أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - 7 أكتوبر: حين تحولت المقاومة إلى هدية استراتيجية لليمين الإسرائيلي















المزيد.....

7 أكتوبر: حين تحولت المقاومة إلى هدية استراتيجية لليمين الإسرائيلي


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 18:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة أحداث في التاريخ لا تكفي لقراءتها من خلال اللحظة التي وقعت فيها، لأن معناها الحقيقي لا يظهر في لحظة الانفجار، وإنما في المسار الذي تفتحه بعد ذلك.
و7 أكتوبر واحد من هذه الأحداث.فقبل ان نحلل الحدث يبدوا في احد جوانبه يبدوا وكأنه انحناءه أدخلت التاريخ الفلسطيني
من بوابة عملية عسكرية غير مسبوقة في قدرتها على اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية وإصابتها بالشلل لساعات. لكن التاريخ لا يتوقف عند الساعات الأولى. فالعملية التي تبدأ بانتصار عسكري يمكن أن تنتهي بهزيمة سياسية، والضربة التي تهز الخصم يمكن أن تتحول، إذا غابت استراتيجية الخروج، إلى الوسيلة التي تمنحه القدرة على إعادة بناء مشروعه السياسي والعسكري على نحو أقوى.
وهنا تحديدًا تكمن المأساة الاستراتيجية لـ7 أكتوبر.
أنا لا أحتاج إلى وثيقة سرية تثبت أن يحيى السنوار أراد خدمة اليمين الإسرائيلي، ولا إلى اعتراف منه أو من غيره حتى أدين قراره.
ليس هذا هو موضوع المسألة أصلًا.
فالقرار السياسي لا يُحاكم فقط على النوايا التي يعلنها أصحابه، وإنما على نتائجه التاريخية. وإذا كان قرار ما قد منح خصمه ما يحتاج إليه لتوسيع مشروعه، وأضعف القضية التي يفترض أنه جاء للدفاع عنها، فإن من حقنا، بل من واجبنا، أن نضع القرار تحت أقسى نقد سياسي.
وهذا ما أفعله هنا.
من «المفاجأة الاستخباراتية» إلى السؤال الأكبر
بعد 7 أكتوبر شاع تفسير جاهز يقول إن إسرائيل فوجئت تمامًا بالعملية، وإن ما حدث كان انهيارًا استخباراتيًا وأمنيًا لا مثيل له.
لكن الخبر الذي تحدث عن قيام رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد بإبلاغ بنيامين نتنياهو قبل الهجوم بأن لدى الإمارات معلومات عن استعداد حماس لهجوم كبير يفتح ثغرة مهمة في هذه الرواية.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما ظهر لاحقًا من مؤشرات على أن أجهزة إسرائيلية كانت قد رصدت نشاطًا غير اعتيادي واستعدادات ميدانية لدى حماس، فإن صورة «المفاجأة الكاملة» تصبح أقل إقناعًا.
وهنا يجب أن نميز بين أمرين ( في حال قبولنا المبدئي بما قيل في الإعلام والتصريحات) .
قد تكون إسرائيل قد فشلت فعلًا في تقدير حجم العملية وطبيعتها وتوقيتها.
وقد تكون قد امتلكت معلومات ولم تحسن قراءتها أو لم تتعامل معها على المستوى السياسي المطلوب.
لكن هذا لا يعني أنها كانت عمياء.
فإسرائيل ليست دولة تفتقر إلى أجهزة الاستخبارات أو إلى وسائل الرصد والمراقبة. تاريخها الطويل في اختراق التنظيمات الفلسطينية، وملاحقة القيادات، والعمل السري ضد إيران، واختراق الاتصالات، يفرض علينا أن نكون أكثر جدية في تفسير ما حدث.
لكن حتى لو أسقطنا تمامًا فرضية وجود معرفة إسرائيلية مسبقة، فإن ذلك لا يغير جوهر نقدنا لقرار السنوار.
لأن السؤال الأخطر ليس: هل فوجئت إسرائيل؟
بل:
ماذا كان السنوار يتوقع أن يحدث بعد أن تنتهي المفاجأة؟
العبقرية التكتيكية لا تعني العقلانية الاستراتيجية
قد يكون من الصعب إنكار أن عملية 7 أكتوبر حققت نجاحًا تكتيكيًا هائلًا في ساعاتها الأولى.
