أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل الدول - هل أطفأت المؤسسة الدينية وهج العلم العربي؟ قراءة نقدية في أطروحة التراجع















المزيد.....

هل أطفأت المؤسسة الدينية وهج العلم العربي؟ قراءة نقدية في أطروحة التراجع


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 01:27
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تكتسب دراسة ريتشارد سولومون، المعنونة (هل تراجعت العلوم العربية؟ أدلة من عدّ المخطوطات)، أهمية خاصة لأنها تتدخل في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، وكيف انتقل العالم الإسلامي من موقع الريادة العلمية في العصور الوسطى إلى موقع أكثر هامشية في النظام العلمي الحديث؟
تتميز هذه الدراسة بمحاولتها تجاوز التفسيرات الانطباعية والأحكام العامة، والاعتماد بدلاً من ذلك على مؤشرات كمية مستمدة من فهارس المخطوطات ومجموعات المكتبات الإسلامية. تم نشر الدراسة في أغسطس/آب 2022، وتم اتاحتها للجمهور ضمن المستودع الرقمي لجامعة شيكاغو، في إطار برنامج الماجستير في العلوم الاجتماعية، بإشراف الدكتور روبرت غولوتي وعضوية الدكتور يان شو في لجنة البحث. حاول سولومون في هذا البحث، ومن خلال عدّ المخطوطات وتحليل توزيعها زمنياً وموضوعياً، اختبار التفسيرات السائدة لتراجع العلوم العربية، مستنداً إلى بيانات مستخرجة من كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ( هو مسرد ضخم للكتب العربية والفارسية والتركية، وضعه الحاجي خليفة، وهو من علماء القرن الحادي عشر الهجري . وهوالكتاب الذي ضم أسماء آلاف الكتب إضافةً لأسماء مصنفيها)، اضافة مجموعات المخطوطات الإسلامية المحفوظة في أكثر من 2500 مكتبة.
رابط الدراسة المنشورة:
[https://knowledge.uchicago.edu/records/0mr6t-tg697?utm_source]
غير أن أهمية الدراسة لا تعني أنها تحسم المسألة بصورة نهائية. فهي تقدم قرائن قوية على مسار تاريخي معين، وتدعم ما يعرف بأطروحة (النهضة الدينية) أو (الإحياء الديني)، لكنها لا تستطيع وحدها اختزال تاريخ طويل ومعقد من التحولات السياسية والمؤسسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية في عامل واحد. كما أن الانتقال من عدّ المخطوطات إلى قياس «الإنتاج العلمي» يظل انتقالاً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر المنهجي.
موضوع الدراسة ومنهجها
تنطلق الدراسة من سؤال تاريخي واسع: هل شهد العلم العربي أو الإسلامي تراجعاً فعلياً منذ العصور الوسطى، وما العوامل التي يمكن أن تفسر هذا التراجع؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يعتمد سولومون على عدّ المخطوطات المنسوبة إلى مؤلفين عبر الزمن وفي مجالات معرفية مختلفة، مستفيداً من بيانات جرى ترقيمها حديثاً من كتاب «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» لحاجي خليفة، فضلاً عن مجموعات المخطوطات الإسلامية الموجودة في أكثر من 2500 مكتبة. وهذه النقطة تمثل جانباً مهماً من أصالة البحث. فبدلاً من الاقتصار على دراسة أسماء العلماء الأكثر شهرة أو الكتب التي حازت حضوراً في كتب التراجم، يحاول الباحث بناء مؤشر كمي يسمح برصد التحولات في حجم النشاط التأليفي وانتشاره بين التخصصات المختلفة. كما يستخدم تحليلات إحصائية، من بينها نماذج الفروق في الفروق المعممة، لمقارنة التطورات في مجالات المعرفة المختلفة عبر فترات زمنية متعاقبة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز منذ البداية بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في النقاشات العامة:
• عدد الكتب أو المخطوطات التي تم تأليفها.
