عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:15
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
هل حدث أن انتهى الشيء الذي كنت تخشاه، لكنك لم تستطع أن تشعر بالأمان؟
أن تنتهي المشكلة، وتبقى أنت في حالة استعداد لها. أن يهدأ المكان من حولك، بينما يظل شيء في داخلك يترقب الخطر. أن تعبر مرحلة قاسية، ثم تكتشف أنك ما زلت تتصرف وكأنك تعيش فيها.
نحن جميعاً نخرج من بعض معارك الحياة ونحن نحمل شيئاً منها في داخلنا. نتعلم أن نحذر، أن نشك، أن نراقب، أن نكتم مشاعرنا، أو أن نبقى مستعدين للأسوأ. وفي اللحظة التي كنا فيها بحاجة إلى هذه الآليات، كانت تحمينا فعلاً. كانت الطريقة التي عرفنا بها كيف نواصل الطريق.
لكن ماذا يحدث عندما تنتهي المعركة؟
ماذا يحدث عندما يصبح المكان آمناً، بينما يظل العقل يتصرف وكأن الخطر لم ينتهِ؟
هنا تبدأ المفارقة. فالإنسان الذي تعلّم كيف ينجو قد يجد نفسه عاجزاً عن العيش. وما كان درعاً يحميه في الماضي، قد يتحول مع الوقت إلى قيد يمنعه من أن يشعر بالطمأنينة، وأن يثق، وأن يحب، وأن يخوض الحياة دون أن يتوقع ضربة في كل لحظة.
هذه هي «مفارقة النجاة»: أن تنجو من الشيء، ثم تكتشف أن جزءاً منك ما زال يعيش فيه... نعم المشكلة تبدأ حين تنتهي المعركة ويبقى الدرع في مكانه، ملتصقاً بالجسد حتى يصبح أشبه بجلد ثانٍ. هنا تظهر «مفارقة النجاة»: الأداة التي أنقذت الإنسان من الخطر قد تمنعه لاحقاً من أن يعيش بحرية.
هذه ليست فكرة نظرية بعيدة عن الواقع. بل يعيشها كثير ممن مروا بالحروب والصدمات والأزمات القاسية. عندما يواجه الإنسان خطراً يهدد وجوده، كالقصف المستمر، أو الملاحقة الأمنية، أو التهجير القسري، أو الانهيار المفاجئ لحياة مستقرة، يتولى «عقل النجاة» زمام الأمور.
في تلك اللحظة، يدخل الدماغ في حالة طوارئ. تتراجع كل الوظائف التي لا تخدم البقاء المباشر. تختفي الرغبة في الإبداع، وتتراجع الحاجة إلى الراحة، ويصعب على الإنسان أن يثق بالآخرين أو أن يبني علاقات هادئة. يصبح كل شيء موجهاً نحو هدف واحد: أن تمر هذه اللحظة ويظل الجسد حياً.
لكن الخلل لا يظهر أثناء المعركة، بل بعد انتهائها. قد يصل الإنسان إلى بلد آمن، أو يخرج من بيئة عمل مدمرة، أو ينهي علاقة مؤذية، ومع ذلك يحمل معه النظام الدفاعي نفسه. عقله لم يستوعب بعد أن الخطر انتهى. ينظر إلى الهدوء بريبة، ويراه فترة مؤقتة تسبق كارثة أخرى. وهكذا يتحول الدرع الذي أنقذه بالأمس إلى زنزانة تمنعه من العيش اليوم.
كيف يظهر سجن النجاة؟
1. بقاء العقل في وضع النجاة (Survival Inertia)
في الفيزياء، يميل الجسم المتحرك إلى الاستمرار في حركته ما لم تؤثر فيه قوة توقفه أو تغير اتجاهه. يحدث شيء مشابه في النفس البشرية. بعد انتهاء الخطر، قد يستمر الإنسان في حالة الدفاع نفسها: شك دائم، تحفز، ترقب، واستعداد مستمر للأسوأ، رغم أن البيئة من حوله أصبحت آمنة.
يعيش الإنسان بجسده في الحاضر، لكن عقله ووجدانه يواصلان العمل وفق قوانين الماضي. يشبه ذلك سائقاً اضطر إلى الضغط على المكابح بكل قوته لتجنب اصطدام وشيك، ثم يواصل الضغط عليها بعد توقف السيارة وزوال الخطر. جسده ما زال يتصرف وكأن الاصطدام سيقع في أي لحظة.
طارق مهندس برمجيات عاش سنوات تحت القصف والحصار في بلده. كانت حياته تعتمد على مهارات دقيقة للبقاء، من تمييز أصوات الطائرات والقذائف إلى تقدير الوقت المتاح للوصول إلى مكان آمن. نجح لاحقاً في الهجرة واستقر في مدينة ألمانية هادئة، وحصل على وظيفة جيدة وشقة مريحة.