لكن التكتيك ليس استراتيجية.
اختراق الجدار، مهاجمة المواقع العسكرية، الوصول إلى المستوطنات، أسر الإسرائيليين، وإحداث انهيار أمني مؤقت، كلها أمور يمكن أن تدخل في حساب النجاح العسكري المباشر.
لكن الحرب لا تنتهي عند هذه النقطة.
ماذا تفعل بعد ذلك؟
هنا ظهر الفراغ.
لم تكن حماس تملك قدرة على الاحتفاظ بالأرض التي دخلتها. ولم تكن قادرة على تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي. ولم تكن قادرة على حماية قطاع غزة من حرب طويلة. ولم تكن قادرة على منع دخول الولايات المتحدة بكل ثقلها السياسي والعسكري إلى المعركة.
ومع ذلك اتخذت قرارًا كان يعرف، أو كان ينبغي أن يعرف، أن كل هذه العناصر ستدخل في الحساب.
لقد كانت هذه هي المشكلة الأساسية.
لم يكن السؤال هل تستطيع حماس ضرب إسرائيل.
لقد أثبتت أنها تستطيع.
السؤال كان: هل تستطيع تحمل الرد الإسرائيلي؟
والإجابة التي قدمتها الأشهر التالية كانت واضحة: لا.
أين كانت الصفحة الثانية؟
كل عملية عسكرية كبرى تحتاج إلى «صفحة ثانية».
بل إن نجاح الصفحة الأولى يجعل الصفحة الثانية أكثر أهمية.
إذا كانت الغاية هي أسر عدد من الجنود الإسرائيليين لإجبار إسرائيل على صفقة تبادل، فإن السؤال يصبح: كيف ستجبر إسرائيل على التفاوض بعدما تتعرض لهذا النوع من الضربة؟
هل كانت ستنهار؟
هل كانت ستطلب التفاوض؟
هل كانت ستقبل بحماس مسلحة تفرض شروطها عليها؟
هذا رهان سياسي لا يبدو أن الواقع دعمه.
فالذي حدث هو العكس تمامًا.
إسرائيل لم تدخل في حالة استسلام سياسي، وإنما دخلت في حرب شاملة.
والولايات المتحدة لم تتخل عنها، وإنما اندفعت إلى جانبها.
وتحول الأسرى، بدل أن يكونوا ورقة حاسمة تنهي الحرب سريعًا، إلى أحد عناصر الحرب الطويلة.
أما غزة، فقد أصبحت الثمن.
وهنا تظهر المسؤولية التاريخية للقرار.
الولايات المتحدة لم تكن مفاجأة
من أخطر نقاط الضعف في التفكير الذي أنتج 7 أكتوبر أن الولايات المتحدة ظهرت في الحساب وكأنها قوة يمكن استبعادها.
لكن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا حليفين ظرفيين.
إنهما جزء من منظومة استراتيجية واحدة في المنطقة.
وعندما تتعرض إسرائيل لهجوم بالحجم الذي وقع في 7 أكتوبر، فإن افتراض أن واشنطن ستكتفي بالمراقبة كان خطأً استراتيجيًا هائلًا.
بل إن دخول الولايات المتحدة إلى الحرب سياسيًا وعسكريًا كان متوقعًا إلى درجة أن تجاهله لا يمكن أن يكون تفصيلًا في حسابات عملية بهذا الحجم.
ومن هنا يمكن القول إن قرار 7 أكتوبر لم يخطئ فقط في تقدير إسرائيل، بل أخطأ في تقدير ميزان القوى الدولي.
وهذه ليست مسألة صغيرة.
فمن يريد خوض حرب تحرير أو مقاومة طويلة لا يكفي أن يعرف قوة خصمه المباشر؛ عليه أن يعرف شبكة التحالفات التي تحمي ذلك الخصم، ومصالح القوى الكبرى، وقدرة المجتمع الذي يقاتل باسمه على تحمل الحرب.
فهل كان السينوار اصلا عاقلا بقرار مواجهه إسرائيل بهذا الأسلوب؟

لكن إسرائيل لم تكن وحدها.
