أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الضوء الذي كشف أسرار الخلايا العصبية: قصة نوبل 2026















المزيد.....

الضوء الذي كشف أسرار الخلايا العصبية: قصة نوبل 2026


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:03
المحور: قضايا ثقافية
    


اليوم المصادف 5 أكتوبر 2026، تم منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لكل من بيتر هيغيمان، وجورج ناغل، وكارل ديسروث، تقديرًا لاكتشافاتهم المتعلقة بالبروتينات والقنوات الأيونية الحساسة للضوء، وإسهامهم في تطوير علم البصريات الوراثي، أو ما يعرف بالأوبتوجينيتيكس (Optogenetics). وقد تبدو هذه الجائزة، للوهلة الأولى، مرتبطة بعلم الأعصاب وحده، لكن قصتها بدأت في مكان بعيد عن الدماغ، مع كائن مجهري وحيد الخلية يسمى الكلاميدوموناس.

الكلاميدوموناس نوع من الطحالب الدقيقة يعيش في الماء، ويتمتع بقدرة على الاستجابة للضوء وتوجيه حركته نحوه. كان السؤال الذي شغل العلماء هو: كيف تستطيع خلية واحدة، لا تمتلك دماغًا ولا جهازًا عصبيًا، أن تستشعر الضوء وتستجيب له؟

أظهرت الأبحاث أن غشاء هذه الخلية يحتوي على بروتينات حساسة للضوء، من بينها بروتينات تنتمي إلى مجموعة الأوبسينات الميكروبية. وعندما تتعرض هذه البروتينات للضوء المناسب، يستطيع بعضها فتح قناة في غشاء الخلية تسمح بمرور الأيونات المشحونة. ويؤدي انتقال هذه الأيونات إلى تغير في الحالة الكهربائية للغشاء، وبالتالي إلى تغير في نشاط الخلية.

كانت هذه الآلية ذات أهمية خاصة لعلماء الأعصاب، لأن الخلايا العصبية تعتمد هي الأخرى على حركة الأيونات عبر أغشيتها في توليد الإشارات الكهربائية ونقلها. ومن هنا ظهر سؤال بسيط في صياغته، لكنه فتح طريقًا جديدًا في علم الأعصاب: إذا كان الضوء يستطيع التأثير في النشاط الكهربائي لخلية من خلال هذه البروتينات، فهل يمكن استخدام البروتينات نفسها أو بروتينات مشابهة للتحكم في نشاط الخلايا العصبية؟

عمل كارل ديسروث وزملاؤه على تطوير هذه الفكرة، وتمكنوا من استخدام بروتينات حساسة للضوء للتحكم في نشاط الخلايا العصبية. وتعتمد التقنية على إدخال جينات معينة إلى خلايا عصبية مستهدفة بحيث تنتج هذه الخلايا بروتينات حساسة للضوء، تعرف باسم الأوبسينات الضوئية. وعند تعريض الخلايا لضوء بطول موجي مناسب، تستطيع هذه البروتينات تغيير تدفق الأيونات عبر غشاء الخلية، مما يؤدي، بحسب نوع البروتين المستخدم، إلى تنشيط الخلية العصبية أو تثبيط نشاطها.

بهذه الطريقة أصبح بإمكان الباحثين، في التجارب المناسبة، التأثير في نشاط مجموعات محددة من الخلايا العصبية بدقة أكبر مما كان متاحًا بالعديد من الوسائل التقليدية. وهنا ظهرت قيمة الأوبتوجينيتيكس بصورة واضحة، لأنها لم تكتف بتسجيل ما يحدث داخل الدماغ، بل أتاحت للباحث أن يتدخل في نشاط خلايا محددة ثم يقيس ما يحدث للوظيفة العصبية أو للسلوك.

وهذا مهم في البحث العلمي لأن ملاحظة نشاط مجموعة من الخلايا أثناء سلوك معين لا تثبت وحدها أن هذا النشاط هو الذي تسبب في السلوك. فإذا وجد الباحث، مثلًا، أن مجموعة من الخلايا تنشط أثناء الخوف، فإن هذه الملاحظة تثبت وجود علاقة بين النشاط والظاهرة، لكنها لا تحدد بالضرورة طبيعة العلاقة. أما إذا أمكن تنشيط هذه الخلايا أو تثبيطها تجريبيًا ثم قياس التغير الناتج، فإن الباحث يحصل على وسيلة أقوى لاختبار الدور السببي لهذا النشاط.

