|
|
الإسلامويسارية: تحالف سياسي أم مصطلح أيديولوجي؟ .. ج٢
ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 17:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
سادساً: الإسلام السياسي والتناقضات الطبقية
إن التعامل مع الإسلام السياسي باعتباره ظاهرة دينية خالصة يحجب الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح له بالنمو والتأثير.
فالمجتمعات التي تتسع فيها الفوارق الطبقية، وتتراجع فيها فرص الحراك الاجتماعي، وتتعرض قطاعات من السكان للتهميش أو التمييز، تصبح أكثر عرضة لظهور أشكال متعددة من الاحتجاج والانتماء السياسي. وقد تكون هذه الأشكال يسارية أو قومية أو دينية أو شعبوية، بحسب الظروف التاريخية وبنية القوى المنظمة وقدرتها على تقديم تفسير للواقع ومشروع لتغييره.
وفي فرنسا، لا يمكن فصل بعض التوترات المتعلقة بالمسلمين وأبناء المهاجرين عن أوضاع الضواحي، والفوارق في فرص العمل والتعليم والسكن، والتمييز الذي قد يتعرض له أفراد بسبب أصولهم أو أسمائهم أو مظاهرهم الدينية.
لكن هذه الظروف لا تنتج استجابة سياسية واحدة. فالعامل الذي يواجه التمييز لا يصبح إسلامياً بالضرورة، كما أن المسلم الذي يشارك في احتجاج اجتماعي لا يفعل ذلك بالضرورة انطلاقاً من دوافع دينية. وقد تتداخل المطالب الاقتصادية مع الشعور بالتمييز أو أزمة الانتماء، من دون أن تذوب إحداها في الأخرى.
وهنا تظهر أهمية التحليل الطبقي. فالمصالح التي تجمع العمال والموظفين والفئات الشعبية قد تتجاوز الانتماءات الدينية والقومية، لكنها لا تلغي أثر هذه الانتماءات في تشكيل الوعي السياسي. كما أن التهميش الاقتصادي لا يؤدي آلياً إلى وعي طبقي تقدمي؛ فقد تستثمره قوى دينية أو قومية أو يمينية لتقديم تفسيرات بديلة للصراع الاجتماعي.
وبالتالي، فإن السؤال ليس لماذا يتقاطع اليسار مع المسلمين فحسب، بل لماذا تنشأ داخل بعض الفئات الاجتماعية مطالب يمكن أن يلتقي حولها اليسار والتيارات الإسلامية، وما إذا كان هذا الالتقاء يعزز استقلال تلك الفئات السياسية أم يتيح لقوى منظمة توجيه مطالبها نحو مشاريع مختلفة.
إن تجاهل الشروط الطبقية يختزل الإسلام السياسي في مجرد اختلاف ثقافي، بينما تجاهل البعد الديني والسياسي قد يؤدي إلى تصور ساذج بأن كل احتجاج اجتماعي يحمل مضموناً تحررياً متجانساً.
المطلوب هو تحليل العلاقة بين البنية الاجتماعية، وأشكال الوعي، والقوى التي تتنافس على تنظيم الاحتجاج وتوجيهه.
سابعاً: اليسار الفرنسي وأزمة التمثيل السياسي
لا يمكن فهم الجدل حول «الإسلامويسارية» من دون النظر إلى الأزمة التي تواجه قطاعات من اليسار الفرنسي في تمثيل الفئات الشعبية المتنوعة.
فقد أدت التحولات الاقتصادية، وتراجع بعض أشكال التنظيم العمالي التقليدي، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتغير بنية سوق العمل، إلى تعقيد العلاقة بين اليسار وقواعده التاريخية. ولم يعد الانتماء الطبقي وحده كافياً لتفسير خيارات الناخبين، كما لم تعد الهوية القومية أو الدينية مجرد عناصر هامشية في الصراع السياسي.
وفي هذا السياق، يحاول بعض اليسار بناء تحالفات أوسع تشمل العمال والموظفين والشباب والفئات المتضررة من التمييز وأبناء المهاجرين. وقد يتطلب ذلك الدفاع عن قضايا لا تُختزل في المطالب الاقتصادية المباشرة، مثل المساواة في الحقوق، ومواجهة العنصرية، وحرية الضمير.