• عدد النصوص التي بقيت محفوظة أو وصلت إلينا.
• مستوى الابتكار العلمي والتأثير المعرفي الذي تمثله تلك النصوص.
لا بد من الاشارة هنا الى ان زيادة عدد المخطوطات لا تعني بالضرورة زيادة في الاكتشافات الأصلية، كما أن انخفاض عددها لا يثبت حتماً تراجع القدرة العلمية. قد يكون النص مفقوداً، أو لم يُنسخ على نطاق واسع، أو لم يصل إلى المكتبات التي شملها المسح، أو أُدرج في الفهارس بطريقة مختلفة.
الأطروحة المركزية
تتسق نتائج الدراسة، بحسب الملخص المنشور، مع أطروحة الإحياء الديني، التي ترى أن صعود النخب الدينية إلى موقع أقوى في المجال السياسي والمؤسسي خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر أدى إلى انتشار المؤسسات التعليمية الدينية، ولا سيما المدارس، وإلى تبلور طبقة مهنية من العلماء، الأمر الذي ساهم في توجيه قسم من المواهب والرعاية السياسية بعيداً عن العلوم التجريبية. لكن صياغة سولومون تبدو أكثر تعقيداً من السردية التبسيطية التي تقول إن العلماء الدينيين حاربوا العلم أو إن المدارس الدينية كانت بطبيعتها معادية للمعرفة. فالدراسة لا ترى أن التراجع نتج عن موقف عدائي مباشر أو عن أيديولوجيا رجعية صريحة، بل عن عملية استيعاب للبحث العلمي داخل الحياة الدينية والمدرسية نفسها. وبذلك لم يكن الأمر إلغاءً مفاجئاً للعلم، وإنما إعادة ترتيب لمكانة المعارف ووظائفها وأولوياتها ومصادر تمويلها.
وهنا تكمن إحدى أهم أفكار الدراسة. فالمشكلة، وفق هذا التصور، لا تتمثل بالضرورة في أن المجتمع الإسلامي فقد اهتمامه بالمعرفة، بل في أن المؤسسات التي أصبحت أكثر قدرة على تنظيم التعليم وإنتاج النخب وتوزيع الرعاية أخذت ترفع من شأن أنواع معينة من العلوم على حساب أنواع أخرى. وقد تستمر الرياضيات أو الفلك أو الطب في التدريس والتأليف، لكن ضمن إطار مؤسسي لا يمنحها دائماً الاستقلال أو الموارد أو المكانة التي تحتاج إليها لكي تتطور بصورة تراكمية.
أهمية الدراسة
أولاً: نقل النقاش من الانطباع إلى الدليل
تاريخ العلم العربي والإسلامي كثيراً ما كُتب تحت تأثير سرديات كبرى متعارضة. فهناك سردية تمجّد العصر الذهبي وتصور التراجع باعتباره سقوطاً غامضاً، وسردية أخرى تفسر كل شيء بسيطرة الدين، وثالثة تربط الانحطاط بالغزو المغولي أو الحروب الصليبية أو الاستعمار الأوروبي. وتأتي الدراسة لتقترح اختباراً كمياً لهذه الفرضيات بدلاً من قبولها بوصفها حقائق جاهزة. هذه النقلة المنهجية بالغة الأهمية؛ لأنها تضع النقاش أمام أسئلة قابلة للفحص وهي متى بدأ التراجع؟ هل وقع في جميع المجالات بالدرجة نفسها؟ هل ارتبط بتحول سياسي محدد؟ هل يظهر في التأليف والنسخ والتعليم معاً، أم في أحدها دون الآخر؟
ثانياً: نقد التفسير الثقافي
من مزايا الدراسة أنها لا تفسر التراجع بعبارة عامة من قبيل (العقل العربي) أو (الثقافة الإسلامية) أو (رفض المسلمين للعلم). فهذه العبارات تجعل التاريخ يبدو نتيجة جوهر ثابت لا يتغير، وتتجاهل المؤسسات والحوافز السياسية والاقتصادية. أما الدراسة فتحاول البحث في توزيع السلطة والرعاية والموارد، وهي عوامل أكثر قابلية للتحليل التاريخي. والتمييز هنا مهم للغاية. فالمجتمعات الإسلامية لم تكن في كل مراحلها ولا في جميع مناطقها كياناً واحداً متجانساً. كما أن كلمة (العلم) نفسها كانت تشير إلى مجموعة واسعة من المعارف، تشمل الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والمنطق والعلوم الدينية واللغة والتاريخ. لذلك لا يمكن افتراض أن ما يسمى (التراجع العلمي) كان تحولاً موحداً أصاب كل المجالات والأقاليم في اللحظة نفسها.
