الهادئة. مجموعات قراءة تلتقي أسبوعيًا بلا ضجيج، ونشرات بريدية متخصصة يقرؤها آلاف قليلون لكنهم أوفياء، وحركات تدعو إلى تقليص زمن الشاشة وإعادة الاعتبار للقراءة الورقية والتأمل البطيء. هذه الجيوب لا تصنع ضجيجًا إعلاميًا لأنها أصلًا لا تلعب باللعبة نفسها، لكنها موجودة وتتسع بهدوء، تمامًا كما كانت الحال دائمًا مع كل فكرة عميقة قبل أن تجد طريقها إلى التأثير الواسع.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم؛ أن الانتصار الذي يبحث عنه المفكر الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين ولا بسرعة الانتشار، بل باستمرار وجود هذه الجيوب مهما صغر حجمها، لأن التاريخ يعلّمنا أن التغيير الحقيقي لم يبدأ يومًا من المركز الصاخب بل من الأطراف الهادئة.

البعد الخفي السابع: مفارقة الأداة التي قد تُنقذ أو تُغرق

ثمة مفارقة أخيرة تستحق التوقف عندها، وهي أن الأداة التي تُتهم اليوم بتسريع التفاهة، أي الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المتقدمة، هي نفسها التي يمكن أن تصبح وسيلة لمقاومتها إن أُحسن توجيهها. فالخوارزمية التي تُصمَّم لتكافئ الإثارة يمكن أيضًا أن تُصمَّم لتكافئ العمق لو تغيرت أولويات من يبنيها، والأداة التي تختصر المعرفة يمكن أن تصبح وسيلة لتبسيط الأفكار المعقدة دون تسطيحها إذا استُخدمت بوعي نقدي.

هذه المفارقة تضع مسؤولية مضاعفة على عاتق من يصمم هذه الأدوات ومن يستخدمها في آن واحد، وتذكّرنا بأن التكنولوجيا في ذاتها ليست خيرًا ولا شرًا، بل هي مرآة تكبّر ما نضعه أمامها، سواء كان ذلك سطحية عابرة أو رغبة أصيلة في الفهم.

ولهذا فإن شعور المفكر بالوحدة ليس دليلًا على فشله، بل هو الثمن الطبيعي لمن يختار أن يسكن منطقة الأسئلة بدل منطقة الشعارات. فالعقل الذي يرفض أن يتحول إلى سلعة قد يخسر الشهرة السريعة، لكنه يحتفظ بما هو أثمن: حريته. والأفكار الكبرى تشبه البذور، تبدو صغيرة ومعزولة، لكنها هي التي تغيّر شكل الغابة بعد عقود.

هل انتصرت التفاهة إذن؟

لا، والتاريخ يحمل درسًا يدعو إلى شيء من الطمأنينة. فالحضارات الكبرى لم تبنها الأغلبية ولم يصنعها الأكثر صخبًا، بل صنعتها دائمًا أقلية صغيرة امتلكت الشجاعة لتفكر خارج اللحظة العابرة. الفلاسفة كانوا قلة، والعلماء كانوا قلة، والمصلحون كانوا قلة، والاكتشافات الكبرى لم تخرج يومًا من التصويت الشعبي. العقل لم يكن ظاهرة جماهيرية بل كان دائمًا مقاومة، والأفكار العظيمة لم تبدأ جماهيرية بل بدأت غالبًا غريبة بل ومستهجنة أحيانًا، وكل تقدم علمي أو فلسفي أو أخلاقي كان في بدايته رأيًا يرفضه السائد قبل أن يتحول مع الزمن إلى بديهة.

وربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: هل انتصرت التفاهة؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على قدرته على التفكير وسط عالم يربح كلما توقف الناس عن التفكير؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير المثقفين وحدهم، بل قد تحدد شكل الحضارة القادمة بأكملها.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام
- حين تُقاس المحبة بميزان مختلف: حقيقة العلاقات الاجتماعية في ...
- أنت تحمل أشخاصاً لم تلتقِ بهم بعد
- عدم اليقين كأداة حكم: قراءة في الواقع العراقي
- دراسة تحليلية وتطبيقية في تفسير النوستالجيا الجماعية في ظل ا ...
- المعنى: البوصلة الداخلية للوعي البشري
- حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...
- الهجرة: حين يضيق الوطن على الروح
- المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بين الواقع القائم والهواج ...
- الدولة التي غيّرت تقويمها: الاحتفالات السياسية وبناء الهوية ...
- الإلحاد في العراق بين الموقف الفلسفي وجرح الهوية
- بعد قرن كامل: العراق الدولة المفقودة والشرعية المستحيلة


المزيد.....




- -الموساد- يكشف عن -مخطط إيراني لاستهداف مسؤولين كبار داخل إس ...
- الكويت.. المؤبد لمواطن بتهمة التخابر مع إيران وحزب الله
- ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مرهون بالاعتراف بإسرائيل
- إلى أين وصلت جهود احتواء حرائق الغابات في تونس والجزائر؟
- بيانات: رصد 5 طائرات صهريج وطائرة إنذار أواكس تابعة للجيش ال ...
- الجيش الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على قطاع غزة (فيديو)
- ماكرون يرد على تصريحات سفير بلاده لدى الجزائر بشأن التأشيرات ...
- عراقجي: شخصيات مخترقة في الإدارة الأمريكية تتجاهل الواقع وتد ...
- الأزهر يهاجم إسرائيل مجددا بسبب بن غفير
- قلق بشأن صحة راشد الغنوشي بعد تعرضه لإغماء بالسجن


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في عصر التفاهة والاغتراب؟