لكن هذا التوسع يطرح مشكلة سياسية حقيقية: كيف يمكن لليسار أن يدافع عن حقوق فئات تتعرض للتمييز، من دون أن يتنازل عن نقد القوى المحافظة أو الدينية التي قد تحاول احتكار تمثيلها؟
إن الدفاع عن المسلمين ضد التمييز لا ينبغي أن يمنع نقد الإسلاميين، كما أن نقد الإسلاميين لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للتمييز ضد المسلمين. وأي يسار يخلط بين الأمرين يفقد استقلاله النقدي، سواء عبر تبني خطاب الدولة بصورة غير نقدية أو عبر تجنب نقد القوى الدينية خشية خسارة قاعدة اجتماعية أو انتخابية.
وهنا ينبغي التمييز بين خطأين متعاكسين: الأول هو اعتبار كل دفاع عن حقوق المسلمين تواطؤاً مع الإسلاميين؛ والثاني هو اعتبار كل نقد للإسلام السياسي استهدافاً للمسلمين.
كلا الموقفين يعطل إمكان النقد المستقل، لأنهما يحولان القضايا الاجتماعية والسياسية إلى اختبارات ولاء هوياتي.
وقد يقع بعض اليسار بالفعل في حسابات انتخابية تدفعه إلى تجنب المواجهة مع تيارات دينية أو إلى التقليل من التناقضات معها. لكن إثبات ذلك يقتضي تحليل المواقف والاتفاقات والتصريحات والقرارات في حالات محددة، لا إطلاق حكم شامل على اليسار الفرنسي.
فالمطلوب ليس الدفاع عن اليسار بوصفه معسكراً معصوماً من التناقض، بل مطالبته بالوضوح في تحديد حلفائه وحدود التعاون معهم، وبالاحتفاظ باستقلاله الفكري والسياسي.
ثامناً: فلسطين وما بعد الاستعمار وحدود الالتقاء
تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مهماً في الجدل حول «الإسلامويسارية»، لأنها تجمع في بعض السياقات قوى تنطلق من مرجعيات متباينة، تشمل اليسار المناهض للإمبريالية، وحركات التضامن مع الفلسطينيين، والتيارات الإسلامية التي تجعل فلسطين جزءاً من خطابها السياسي والديني.
لكن اشتراك هذه القوى في دعم الفلسطينيين أو معارضة السياسات الإسرائيلية لا يعني أنها تتبنى التحليل نفسه للصراع أو المشروع السياسي نفسه لمستقبل المنطقة.
فاليسار الأممي يستطيع الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية انطلاقاً من مناهضة الاستعمار والاحتلال والتمييز، ومن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. أما الحركات الإسلامية فقد تنطلق من مرجعيات دينية وقومية مختلفة، وقد تربط القضية الفلسطينية بمشروعها الخاص في الحكم والمجتمع.
وقد تلتقي هذه الأطراف في المظاهرات أو الحملات أو المطالب السياسية، لكنها قد تختلف جذرياً في تصورها للحرية والمساواة وحقوق النساء والأقليات وعلاقة الدين بالدولة.
كما أن نقد السياسات الإسرائيلية أو الاعتراض على الحرب والاحتلال لا يثبت بذاته عداءً لليهود، تماماً كما أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يقتضي تأييد جميع التنظيمات التي ترفع شعار المقاومة.
وفي المقابل، ينبغي ألا يصبح نقد توظيف القضية الفلسطينية ذريعة لتجريم التضامن مع الفلسطينيين، أو لاعتبار كل موقف معارض للسياسة الإسرائيلية دليلاً على التحالف مع الإسلاميين.
إن المسألة الحاسمة هي التمييز بين القضية العادلة والقوى التي تتنافس على تمثيلها. فقد تكون القضية أوسع من أي تنظيم، وقد تلتقي حولها قوى تختلف في أهدافها، من دون أن يؤدي هذا الالتقاء إلى وحدة سياسية بينها.
