عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 08:51
المحور:
قضايا ثقافية
تعرف الهجرة بأنها انتقال الأفراد أو الجماعات من مكان إقامتهم الأصلي إلى مكان آخر، بغرض الاستقرار الدائم أو المؤقت، وغالباً بحثاً عن مستوى معيشة أفضل، أو عمل، أو أمن. لكن مفهوم الهجرة أكثر تعقيدا من كونه انتقال من جغرافيا إلى أخرى، بل يتضمن أيضا الانتقال من ثقافة إلى ثقافة، ومن منظومة حياة إلى منظومة أخرى، ولهذا قد يرى شخصان البلد نفسه بصورة متناقضة تماماً؛ فيراه أحدهما جنةً بما يوفره من أمان واستقرار ورفاهية، بينما يراه الآخر جحيماً بسبب الوحدة أو اختلاف الثقافة أو ضغوط الحياة.
كثيراً ما تتحول أحاديث المهاجرين إلى ما يشبه المرافعات: هذا البلد "جنة"، وذاك "جحيم لا يُطاق"، وكأن الهجرة مباراة يجب أن ينتصر فيها طرف وينهزم فيها آخر. لكن الحقيقة أكثر تواضعًا وأكثر تعقيدًا في آن تجربة الإنسان في أي بلد لا تعكس البلد وحده، بل تعكس قبل كل شيء ثقافته هو، وتوقعاته، ومستوى دخله، ونمط حياته، ودرجة الرفاهية التي استطاع أن يبنيها لنفسه، وطبيعة عمله، وعلاقاته الاجتماعية، بل وشخصيته الخاصة وطريقته في تعريف السعادة.
فما يراه شخص "حياة مملة" قد يراه آخر حياة أكثر هدوء واستقرار وتمتع بالخصوصية. وما يعتبره أحدهم عزلة اجتماعية خانقة، قد يراه غيره احتراماً للخصوصية وعدم تدخل في شؤون الآخرين. المكان واحد، لكن العينين اللتين تنظران إليه مختلفتان تماماً.
لكل مهاجر تجربته الخاصة، ومعاناته، وتحدياته التي واجهها، ولذلك لا يصح أن تتحول تجربة فردية إلى حكم عام على بلد بأكمله. فالمهاجر القادم من قرية فقيرة يختلف في نظرته وتجربته عن مهاجر نشأ في مدينة حديثة ومتطورة، والمهاجر القادم من أفريقيا قد يحمل معه منظومة ثقافية واجتماعية مختلفة عن مهاجر قادم من آسيا أو أوروبا.
كما أن المستوى العلمي، والثقافة، واللغة، وتجربة الحياة السابقة، والوضع الاقتصادي، والقناعات الفكرية، وحتى طبيعة الشخصية، كلها عوامل تؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الإنسان المجتمع الجديد ويتفاعل معه.
ولهذا قد يعيش شخصان في الشارع نفسه، ويعملان في المدينة نفسها، وتتوفر لهما الظروف القانونية والاقتصادية ذاتها، ومع ذلك يخرج كل منهما بانطباع مختلف تماماً عن البلد الذي اختار العيش فيه.
فالهجرة في النهاية ليست تجربة واحدة، ولا المهاجرون نسخة واحدة من الإنسان؛ إنها تجارب متعددة بقدر تعدد الأشخاص الذين خاضوها. وما كان بالنسبة إلى أحدهم سبباً للاغتراب والوحدة، قد يكون بالنسبة إلى آخر سبباً للاستقرار والحرية وبداية حياة أفضل.
ومن هنا، فإن الحديث عن «الهجرة» يحتاج إلى شيء من التواضع؛ لأن تجربة الفرد مهما كانت صادقة وعميقة، تظل تجربته هو، وليست بالضرورة تجربة الآخرين.
إضافة لذلك لا بد ان نؤكد على حقيقة انه لا توجد دولة "مثالية مطلقة" أو بلد خارق يخلو من العيوب؛ فمفهوم "أفضل بلد" هو وهم نفسي واجتماعي يُعرف بعقدة البحث عن المثالية. وكل دولة تقدم حزمة متباينة من المزايا والعيوب، وما يناسب شخصاً قد لا يناسب غيره تماماً، فرص العمل، أو التكلفة. غالباً ما تتصدر دول مثل سويسرا، السويد، والدنمارك المؤشرات العالمية لجودة الحياة والاستقرار. فالمكان لا يُقاس فقط بما يملكه، وإنما بما يحتاجه الإنسان منه، وبما يحمله معه من ثقافة وتوقعات وتجارب سابقة. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: أيّ البلدين أفضل؟ بل: أفضل لمن؟
حين تتحول تجربة فردية إلى حكم عام
تشهد منصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر سجالات حادة، تتحول فيها تجارب شخصية إلى قناعات مطلقة يسهل تعميمها على بلد بأكمله. وعند تصفحنا لأي منشور غاضب عن "الهجرة العكسية" من إحدى الدول الأوروبية، سنجد النمط نفسه يتكرر، عبارات نارية عن "عقول عاجزة عن استيعاب الحقيقة"، مدعومة بأرقام مبتورة عن معدلات الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، ثم اقتباسات مبهرة من فنانين وكتّاب مشهورين يبدون وكأنهم يصادقون على الحكم القاطع نفسه، وينتهي المنشور بسخرية لاذعة ممن اختاروا البقاء.