لهذا أصبحت الأوبتوجينيتيكس أداة مهمة في دراسة دوائر عصبية مرتبطة بالحركة والإحساس والمكافأة والخوف والنوم والذاكرة وغيرها من وظائف الجهاز العصبي. وقد ساعدت هذه التقنية الباحثين على اختبار وظائف دوائر عصبية محددة، بدل الاكتفاء بملاحظة النشاط الذي يحدث فيها.

لكن قوة هذه التقنية لا تعني أن نتائجها يمكن تفسيرها بصورة مبسطة. فالدماغ يعمل من خلال شبكات مترابطة، وتنشيط مجموعة من الخلايا أو تثبيطها قد يؤثر في خلايا ودوائر أخرى. ولذلك فإن إثبات أن مجموعة معينة من الخلايا تساهم في سلوك ما لا يعني أنها وحدها المسؤولة عنه، ولا أن السلوك يمكن اختزاله في نشاط تلك الخلايا.

ولم تبق أهمية هذا الاكتشاف محصورة في المختبر. فقد بدأت المعرفة الناتجة عن هذه الأبحاث تدخل في مجالات طبية، وأبرز الأمثلة حتى الآن هو البحث في استعادة بعض الوظائف البصرية لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضًا تنكسية في الشبكية. ففي بعض هذه الأمراض تموت الخلايا المستقبلة للضوء، بينما تبقى خلايا عصبية أخرى في الشبكية على قيد الحياة. وقد حاول الباحثون جعل بعض هذه الخلايا الباقية حساسة للضوء باستخدام بروتينات ضوئية، بحيث تستطيع الاستجابة للضوء بعد فقدان المستقبلات الطبيعية.

وفي تجارب سريرية مبكرة، تمكن باحثون من تحقيق قدر محدود من استعادة الوظيفة البصرية لدى مريض يعاني مرضًا تنكسيًا في الشبكية، باستخدام العلاج الجيني بالأوبتوجينيتيكس إلى جانب جهاز بصري يساعد على إيصال الإشارات الضوئية إلى الخلايا المعدلة. وكانت هذه النتائج أولية، لكنها قدمت دليلًا على إمكانية استخدام هذا المبدأ في محاولة استعادة بعض الوظائف البصرية.

وهنا ينبغي التمييز بين ما تحقق بالفعل وما يزال قيد البحث. فالأوبتوجينيتيكس ليست علاجًا عامًا للعمى، ولم تصبح علاجًا روتينيًا لمختلف أمراض الجهاز العصبي. كما أن تطبيقها على الإنسان يواجه تحديات تتعلق بإيصال الجينات إلى الخلايا المطلوبة، وتحديد الخلايا المستهدفة، وإيصال الضوء إليها، والاستجابة المناعية، وإثبات الفعالية والسلامة على نطاق واسع.

ومع ذلك، فإن القيمة الطبية لهذا المجال لا تتوقف على استخدام الأوبتوجينيتيكس نفسها كعلاج. فقد أصبحت أيضًا أداة تساعد العلماء على فهم الدوائر العصبية المرتبطة بالأمراض وتحديد الخلايا أو المسارات التي يمكن أن تكون أهدافًا لعلاجات أخرى. فإذا تمكن الباحث من معرفة أن نشاط دائرة عصبية معينة يساهم في اضطراب محدد، فقد تساعد هذه المعرفة في تصميم تدخل علاجي يستهدف تلك الدائرة بوسيلة أخرى، حتى لو لم تكن الأوبتوجينيتيكس نفسها هي العلاج النهائي.

وهذا يوضح كيف يمكن لاكتشاف أساسي في علم الأحياء أن يتحول، بعد سنوات من البحث، إلى أداة لها تطبيقات في الطب والتكنولوجيا الحيوية. فالمبدأ الذي بدأ بفهم كيفية استشعار كائن مجهري للضوء أصبح وسيلة للتحكم التجريبي في نشاط خلايا عصبية محددة، وأصبح جزءًا من البحث في أمراض الجهاز العصبي، كما دخل في تجارب تستهدف استعادة بعض الوظائف البصرية.

وربما تكون أهم قيمة علمية لهذا الاكتشاف في أنه منح الباحثين طريقة أكثر دقة لاختبار العلاقة بين نشاط الخلايا العصبية ووظائف الدماغ. فالتصوير والتسجيل العصبي يمكن أن يكشفا أين ومتى يحدث النشاط، بينما يسمح التدخل التجريبي، عندما يكون مصممًا بصورة مناسبة، باختبار ما إذا كان هذا النشاط يساهم في الوظيفة أو السلوك محل الدراسة.