ولهذا، فإن تحويل المواقف من فلسطين إلى اختبار آلي للولاء السياسي لا يساعد على فهم العلاقات الفعلية بين القوى الفرنسية، بل يساهم في توسيع دائرة الاتهام ويضعف القدرة على التمييز بين التضامن الإنساني والسياسي وبين الاصطفاف التنظيمي.
تاسعاً: الضواحي وأزمة الانتماء
تظهر التناقضات الفرنسية بصورة حادة في الضواحي التي تواجه قطاعات من سكانها مشكلات تتعلق بالعمل والتعليم والسكن والخدمات العامة، إلى جانب تجارب متفاوتة من التمييز وصعوبة الاندماج الاجتماعي.
لكن الضواحي ليست فضاءً متجانساً، ولا يمكن اختزال سكانها في أصولهم المهاجرة أو انتماءاتهم الدينية. فهي تضم فئات اجتماعية مختلفة، وتتباين فيها الأوضاع الاقتصادية والثقافية والسياسية، كما تختلف تجارب الأفراد مع الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، فإن الشعور بالإقصاء أو عدم الاعتراف قد يخلق فراغاً في الانتماء السياسي والاجتماعي، تسعى قوى مختلفة إلى ملئه. وقد تقدم الحركات الدينية لبعض الأفراد شبكات تضامن وخدمات وهوية جماعية، في حين تقدم قوى اليسار تفسيراً طبقياً أو اجتماعياً للتهميش، وقد تقدم التيارات القومية واليمينية تفسيراً قائماً على الهوية والهجرة والأمن.
لا يعني ذلك أن هذه القوى متساوية في أهدافها أو نتائجها، بل إن التنافس بينها يكشف أن أزمة الانتماء ليست مجرد مسألة ثقافية، وإنما ترتبط أيضاً بطبيعة المؤسسات الاجتماعية وقدرتها على ضمان المشاركة والحقوق والاعتراف.
وحين تتعامل الدولة مع هذه المشكلات أساساً بوصفها مشكلة أمنية أو دينية، فإنها تخاطر بحجب جذورها الاجتماعية. وفي المقابل، حين تفسر بعض القوى الاحتجاجات كلها باعتبارها تعبيراً عن التهميش، فإنها قد تتجاهل وجود صراعات أيديولوجية ومشاريع سياسية حقيقية داخل الفئات المحتجة نفسها.
لهذا لا يمكن فهم الاحتجاجات في الضواحي من خلال ثنائية مبسطة بين الدولة العلمانية والإسلاميين، أو بين اليسار والمجتمع المسلم. فهناك مطالب اجتماعية، وتناقضات طبقية، وشعور بالتمييز، وصراعات على الهوية، وتنافس بين القوى التي تسعى إلى تمثيل السكان وتوجيه غضبهم.
والسؤال السياسي الأهم هو ما إذا كانت هذه المطالب ستجد تعبيراً مستقلاً يعزز المساواة الاجتماعية والمواطنة، أم ستتحول إلى مادة تتنافس القوى المختلفة على احتكارها.
عاشراً: الاحتجاج والعنف وحدود التفسير السياسي
عندما تتصاعد الاحتجاجات في فرنسا، ولا سيما في المناطق التي تعاني من مشكلات اجتماعية مزمنة، تظهر نزعة إلى تفسير الأحداث من خلال هوية المشاركين أو أصولهم أو انتماءاتهم الدينية المفترضة.
لكن الاحتجاجات ليست ظاهرة واحدة، والعنف الذي قد يقع خلالها لا يمثل بالضرورة جميع المشاركين فيها، كما أن مشاركة أفراد ذوي خلفيات اجتماعية أو دينية متقاربة لا تثبت وجود قيادة سياسية موحدة وراء أفعالهم.
ينبغي التمييز بين المطالب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج، والظروف التي تسمح بتصاعده، والأفعال التي يرتكبها بعض المشاركين، والقوى التي قد تحاول استثمار نتائجه سياسياً. فهذه مستويات مختلفة من التحليل، ولا يصح اختزالها في تفسير واحد.
كما أن رفض العنف لا يستلزم تجاهل الأسباب الاجتماعية التي تغذي الغضب، مثل تراجع الخدمات العامة أو البطالة أو الشعور بالتمييز. وفي المقابل، فإن الاعتراف بهذه الأسباب لا يبرر الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات، ولا يعفي من المسؤولية الفردية عن الأفعال المرتكبة.