وهنا يبدأ دور الإمبريالية
الخطأ الأكبر في قراءة 7 أكتوبر هو التعامل معه باعتباره حربًا ثنائية بين حماس وإسرائيل.
المنطقة لم تعد تعمل بهذه الطريقة.
إسرائيل جزء من منظومة إمبريالية أوسع، والولايات المتحدة ليست مجرد حليف عسكري لها، وإنما طرف أساسي في صياغة التوازنات الإقليمية.
وحين تحولت غزة إلى حرب واسعة، انتقلت القضية من المجال الفلسطيني إلى المجال الدولي.
وهذا بالضبط ما تفعله الإمبريالية الحديثة: لا تحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض مباشرة. يكفي أن تتحكم في شروط الحرب والسلام، في التمويل، في السلاح، في إعادة الإعمار، في الحدود والمعابر، وفي شكل النظام السياسي الذي سيأتي بعد الحرب.
وهنا تصبح الحرب نفسها أداة لإعادة ترتيب المنطقة.
لقد دمرت الحرب جزءًا هائلًا من البنية الاجتماعية والمادية لغزة، ثم جاء السؤال: من سيعيد إعمارها؟ ومن سيديرها؟ ومن يراقب حدودها؟ ومن يحدد شروط إدخال الأموال والمساعدات؟ ومن يقرر شكل السلطة التي ستحكمها؟
عند هذه النقطة يصبح الدمار نفسه مدخلًا إلى إعادة إنتاج التبعية.
وهذا هو منطق الإمبريالية.
المفارقة الكبرى: السنوار ضرب إسرائيل وأنقذ مشروع اليمين
هنا نصل إلى النقطة التي أراها أكثر أهمية من كل الجدل حول «المؤامرة» أو «المعرفة المسبقة».
لا أحتاج إلى إثبات أن السنوار أراد مساعدة نتنياهو.
يكفيني أن قراره فعل ذلك موضوعيًا.
قبل 7 أكتوبر كان اليمين الإسرائيلي يواجه أزمات داخلية عميقة، وانقسامات حول الحكومة والقضاء وطبيعة الدولة، وصراعًا سياسيًا واجتماعيًا متزايدًا.
جاء 7 أكتوبر ليعيد ترتيب الأولويات كلها.
فجأة أصبحت إسرائيل مجتمع حرب.
اختفى جزء كبير من الصراع الداخلي خلف شعار الأمن.
وأصبح اليمين قادرًا على القول:
انظروا ماذا يحدث عندما نترك الفلسطينيين يمتلكون القوة.
لقد حصل اليمين الإسرائيلي على الدليل الذي كان يحتاج إليه لإعادة إنتاج روايته التاريخية.
لقد حصل على شرعية إضافية لمشروع القوة.
وحصل على فرصة لتوسيع الحرب.
وحصل على فرصة لإعادة طرح السيطرة الأمنية على غزة.
وحصل على فرصة لتوسيع الضغط في الضفة الغربية.
وحصل على فرصة لإعادة تعريف الصراع أمام العالم باعتباره حربًا على الإرهاب بدل أن يكون صراعًا بين شعب واقع تحت الاحتلال ودولة احتلال.
هذه النتيجة وحدها كافية لجعل قرار 7 أكتوبر موضوعًا للإدانة السياسية.
لقد تغيرت القضية
قبل الحرب كان يمكن أن يكون السؤال:
كيف تنتهي الاحتلالات؟
كيف تقوم الدولة الفلسطينية؟
كيف تنتهي الاستيطانات؟
كيف تصبح القدس جزءًا من تسوية سياسية عادلة؟
كيف يتحول الضغط الدولي إلى مشروع سياسي؟
بعد 7 أكتوبر أصبح السؤال:
كيف تنتهي الحرب؟
كيف تدخل المساعدات؟
كيف تعاد إعمار غزة؟
من يحكم غزة؟
من يسيطر على المعابر؟
ما شكل الأمن الإسرائيلي؟
كيف يمكن منع تكرار 7 أكتوبر؟
أي أن مركز النقاش انتقل من حقوق الشعب الفلسطيني إلى الأمن الإسرائيلي.
وهذا انتصار سياسي هائل لإسرائيل.