المفارقة أن هذا النمط من الخطاب، رغم ثقته الظاهرة بنفسه، غالباً ما يقف على أرض هشة أكثر مما يبدو. فحين تُراجَع الاقتباسات المتداولة المنسوبة إلى مشاهير عالميين حول "بلد الجحيم" هذا أو ذاك، يتضح في كثير من الأحيان أنها لا تستند إلى مصدر موثق في أعمالهم أو مقابلاتهم المسجّلة، بل هي من نوع "الاقتباسات الفيروسية" التي تُنسخ ويُعاد صياغتها على الإنترنت حتى تكتسب صفة الحقيقة المسلَّم بها. والأمر نفسه ينطبق أحيانا على الإحصائيات: رقم صحيح يُنتزع من سياقه، أو يُقارَن بمعيار مختلف، ليخدم الخلاصة التي وصل إليها كاتب المنشور مسبقا لا ليختبرها.
وهذا بالضبط جوهر المشكلة: حين تكون النتيجة جاهزة سلفا -قناعة شخصية ولدت من تجربة فردية مؤلمة أو سعيدة- تتحول كل الأدلة اللاحقة، الموثقة منها وغير الموثقة، إلى مجرد ديكور يُراد منه إسكات الرأي الآخر لا فهم الظاهرة. وهذه هي المسابقة الحقيقية التي يجب أن تنتهي: ليست المسابقة بين "الجنة" و"الجحيم"، بل المسابقة بين من يملك الحجة الأعلى صوتاً، بغض النظر عن دقتها.
الوقت... العامل الغائب عن أغلب النقاشات
هناك عنصر جوهري كثيرا ما يتم استبعاده من هذه المقارنات ألا وهو الوقت.
فالإنسان الذي يعمل ساعات طويلة، ويعود إلى بيته منهكاً، ويقطع مسافات طويلة كل يوم، ويعيش تحت ضغط اقتصادي متواصل، لن تكون لديه المساحة نفسها التي يملكها شخص آخر يعمل ساعات أقل، أو يعيش في بيئة تمنحه وقت فراغ أوسع، لبناء علاقات اجتماعية حقيقية. وبالتالي، فإن نوعية العلاقات الاجتماعية التي يعيشها المهاجر ليست بالضرورة دائما دليلا على "انغلاق المجتمع" المضيف، بل قد تكون ببساطة، نتيجة مباشرة لنمط الحياة، وساعات العمل، والوقت المتاح فعلياً للناس.
الثقافة الأصلية... عدسة لا يمكن التخلص منها
لا يمكن أيضا فصل تجربة المهاجر عن ثقافته التي نشأ فيها، وعن تصوراته المسبقة عن معنى الحياة الجيدة. فالشخص الذي تربّى في مجتمع تقوم بنيته على العائلة الممتدة، والزيارات اليومية، والجلسات الطويلة، والعلاقات المتشابكة، قد يشعر بوحدة قاسية في مجتمع يضع حدوداً واضحة بين الحياة الخاصة والعامة. بينما شخص آخر، جاء من سياق مختلف، قد يجد في هذه الحدود بالذات راحته وحريته التي طالما بحث عنها.
الأمر إذن ليس في المجتمع المضيف وحده، بل في المسافة بين ما اعتاد الإنسان على فعله في موطنه الأصلي وما يواجهه الآن في بلاد المهجر.
الاكتئاب لا يصدر أحكامًا على بلد بأكمله
أما الاستدلال بوجود غياب للعلاقات الاجتماعية في الغرب وازدياد حالات الإصابة بالاكتئاب أو شعور بالوحدة لإثبات أن دولة ما "سيئة" أو أن الحياة فيها تعيسة بالضرورة، فهذا استنتاج متسرّع لا يصمد أمام الفحص. الاكتئاب والعزلة ظاهرتان إنسانيتان موجودتان في المجتمعات الغنية والفقيرة على حد سواء، في المنفتحة منها والمحافظة، في الحارة والباردة. وجودهما يستحق الدراسة والاهتمام فعلًا، لكنه لا يكفي وحده ليكون حكمًا نهائيًا على جودة الحياة في بلد بأكمله.
والأهم من هذا كله: الهجرة ليست مسابقة لإثبات أي بلد هو الجنة وأي بلد هو الجحيم.
من حق شخص أن يغادر سويسرا لأنه لم يجد فيها ما كان يبحث عنه، ومن حق شخص آخر أن يبقى فيها لأنه وجد فيها الأمان والاستقرار والرفاهية التي كان يريدها. وكلاهما، رغم اختلاف قراريهما، يمكن أن يكون صادقًا تمامًا في تجربته الخاصة.