وتظهر المشكلة عندما تُستخدم أحداث العنف لإثبات أطروحة سياسية جاهزة، سواء كانت تقول إن الاحتجاجات تعبير عن مؤامرة إسلامية، أو إنها تعبير خالص عن غضب اجتماعي لا يحمل أي تناقضات داخلية.
فكلا التفسيرين قد يحجب الوقائع التي لا تنسجم معه. الأول قد يتجاهل الأسباب الاجتماعية، والثاني قد يتجاهل محاولات التوجيه السياسي أو الأيديولوجي.
أما العلاقة بين اليسار والإسلاميين فلا يمكن إثباتها بمجرد مشاركة أفراد أو جماعات مختلفة في احتجاج واحد. إثبات التحالف يتطلب أدلة على التنسيق أو الاتفاق أو العلاقة التنظيمية، وليس مجرد التزامن في الشارع أو الاشتراك في معارضة قرار حكومي.
إن التحليل الذي يميز بين الاحتجاج والعنف، وبين الدوافع الاجتماعية والتوجيه السياسي، وبين المشاركة الشعبية والتحالف التنظيمي، هو وحده القادر على تفسير الأحداث من دون تحويلها إلى مادة للتعميم الأيديواحتكارهحادي عشر: وظيفة «الإسلامويسارية» في الصراع السياسي الفرنسي
لا يقتصر أثر مصطلح «الإسلامويسارية» على وصف علاقة مفترضة بين اليسار والإسلاميين، بل يمتد إلى إعادة تشكيل حدود النقاش السياسي نفسه.
فحين يصبح الدفاع عن حقوق المسلمين موضع اشتباه، يُدفع اليسار إلى الاختيار بين التخلي عن مبدأ المساواة في الحقوق أو قبول الاتهام بأنه يتواطأ مع مشروع ديني. وحين تُختزل قضايا التمييز والهجرة والاندماج في مسألة الولاء للعلمانية، تتراجع إمكانية مناقشة الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج التوترات.
وهكذا قد يتحول المصطلح إلى وسيلة لنقل الصراع من مضمون السياسات إلى هوية من يعارضها. فبدلاً من مناقشة أسباب التفاوت الاجتماعي أو حدود القوانين أو نتائج سياسات الدولة، يصبح السؤال: هل أنت مع الجمهورية أم مع الإسلاميين؟ وهل دفاعك عن المسلمين تعبير عن التزام بالمساواة أم علامة على تحالف أيديولوجي؟
لكن هذا لا يعني أن كل استخدام للمصطلح بلا أساس، أو أن كل حديث عن علاقات بين بعض اليساريين والإسلاميين مجرد اختراع سياسي. فقد توجد حالات فعلية من التنسيق أو التعاون أو التنازل الانتخابي، ويجب التعامل معها وفق أدلتها.
المشكلة هي تحويل الحالات المحددة إلى حكم عام، وتحويل التقاطع إلى تحالف، ثم تحويل التحالف المفترض إلى تفسير شامل لمواقف اليسار من المجتمع الفرنسي.
وتزداد خطورة هذا الاستخدام عندما يُوظف مفهوم العلمانية بصورة انتقائية: فيُستدعى لإدانة مواقف اليسار من قضايا المسلمين، بينما لا تحظى علاقات التمويل والنفوذ الديني المؤسسي دائماً بالقدر نفسه من التدقيق السياسي والإعلامي.
إن السؤال هنا لا يتعلق بإعفاء اليسار من النقد، بل بتحديد الجهة التي تملك حق وضع المعايير وتطبيقها. فإذا كانت السلطة السياسية تتهم خصومها بالتساهل مع الإسلاميين، فمن حق المجتمع أن يسألها عن اتساق سياساتها هي، وعن كيفية تعاملها مع مختلف أشكال النفوذ الديني، وعن الفارق بين التدقيق في المظاهر الفردية ومساءلة الشبكات المنظمة.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم «الإسلامويسارية» باعتبارها مجرد وصف لعلاقة بين طرفين، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها جزءاً من الصراع على تعريف العلمانية، وعلى تحديد من يُنظر إليه باعتباره جزءاً مشروعاً من المجتمع الفرنسي، ومن يُعامل باعتباره موضع اشتباه.