لكن سنوات الأمان لم تُنهِ حالة التأهب داخله. صوت شاحنة مفاجئ في الشارع يكفي لارتفاع نبضه وتصبب العرق. لا ينام إلا والنوافذ مغلقة تماماً، ويحتفظ بمخزون سري من الطعام والماء يكفي لشهور. وفي العمل، يتعامل مع ملاحظات مديره وتعديلات المشاريع العادية بحساسية شديدة، وكأنها مقدمة لإقصائه أو تهديده.
الطاقة النفسية والجسدية التي ساعدته على النجاة في بلده الأم أصبحت تعيق حياته في برلين. التهديد انتهى، لكن رد الفعل عليه لم ينته.
2. اغتراب السلم
العيش سنوات في الخطر يعيد تشكيل طريقة استجابة الجسد والعقل. ارتفاع التوتر يصبح أمراً مألوفاً، ويعتاد الإنسان حالة التأهب إلى درجة يشعر معها بأنها حالته الطبيعية. لذلك، عندما يختفي الخطر ويأتي الهدوء، لا يشعر بالضرورة بالراحة. قد يشعر بدلاً من ذلك بالقلق والاغتراب، لأن السلم نفسه أصبح شيئاً غير مألوف.
عندها يبدو الهدوء غريباً، وربما مخيفاً. وقد يبدأ الإنسان، من دون وعي، في خلق مشكلات جديدة داخل بيئته الآمنة ليستعيد الإحساس المألوف بالسيطرة. هو يعرف كيف يتصرف عندما تقع الكارثة، لكنه لم يتعلم بعد كيف يعيش عندما لا تقع.
عاشت سارة خمس سنوات في علاقة زوجية مليئة بالتلاعب النفسي والشك والاضطهاد. كانت تقضي أيامها وهي تتوقع الصراخ والإهانة، وتراقب مزاج شريكها وتحاول التنبؤ بردود أفعاله حتى تحمي نفسها.
بعد أن تمكنت من الانفصال، ارتبطت برجل هادئ ومتفهّم يحترمها ويدعمها. كان يفترض أن يمنحها ذلك شعوراً بالأمان، لكن الهدوء أثار داخلها قلقاً شديداً. بدأت تشك في أن وراء هذا الهدوء شيئاً مخفياً، أو أن الرجل يستعد لخذلانها. أخذت تفتعل الخلافات، وتستخدم عبارات قاسية، وتتهمه بالبرود، ثم تستفزه حتى يغضب.
لم تكن تبحث عن الشجار لذاته، بل كانت تحاول، من دون وعي، العودة إلى البيئة النفسية التي اعتادها عقلها. أصبح الصراع مألوفاً، بينما صار الهدوء مصدراً للشك.
3. سجن الأمان القديم
الخندق أو القبو الذي احتمى فيه الإنسان من الخطر كان في وقت ما وسيلة للنجاة. لكن الخندق يؤدي وظيفته فقط ما دام الخطر قائماً. عندما تنتهي الحرب، يصبح الخروج منه ضرورياً. المشكلة تبدأ حين يرفض الإنسان مغادرته، فيتحول مكان الحماية إلى سجن.
هنا يتخلى الإنسان عن فرص النمو والحب والتجربة مقابل حياة محدودة داخل دائرة آمنة ومعروفة. الخوف من تكرار الألم القديم يجعل كل تجربة جديدة تبدو وكأنها مخاطرة، حتى عندما تكون فرصة حقيقية لحياة أفضل.
أحمد مسؤول تسويق في شركة عائلية مستبدة. تعرض الموظفون فيها للابتزاز النفسي والاستنزاف خارج ساعات العمل والتهديد المستمر بالفصل، بينما كانت إنجازاتهم تُقابل بالتجاهل. بعد فترة طويلة من الضغط والقلق، تمكن أحمد من الاستقالة.
بحثاً عن الأمان، قبل وظيفة بسيطة في مؤسسة حكومية صغيرة. العمل روتيني ولا يحتاج إلى خبراته، وفرص الترقية محدودة، والراتب بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية. مرت السنوات، بينما بقيت لديه المؤهلات والخبرة التي تؤهله لإدارة مشاريع تسويقية كبيرة. وصلته بالفعل عروض وفرص أفضل، لكنه كان يرفضها فوراً.
الخوف من الوقوع مرة أخرى في بيئة سامة جعله يتمسك بوظيفته الآمنة، حتى لو كان الثمن هو الجمود المهني. لقد خرج من الشركة، لكنه لم يخرج من الخندق الذي بناه خوفاً منها.
لماذا يبقى الدرع بعد انتهاء الخطر؟
في علم النفس، ترتبط هذه الحالة بآليات الدفاع التي يلجأ إليها الإنسان لحماية نفسه أثناء الصدمة. الإنكار، والعزلة النفسية، وتوقع الأذى، والحذر المفرط قد تكون استجابات مفيدة في ظروف معينة. المشكلة تبدأ عندما تستمر بعد انتهاء الظروف التي نشأت من أجلها.