وبذلك انتقل علم الأعصاب خطوة مهمة من مجرد تسجيل النشاط إلى اختبار دوره داخل الدوائر العصبية. لكن هذه الخطوة لا تعني أن الدماغ أصبح مفهومًا بالكامل، ولا أن السلوك الإنساني يمكن اختزاله في مجموعة من الخلايا أو الإشارات الكهربائية. ما تقدمه الأوبتوجينيتيكس هو أداة علمية لدراسة آليات محددة داخل الجهاز العصبي، وكل نتيجة جديدة تضيف جزءًا إلى الصورة العامة.

وهكذا بدأت القصة من سؤال عن كائن مجهري يستطيع الاستجابة للضوء، ثم قادت إلى اكتشاف بروتينات حساسة للضوء وقنوات تتحكم في حركة الأيونات، وانتقلت بعدها إلى الخلايا العصبية، حيث أصبحت هذه البروتينات وسيلة للتحكم التجريبي في نشاطها. ومن هذا المسار نشأت الأوبتوجينيتيكس، التي أصبحت اليوم واحدة من الأدوات المهمة في علم الأعصاب الحديث، وبدأت تفتح أيضًا مسارات بحثية في الطب.

إنها قصة توضح أحد المبادئ الأساسية في تاريخ العلم: قد يبدأ الاكتشاف بسؤال عن ظاهرة بسيطة لا يبدو أن لها علاقة مباشرة بالإنسان، ثم يكشف فهم تلك الظاهرة آلية يمكن استخدامها في مجال آخر تمامًا. وفي هذه الحالة، قاد فهم كيفية استجابة خلية مجهرية للضوء إلى تطوير طريقة يستطيع بها العلماء استخدام الضوء لدراسة نشاط الخلايا العصبية والتدخل فيه بدقة، وهو ما جعل هذا الاكتشاف أساسًا لواحد من التطورات المهمة في علم الأعصاب خلال العقود الأخيرة.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أطفأت المؤسسة الدينية وهج العلم العربي؟ قراءة نقدية في أط ...
- حق الإنسان في فرملة الزمن
- النجاة التي تسجن صاحبها!
- سويسرا التي يهرب منها أحدهم... ويحلم بها آخر
- من يربي الضمير؟
- تسليع كل شيء: كيف تحولت الأفكار والمشاعر والذات إلى سلع في ع ...
- هل أصبح الواي فاي عينا ترانا في الظلام
- حين تُقاس المحبة بميزان مختلف: حقيقة العلاقات الاجتماعية في ...
- أنت تحمل أشخاصاً لم تلتقِ بهم بعد
- عدم اليقين كأداة حكم: قراءة في الواقع العراقي
- دراسة تحليلية وتطبيقية في تفسير النوستالجيا الجماعية في ظل ا ...
- المعنى: البوصلة الداخلية للوعي البشري
- حين تصبح المسايرة وسيلة للبقاء
- اضطراب تشوّه صورة الجسد وعمليات التجميل: حين يتحوّل السعي إل ...
- التدبير الاحتيالي: حين تصبح الحقيقة أداةً لا غايةً
- دراسة في الهوية الإنسانية عبر بوابة الغذاء
- بابُ الذاكرة — لا تأليهٌ ولا نسيان
- الموت ومرآة الذات: حين يصبح الرحيل آخر فرصة لتثبيت المعنى
- حين تصبح الكراهية هوية: الاستقطاب في المنطقة ومآلاته
- حين يتحول الرئيس إلى رواية حية


المزيد.....




- تحدث عن السادات ومبارك.. هكذا علق ساويرس على ذكرى -حرب أكتوب ...
- فيتنام.. عصابة تصطاد حوالي 2700 قطة لبيع لحومها (صور)
- تغيير جذري في ملف التسوية: تركيا تدرس الإفراج عن 4500 معتقل ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يوقف مقاولا عن العمل بعد سرقة بيانا ...
- جدد تعهده بمنفذ بحري ودافع عن سد النهضة.. إثيوبيا تعيد تعيين ...
- البرازيل.. المحكمة العليا تبحث إلغاء حكم السجن بحق بولسونارو ...
- قتيل وجرحى في هجوم كبير لمسيرات أوكرانية على منطقة موسكو
- كيبيك الكندية.. حزب بلاموندون قد يعود للحكم ويتوعد باستفتاء ...
- محافظ القليوبية يوجه نائبته بحملة مكبرة لإزالة الإشغالات وال ...
- وزير التربية والتعليم ضيف شرف في الاحتفال باليوم الوطني لجمه ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الضوء الذي كشف أسرار الخلايا العصبية: قصة نوبل 2026