خاتمه: لا دفاع عن اليسار بلا نقد، ولا علمانية بلا اتساق
إن الجدل حول «الإسلامويسارية» يكشف عن تناقضات أوسع في المجتمع الفرنسي، تتعلق بالعلاقة بين الطبقة والهوية، وبين الدين والدولة، وبين المساواة القانونية والفوارق الاجتماعية، وبين حق الأفراد في الاعتقاد ومحاولات توظيف الدين في الصراع السياسي.
ولا يمكن معالجة هذه التناقضات بتصنيف اليسار والإسلاميين في معسكر واحد، كما لا يمكن حلها بإنكار وجود تقاطعات سياسية أو انتخابية بين بعض أطرافهما. فالعلاقات السياسية تُقاس بطبيعتها وأهدافها ودرجة تنظيمها، لا بمجرد تشابه المواقف في قضية واحدة.
كذلك، لا يجوز الخلط بين المسلمين والإسلاميين، ولا بين الدفاع عن الحقوق والتبني الأيديولوجي، ولا بين التضامن مع الفلسطينيين والتحالف مع كل تنظيم يرفع شعار المقاومة. فهذه الفروق ليست تفاصيل ثانوية، بل شروط ضرورية لفهم الواقع وتجنب الأحكام التعميمية.
لكن نقد الخطاب الاتهامي لا يعفي اليسار من مسؤولية الحفاظ على استقلاله الفكري والسياسي. فإذا دفعته الحسابات الانتخابية إلى التغاضي عن تناقضات القوى التي يتعاون معها، أو إلى الامتناع عن نقد المشاريع الدينية المحافظة، فإنه يضعف قدرته على تقديم بديل اجتماعي تحرري. ولا يكفيه أن يعلن دفاعه عن الفئات المهمشة؛ بل عليه أن يوضح طبيعة تحالفاته وحدودها، وأن يرفض تحويل المساواة في الحقوق إلى غطاء للتنازل عن مبادئه.
وفي المقابل، لا تستطيع السلطة الفرنسية أن تجعل العلمانية معياراً لإدانة خصومها من دون أن تخضع سياساتها هي للمعيار نفسه. فالتعامل مع مظاهر الدين الفردية، والرقابة على التمويل الخارجي، ومساءلة المؤسسات التي قد تمارس نفوذاً سياسياً، مسائل مختلفة من حيث طبيعتها القانونية، لكنها جميعاً تستدعي وضوح المعايير واتساق تطبيقها.
إن المثال القطري يوضح لماذا ينبغي أن يكون النقاش أكثر تحديداً. فدعم قطر، عبر قطر الخيرية ومؤسسات ورواد أعمال قطريين، لمشاريع إسلامية في فرنسا وأوروبا، وما أثير بشأن صلات بعض الجهات المستفيدة بأوساط قريبة من الإخوان المسلمين، يفتح باباً مشروعاً لفحص مصادر النفوذ الديني وأهداف التمويل وآثاره. لكنه لا يبرر، من دون أدلة إضافية، اتهامات بتمويل الإرهاب أو السيطرة على الإسلام الفرنسي. إن الدقة في هذا التمييز لا تلغي السؤال السياسي، بل تمنع إفراغه من مضمونه عبر تحويله إلى اتهام غير مثبت.
وفي الوقت نفسه، لا يكفي وجود قوانين أو آليات رقابية لإغلاق النقاش حول مدى اتساق تطبيقها. فمن حق المجتمع أن يسأل عن المعايير التي تحكم تعامل السلطة مع المظاهر الدينية الفردية، وعن اهتمامها بشبكات النفوذ المؤسسي والمالي، وعن الطريقة التي تميز بها بين ممارسة الدين وتوظيفه سياسياً.