بل إن "بلد المهجر" التي يعيشها شخص بدخل محدود ووظيفة مرهقة، ليست في الحقيقة البلد نفسها التي يعيشها شخص آخر بدخل مرتفع، وسكن مريح، ووقت فراغ كافٍ، وعلاقات اجتماعية جيدة. إنهما، من الناحية العملية، يعيشان في بلدين مختلفين تمامًا، وإن جمعهما جواز سفر واحد وعنوان بريدي واحد.
عن "مؤشر جودة الحياة" وحدوده
كثيرًا ما يستند النقاش حول الهجرة إلى أرقام مؤشرات جودة الحياة العالمية، وكأنها الفيصل النهائي في تقييم أي بلد. لكن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تقيس متوسطات عامة فقط: الدخل مقابل تكلفة المعيشة، جودة الرعاية الصحية والتعليم، الأمان والاستقرار السياسي، البنية التحتية، وأحيانًا - بشكل أقل حضورًا - درجة الحرية الشخصية وقوة الروابط الاجتماعية.
المشكلة أن هذه الأرقام تصف "متوسط الفرصة" المتاحة في بلد ما، لا "تجربة الفرد" الذي يعيش داخل هذا المتوسط. فشخصان قد يعيشان في المدينة نفسها، ضمن مؤشر جودة الحياة الرسمي نفسه، ومع ذلك يتخذان قرارين متعاكسين تمامًا: أحدهما يبقى، والآخر يرحل. والسبب أن كل واحد منهما يزن هذه العوامل بميزان مختلف تمامًا حسب أولوياته الحياتية، ومرحلته العمرية، وقابليته للتكيف الثقافي، والفجوة بين توقعاته المسبقة وواقعه اليومي.
فمن يمنح الاستقرار الاقتصادي أولوية قصوى قد يبقى راضياً رغم شعوره بالوحدة، بينما من يمنح الروابط الاجتماعية الأولوية قد يرحل رغم دخل ممتاز وخدمات رفيعة. وهنا يتكشف المعنى الحقيقي، في أن المؤشر الرقمي المنشور ليس هو ما يحسم قرار البقاء أو الرحيل، بل مدى التطابق بين ما يقدمه المكان فعلا وما يحتاجه هذا الإنسان بالتحديد.
البلدان ليست الصور السياحية الجميلة
لذلك، قبل أن نسخر ممن اختاروا الهجرة إلى بلد ما، أو ممن قرروا مغادرته، علينا أن نتذكر أن الأوطان لا تُقاس بجمال صورها السياحية، ولا بقمم جبالها وبحيراتها الفيروزية، كما لا تُختزل في أرقام الإحصاءات الرسمية وحدها. فالصورة الحقيقية لأي بلد لا تتكشف للسائح في أيام معدودة، ولا تُقرأ من خلف شاشة، وإنما تظهر لمن عاش فيه زمناً كافياً، وخبر تفاصيله، واحتك بحياته اليومية بكل ما فيها من كبير الأمور وصغيرها.
يمكن قياس الحياة في أي بلد من خلال تكاليف المعيشة فيه وقدرة الفرد على تلبية احتياجاته، وكفاءة وسائل النقل، وجودة سوق العمل وعدالة الأجور، والاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني، وسهولة الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وجودتها، ومستوى الحماية الاجتماعية، ونظام التقاعد والضمان الاجتماعي، ومدى رعاية ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع، فضلاً عن العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل والفرص.
وهناك أيضاً تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التقارير ولا تلتقطها عدسات السياح: كيف يقضي الإنسان يومه؟ كم من الوقت يستهلكه العمل والمواصلات؟ هل يستطيع أن يعيش بكرامة من دخله؟ هل يجد وقتاً لعائلته وأصدقائه؟ هل يشعر بالأمان والاستقرار؟ وهل تمنحه الدولة والمجتمع شعوراً بأنه إنسان له حقوق واحتياجات، أم أنه مجرد رقم في منظومة اقتصادية؟
هناك، في تفاصيل الحياة اليومية، تتشكل حقيقة البلد التي لا تظهر في الصور ولا في الشعارات. فالجبل الجميل قد يدهشك في رحلة قصيرة، لكن الذي يحدد إن كانت الحياة في ذلك البلد جميلة حقاً هو ما تجده عندما تستيقظ كل صباح وتبدأ يومك فيه.
وفي النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل هذه البلاد جنة أم جحيم؟
السؤال الأدق هو: هل استطاع هذا الإنسان، بالتحديد، أن يجد في المكان الذي يعيش فيه مستوى الحياة والعلاقات والوقت والحرية والأمان والسعادة الذي يتوافق مع احتياجاته وثقافته وتصوراته الخاصة؟
وهنا تحديدًا، حين نطرح السؤال بهذه الدقة، تبدأ الحقيقة، وتنتهي المبالغة.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