عندها تصبح الآلية التي كانت تحمي الإنسان عائقاً أمامه. يبدأ في قراءة الحاضر بعين الماضي: يفسر الابتسامة على أنها خداع، والهدوء على أنه مقدمة لعاصفة، والملاحظة العادية على أنها تهديد.
ومن زاوية وجودية، تقترب الفكرة من تصور جان بول سارتر للحرية ومسؤولية الاختيار. الحرية تعني أن الإنسان مسؤول عن اختياراته وعن الطريقة التي يصوغ بها حياته. وهذا يجعلها عبئاً ثقيلاً أحياناً. الناجي الذي يبقى داخل درعه يجد في الخوف مبرراً جاهزاً لتجنب الاختيار. ما دام يرى نفسه في حالة طوارئ دائمة، فلن يضطر إلى المخاطرة بخوض الحياة واحتمالاتها.
وتتقاطع الفكرة أيضاً مع إريك فروم في كتابه «الخوف من الحرية». فالإنسان قد يهرب من اتساع الحرية وما يصاحبه من قلق إلى نظام أكثر صرامة، لأنه يمنحه إحساساً بالأمان. وهذا ما يحدث للإنسان الذي يتمسك بدرعه؛ يفضل الجدران التي يعرفها على مساحة مفتوحة لا يعرف ما ينتظره فيها.
ومن هنا تقترب التجربة من مفهوم «العبث» عند ألبير كامو. فالناجي يواصل حمل الحذر والشك والترقب حتى بعد أن تتغير البيئة من حوله. مثل سيزيف الذي يكرر دفع الصخرة إلى أعلى الجبل، يواصل الناجي دفع عبء الدفاع عن نفسه، رغم أن العالم الجديد لم يعد يطالبه بذلك.
كيف نستعيد الثقة؟
خلع الدرع لا يبدأ بالاندفاع نحو الآخرين، بل بإعادة بناء الثقة تدريجياً. الصدمة تجعل الآخر يبدو مصدراً محتملاً للأذى، وقد تجعل العزلة تبدو أكثر أماناً. لكن العزلة التي تحمينا من الخطر قد تتحول هي نفسها إلى سجن.
إعادة الثقة لا تعني التخلي عن الحذر أو منح الآخرين ثقة عمياء. المطلوب هو الانتقال من الشك الدائم إلى الحذر الواعي. نعطي الآخرين فرصاً صغيرة، ونراقب أفعالهم، ونسمح لهم بإثبات أنهم جديرون بالثقة. قد تبدأ المسألة بكلمة صادقة، أو مساعدة لا تنتظر مقابلاً، أو شخص يصغي إلينا من دون أحكام مسبقة.
ومع الوقت، يساعد الاحتكاك بالأشخاص الآمنين نفسياً على تصحيح الصورة التي تشكلت داخلنا. نكتشف أن العالم لا يتكون من الخطر وحده، وأن الماضي، مهما كان قاسياً، لا يملك الحق في تحديد شكل كل علاقة جديدة.
الثقة لا تعني أن الآخرين كاملون أو أنهم لن يخطئوا. تعني أننا لم نعد نعيش أسرى لاحتمال الأذى. أصبحنا قادرين على رؤية الإنسان أمامنا كما هو، لا كما كان الأشخاص في الماضي.
من النجاة إلى الحياة
النجاة التي تسجن صاحبها ليست حكماً مؤبداً. إنها حالة نشأت لحماية الإنسان في وقت لم يكن أمامه فيه خيار آخر، لكنها تصبح سجناً عندما يطول بقاؤه فيها بعد انتهاء الخطر.
الخطوة الأولى هي أن يدرك الإنسان وجود الدرع. بعدها يبدأ، بهدوء وتدرج، في تعليم نفسه أن الظروف تغيرت، وأن التهديد الذي كان يبرر هذا التأهب لم يعد موجوداً.
ما كان ضرورياً للبقاء في الحرب أو الأزمة لا يصلح بالضرورة لبناء حياة هادئة. الحذر المفرط والشك الدائم والتأهب المستمر قد تنقذ الإنسان في الخطر، لكنها تستنزفه عندما يصبح الأمان حقيقة.
خلع الدرع لا يعني نسيان الماضي، ولا إنكار الألم والتضحيات التي أوصلت الإنسان إلى الجانب الآخر. يعني استعادة حقه في الاختيار. أن ينتقل من مجرد البقاء إلى ممارسة الحياة، وأن يسمح لنفسه بالحب والراحة والتجربة والاحتمال.
لقد نجونا لكي نعيش، لا لكي نبقى طوال حياتنا في انتظار الخطر التالي.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