ثالثاً: إعادة التفكير في علاقة المدرسة بالعلم
تدفع الدراسة إلى تجاوز ثنائية مبسطة تجعل المدرسة الدينية نقيضاً للعلم. فالمدرسة كانت مؤسسة تعليمية ومهنية، ولها وظائف اجتماعية وسياسية وثقافية متعددة. وقد ساعدت في إنتاج النخب وتوحيد أنماط التعليم وإعادة تنظيم المعرفة. لكن هذه الوظائف نفسها ربما أعادت توجيه الطاقات العلمية باتجاه العلوم التي تخدم البنية الدينية والقانونية والإدارية السائدة. من هنا يمكن أن تكون المدرسة عاملاً في نشر المعرفة وفي تضييق مجالها في الوقت نفسه. فهي قد تزيد عدد المتعلمين، لكنها قد تحدد أيضاً نوع المعرفة التي تحظى بالمكانة، وطرائق تداولها، والموضوعات التي تستحق الرعاية. وهذه المفارقة أكثر فائدة من القول إن المدارس «كانت جيدة» أو «كانت سيئة» للعلم بصورة مطلقة.
رابعاً: مساءلة التفسيرات المنافسة
تعلن الدراسة أن نتائجها تضعف التفسيرات التي تنسب التراجع أساساً إلى الغزوات المغولية أو الإسبانية أو الصليبية، أو إلى الطاعون، أو إلى التحولات المناخية في العصر الوسيط، أو إلى الاستعمار الأوروبي الحديث. وتكمن قيمة هذا الاستنتاج في أنه يرفض تفسيراً شائعاً يجعل الانحطاط نتيجة صدمة خارجية وحسب. فحتى لو كان الغزو أو الوباء أو الاستعمار قد ألحق أضراراً هائلة بالمجتمعات الإسلامية، فإن السؤال الأهم هو: لماذا اختلفت قدرة المؤسسات على التعافي والاستمرار؟ ولماذا تمكنت بعض المناطق من استعادة نشاطها بينما دخلت مناطق أخرى في مسار طويل من الجمود أو التبعية؟
لكن إضعاف هذه التفسيرات لا يعني إلغاءها. فقد تكون العوامل الخارجية قد عملت بوصفها محفزات أو مضاعفات لضعف مؤسسي سابق، أو أثرت في بعض المناطق أكثر من غيرها. لذلك ينبغي النظر إلى النتيجة باعتبارها إعادة ترتيب للأوزان التفسيرية، لا إعلاناً عن بطلان كل تفسير منافس.
التحفظات المنهجية على الدراسة
مشكلة المخطوطات بوصفها مؤشراً
أكبر تحفظ على الدراسة يتعلق بالافتراض الضمني بأن عدد المخطوطات يمكن أن يمثل مؤشراً مناسباً لحجم الإنتاج العلمي. فالمخطوطة ليست وحدة محايدة. احتمال بقاء كتاب ما يعتمد على موضوعه، وشهرته، ودرجة استعماله، ومكان تأليفه، وقدرة المؤسسات على حفظه، وعدد مرات نسخه، وتعرض المكتبات للحروب والحرائق والنهب والتلف. قد يكون كتاب علمي أصيل قد بقي في نسخة واحدة، في حين احتفظت المكتبات بعشرات النسخ من كتاب تعليمي أو ديني أو لغوي بسبب كثرة استعماله. وإذا قيس النشاط المعرفي بعدد النسخ الباقية، فقد يظهر الكتاب الأكثر تداولاً بوصفه أكثر أهمية من كتاب أكثر ابتكاراً لكنه أقل انتشاراً.