إن جوهر المسألة ليس أن فرنسا تحارب الدين أو تتسامح معه بصورة مطلقة، بل أن اتساق العلمانية يُختبر في الطريقة التي تميز بها الدولة بين حرية الاعتقاد والتوظيف السياسي للدين، وبين المظهر الفردي والنفوذ المؤسسي، وبين الدفاع عن الحقوق وبناء التحالفات السياسية.
وإذا كانت السلطة تتهم اليسار بالتقارب مع الإسلاميين، فإن من حق المجتمع أن يسألها عن علاقاتها هي بمصادر النفوذ الديني، وعن معايير الرقابة التي تعتمدها، وعن مدى اتساقها في تطبيق المبادئ التي تعلن الدفاع عنها. فالعلمانية لا تكون مبدأ جمهورياً عاماً حين تُستخدم ضد خصم سياسي، ثم تصبح انتقائية حين يتعلق الأمر بأشكال أخرى من النفوذ.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال هو: هل اليسار مع المسلمين أم ضد الإسلاميين؟ بل: أي مشروع اجتماعي وسياسي يدافع عنه اليسار، وكيف يحافظ على استقلاله أمام القوى الدينية؟ وأي علمانية تدافع عنها الدولة الفرنسية، وكيف تطبقها على مختلف أشكال التعبير الديني والنفوذ المؤسسي؟ وأي شروط اجتماعية تسمح للقوى المتنافسة بتوجيه غضب الفئات المهمشة نحو مشاريع متعارضة؟
عند هذه النقطة فقط يمكن الانتقال من السجال الأيديولوجي إلى التحليل السياسي بمعنى ان البقاء عند مستوى السجالات الأيديولوجيه انما يؤكد بصوره قطعيه ان مصطلح الاسلامويساريه انما هو بروبغندا يمينيه ، يجب الانتقال من استخدام المصطلحات لتصنيف الخصوم إلى فهم التناقضات التي تنتجها علاقات السلطة والمجتمع والطبقة والدين.
والمطلوب ليس تبرئة اليسار مسبقاً، ولا إدانته بموجب مصطلح فضفاض، وليس الدفاع عن الدولة الفرنسية باسم العلمانية أو اتهامها من دون أدلة. المطلوب هو إخضاع الجميع لمعيار واحد من النقد: القوى السياسية، والمؤسسات الدينية، وشبكات التمويل، والسلطة التي تدّعي حماية الجمهورية.
فالعلمانية التي لا تخضع السلطة نفسها للمساءلة تتحول إلى شعار في الصراع السياسي، واليسار الذي يتخلى عن استقلاله النقدي يفقد مبرر وجوده، أما المجتمع الذي تُختزل تناقضاته الطبقية والاجتماعية في صراع هوياتي، فيبقى أسير القوى التي تتنافس على تمثيله بدلاً من تحريره.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإسلامويسارية: تحالف سياسي أم مصطلح أيديولوجي؟ .. ج١
-
عندما تصبح الهامشية مربحة: تجارة الجنس والتمايز الفئوي في ال
...
-
7 أكتوبر: حين تحولت المقاومة إلى هدية استراتيجية لليمين الإس
...
-
الطبقية الوجودية: حين يصبح الصراع على الحق في الوجود
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٦
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج ١٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل ألأمبرياليه... ج١٢
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
-
طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت
...
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
-
الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
-
الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
المزيد.....
-
بعد انتقادات أوباما لتجديد البيت الأبيض.. شاهد كيف رد ترامب
...
-
نائب ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد ويصفه بـ-المختل عقليًا-
-
أمير قطر يلتقي رئيس إيران في موسكو.. ماذا بحث الجانبان؟
-
حكم بغلق موقع -مدى مصر- وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله
-
رضائي بعد اجتماع -تحالف مكة-: واشنطن لم تجلب الأمن لدول المن
...
-
وزير أمريكي يهاجم العرب بعد تصريحات ترامب المسيئة لليبيا وال
...
-
مصدر أردني: القتلى المدنيون في درعا كانوا في خيمة مجاورة لمو
...
-
بوتين يعلن اختتام أعمال القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة ل
...
-
الدفاعات الجوية الروسية تسقط 6 مسيرات كانت متجهة نحو موسكو
-
بن غفير يحذر من إغلاق القناة 14 ويدعو للتصويت لحزبه
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|