الانحياز الجغرافي والمؤسسي
تعتمد الدراسة على مصادر مثل «كشف الظنون» ومجموعات مكتبات إسلامية متعددة، لكن هذه المصادر لا تمثل بالضرورة كامل المجال العربي أو الإسلامي تمثيلاً متساوياً. فالمكتبات التي بقيت حتى العصر الحديث ليست عينة عشوائية من المكتبات التي كانت موجودة في الماضي، كما أن بعض المناطق حظيت بالحفظ والفهرسة أكثر من غيرها. ويضاف إلى ذلك أن العالم الإسلامي لم يكن وحدة معرفية واحدة. فالعلم في بغداد ليس هو العلم في القاهرة أو دمشق أو قرطبة أو سمرقند أو إسطنبول أو فاس. كما أن استعمال تعبير «العلم العربي» قد يحجب حقيقة أن الإنتاج العلمي في الحضارة الإسلامية كان متعدد اللغات والأقاليم، وأن العربية كانت لغة مركزية للعلم، لكنها لم تكن اللغة الوحيدة في جميع المراحل.
صعوبة تحديد بداية التراجع
من الصعب تحديد لحظة واحدة بدأ فيها «التراجع». فقد يتراجع الابتكار في مجال معين بينما يزدهر التأليف في مجال آخر، وقد تتراجع بعض المراكز العلمية في الوقت الذي تصعد فيه مراكز جديدة. كما أن التراجع قد يعني أشياء مختلفة: انخفاض عدد المؤلفين، أو توقف التطور النظري، أو ضعف المؤسسات، أو فقدان الاستقلال عن السلطة، أو تراجع القدرة على إنتاج معرفة قابلة للتراكم. لذلك يحتاج مفهوم التراجع إلى تعريف أكثر دقة، وهل تقصد الدراسة انخفاض عدد المؤلفات؟ أم تراجع الأصالة؟ أم انخفاض التأثير العالمي؟ أم انتقال مركز الثقل العلمي إلى أوروبا؟ هذه ليست ظواهر متطابقة، وقد لا يكون لها سبب واحد.
التمييز بين التأليف والابتكار
قد يكتب العلماء في مرحلة معينة عدداً كبيراً من الشروح والحواشي والاختصارات، وهو ما يمكن أن يدل على نشاط علمي وتعليمي واسع، لكنه قد يدل أيضاً على هيمنة نمط تفسيري لا ينتج اكتشافات جديدة. وفي المقابل، قد يكون قلة الكتب في فترة ما ناتجة عن تغير في طبيعة البحث، أو عن اعتماد أكبر على التدريس الشفهي، أو عن ضياع الوثائق. ومن ثم فإن عدّ المخطوطات يقيس، في أفضل الأحوال، جانباً من النشاط التأليفي والتداول النصي. لكنه لا يقيس بصورة مباشرة جودة الحجج، ودرجة الابتكار، وقوة البرهان، أو أثر النص في تطور العلم اللاحق. ولكي يصبح المؤشر أكثر قوة، ينبغي دمجه بتحليل محتوى النصوص، وتتبع الإحالات العلمية، ودراسة شبكات التلامذة، وحركة الكتب، وأشكال التمويل والرعاية.
خطر تحويل الارتباط إلى سببية
حتى إذا أظهرت البيانات أن صعود المؤسسات الدينية تزامن مع تراجع بعض العلوم، فهذا لا يثبت بالضرورة أن الصعود المؤسسي كان السبب الوحيد أو المباشر للتراجع. فقد تكون المؤسستان قد نشأتا معاً نتيجة تغير سياسي واقتصادي أوسع، مثل تحول أنماط الدولة أو تقلص الموارد أو اضطراب طرق التجارة أو صعود قوى عسكرية جديدة.
كما ينبغي السؤال عن الآليات الدقيقة: كيف جرى «تحويل المواهب» من العلوم التجريبية؟ هل حدث ذلك عبر المناهج؟ أم عبر الوظائف المتاحة؟ أم عبر الوقف؟ أم عبر المكانة الاجتماعية؟ أم عبر الرقابة؟ إن تحديد هذه الآليات ضروري حتى لا تتحول النتيجة الإحصائية إلى سردية سببية أوسع من الأدلة المتاحة.
هل تحسم الدراسة الجدل؟
لم تحسم الدراسة الجدل حول أسباب تراجع الإنتاج العلمي العربي، لكنها تعيد صياغته على نحو أكثر جدية. فهي تقدم دليلاً مهماً على أن التحولات المؤسسية والسياسية داخل المجتمع الإسلامي، ولا سيما صعود المؤسسات والنخب الدينية، ينبغي أن تكون في مركز التفسير، بدلاً من التعامل معها كعامل ثانوي أو هامشي. غير أن الجدل لا يمكن أن يُحسم ببيانات المخطوطات وحدها. يلزم إجراء مقارنات بين مناطق مختلفة، ودراسة تطور كل علم على حدة، وفحص انتقال العلماء والكتب، وتحليل أنظمة التعليم والوقف، والتمييز بين الإنتاج العربي والإنتاج في اللغات الأخرى داخل العالم الإسلامي. كما ينبغي مقارنة المسار الإسلامي بمسارات حضارات أخرى شهدت تغيرات مماثلة في مؤسسات التعليم والرعاية والنخب.
الأدق إذن أن نقول إن الدراسة تضعف التفسيرات الأحادية الخارجية، وتمنح وزناً أكبر للعوامل المؤسسية الداخلية، لكنها لا تثبت أن (النخب الدينية) أو (المدرسة) تسببت وحدها في التراجع. كما أنها لا تبرئ تماماً الغزوات والأوبئة والاستعمار والتحولات الاقتصادية، بل تشير إلى أن هذه الأحداث لا تكفي وحدها لتفسير المسار التاريخي الطويل.
بين «العلم العربي» و«العلم الحديث»
هناك مشكلة أخرى تتعلق باستخدام معيار العلم الحديث للحكم على إنتاج العصور الوسطى. فقد كان العلماء في الحضارة الإسلامية يعملون داخل منظومات معرفية مختلفة، وكانت الحدود بين الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والدين أكثر تداخلاً مما هي عليه اليوم. كما أن «الإنتاج العلمي» لم يكن دائماً منفصلاً عن التعليم أو القضاء أو الإدارة أو الثقافة الأدبية.
ولهذا ينبغي الحذر من سردية تقول إن العلم الإسلامي بلغ ذروته ثم «توقف» لأنه لم يتحول إلى العلم الأوروبي الحديث. فقد يكون جزء من المشكلة مرتبطاً بتغير قواعد العلم العالمية، وظهور المطابع الحديثة، وتطور الجامعات، وقيام الدول القومية، وتوسع الاقتصاد الرأسمالي، ونشوء المختبرات والأنظمة المهنية الجديدة في أوروبا.
القيمة الراهنة للدراسة
لا تقتصر أهمية البحث على الماضي. فهو يطرح سؤالاً معاصراً عن شروط إنتاج المعرفة: هل يكفي وجود جامعات كثيرة؟ هل تكفي زيادة عدد الباحثين والمنشورات؟ أم أن الإنتاج العلمي يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وتمويل مستقر، وحرية أكاديمية، وثقافة نقدية، وشبكات نشر وتعاون، وآليات لمكافأة الابتكار؟
تاريخياً، قد يكون المجتمع غنياً بالمتعلمين لكنه فقير في المؤسسات التي تحول التعلم إلى بحث تراكمي. وقد تكون الدولة راعية للعلم، لكنها توجهه وفق حاجاتها السياسية أو الأيديولوجية. وقد تكون الجامعات موجودة، لكنها تعمل بوصفها مؤسسات تعليمية لا مراكز بحثية. هذه الأسئلة تجعل الدراسة مفيدة للحاضر، شرط ألا تتحول إلى أداة لإدانة الثقافة العربية أو لتبرئة السياسات الحديثة من مسؤوليتها. فالحديث عن تراجع الإنتاج المعرفي العربي اليوم لا يمكن إرجاعه ببساطة إلى إرث القرون الوسطى. فهناك عوامل حديثة حاسمة، منها ضعف الإنفاق على البحث، هجرة العلماء، الرقابة، هشاشة استقلال الجامعات، قصور سياسات النشر، ضعف الصلة بين الجامعة والاقتصاد، وعدم استقرار المؤسسات السياسية. وقد تكون دراسة الماضي مفيدة لفهم جذور بعض البنى، لكنها لا تعفي الحاضر من مسؤولية تفسير اختياراته ومشكلاته.
ولعل هذه الدراسة، على الرغم من أهميتها وما تثيره من أسئلة وتحفظات، لا ينبغي أن تكون خاتمة النقاش، بل بدايةً لدراسة عربية جديدة وأكثر شمولاً، يضطلع بها باحثون عرب يمتلكون معرفة دقيقة بلغات التراث ومصادره وسياقاته التاريخية. مثل هذه الدراسة يمكن أن تتجاوز الاقتصار على عدّ المخطوطات، فتجمع بين التحليل الكمي والنقد النصي، وتدرس المؤسسات التعليمية، وشبكات العلماء، وأنظمة الوقف والرعاية، وحركة الكتب والأفكار، وتنوع الأقاليم واللغات والتخصصات. وعندئذ قد نقترب من استنتاج أكثر توازناً وأقرب إلى الحقيقة بشأن أسباب تراجع الإنتاج المعرفي العلمي العربي، بعيداً عن التفسيرات الاختزالية والأحكام المسبقة.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حق الإنسان في فرملة الزمن
- النجاة التي تسجن صاحبها!
- سويسرا التي يهرب منها أحدهم... ويحلم بها آخر
- من يربي الضمير؟
- تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في ع ...
- هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام
- حين تُقاس المحبة بميزان مختلف: حقيقة العلاقات الاجتماعية في ...
- أنت تحمل أشخاصاً لم تلتقِ بهم بعد
- عدم اليقين كأداة حكم: قراءة في الواقع العراقي
- دراسة تحليلية وتطبيقية في تفسير النوستالجيا الجماعية في ظل ا ...
- المعنى: البوصلة الداخلية للوعي البشري
- حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية
- حين تغيب إرادة الدولة، العراق بين الهياكل الفارغة ومأزق المس ...


المزيد.....




- السعودية تعلن ما توصل إليه قادة جيوش دول -اتفاقية مكة- خلال ...
- لافروف يشيد بالعلاقات الروسية الكويتية
- معركة بالسلاح الأبيض في وسط الشارع.. الأمن المصري يكشف تفاصي ...
- قصة تعاون ضد الأوبئة.. كيف ربط فيروس بين ألمانيا وكوسوفو؟
- شي يفاجئ ترامب.. الصين ترسم خطوطها الحمر للقضايا الكبرى
- النقل : تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة ، ترسخ مك ...
- انشقاق جديد يضرب الدعم السريع بعد سيطرة الجيش على سودري
- لحق بأشقائه الأربعة.. استشهاد فلسطيني بصاروخ إسرائيلي فوق قب ...
- رغم دوي المعارك.. تعز ومأرب توقدان شعلة 26 سبتمبر
- ما قصة الفقاعات الكريهة التي أطلقتها مسيّرات في سماء غزة؟


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عادل الدول - هل أطفأت المؤسسة الدينية وهج العلم العربي؟ قراءة نقدية في أطروحة التراجع