بل إن قضية القدس نفسها، التي حملت اسم العملية، تراجعت في الوعي الدولي أمام كارثة غزة.
وهنا تكمن مفارقة مؤلمة:
عملية قيل إنها جاءت دفاعًا عن الأقصى انتهت إلى دفع القضية الفلسطينية كلها بعيدًا عن الأقصى، وبعيدًا عن الدولة، وبعيدًا عن إنهاء الاحتلال، نحو سؤال البقاء تحت الحرب.
هل يعني هذا تبرئة إسرائيل؟
أبدًا.
بل العكس.
إسرائيل دولة احتلال، وحربها على غزة لا تصبح مشروعة لأن حماس ارتكبت خطأ استراتيجيًا.
ولا يتحول الضحية إلى مسؤول عن جريمة الجلاد.
لكن هناك فرقًا بين مسؤولية إسرائيل عن الحرب وجرائمها وبين مسؤولية قيادة حماس عن القرار الذي فتح الطريق لهذه الحرب.
إن رفض تحميل السنوار مسؤولية قراره بحجة أن إسرائيل هي المعتدي، يعني عمليًا إلغاء السياسة من التاريخ.
فالسياسة هي فن اتخاذ القرار تحت شروط القوة.
ومن لا يحسب القوة، لا يستطيع قيادة شعب في معركة تاريخية.
المقاومة ليست ديانة تمنع النقد
لقد أصبحت كلمة «المقاومة» في الخطاب العربي أحيانًا أشبه بمنطقة محرمة.
بمجرد أن نقول إن حماس مقاومة، يصبح نقد قرارها خيانة.
وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر.
فالمقاومة ليست فوق التاريخ.
والقائد المقاوم ليس فوق المحاسبة.
والشهيد ليس فوق النقد السياسي.
بل إن احترام تضحيات المقاتلين يفرض علينا أن نكون أكثر قسوة في محاسبة القيادات التي تتخذ قرارات الحرب.
لأن المقاتل يدفع حياته.
والمدني يدفع حياته وبيته ومستقبله.
ومن يقرر الحرب لا يجوز أن يختبئ بعد ذلك خلف بطولة من نفذ القرار.
حماس ومشكلة تحويل التحرر الوطني إلى مشروع فصائلي
هناك مشكلة أخرى أكثر عمقًا.
القضية الفلسطينية قضية وطنية، لكن حماس تعاملت معها من داخل أفق ديني وتنظيمي خاص.
وهذا أضعف إمكانية تقديم الصراع للعالم بوصفه قضية تحرر وطني جامعة.
لقد كان من السهل على إسرائيل أن تستثمر في هذا الجانب.
فبدل أن يظهر الفلسطيني أمام العالم بوصفه صاحب قضية وطنية عادلة، ظهر الصراع في كثير من الأحيان بوصفه حربًا بين إسرائيل وتنظيم إسلامي مسلح.
وهذه ليست مجرد مشكلة إعلامية.
إنها مشكلة سياسية.
فالتحرر الوطني يحتاج إلى أوسع تحالف اجتماعي وسياسي ممكن، لا إلى حصر القضية في تنظيم أو أيديولوجيا واحدة.
ومن هذه الزاوية أيضًا يمكن فهم كيف أصبحت الانقسامات الفلسطينية جزءًا من البيئة التي استفاد منها اليمين الإسرائيلي.
فإسرائيل لم تكن بحاجة إلى فلسطين موحدة سياسيًا.
كانت بحاجة إلى فلسطينيين منقسمين.
وكانت حماس، شاءت أم لم تشأ، جزءًا من هذا الانقسام.
السؤال الأكثر قسوة: من خرج أقوى؟
في النهاية يمكن اختزال المسألة في سؤال بسيط:
من خرج من 7 أكتوبر أكثر قدرة على فرض شروطه؟
حماس؟
لا.
غزة؟
بالتأكيد لا.
المشروع الوطني الفلسطيني؟
لا.
اليمين الإسرائيلي؟
نعم.
إسرائيل؟
رغم الصدمة الهائلة التي تلقتها، خرجت وهي تخوض حربًا على شروطها، وتحظى بدعم أمريكي واسع، وتعيد فرض سؤال الأمن بوصفه أولوية إقليمية ودولية.
الولايات المتحدة؟
نعم أيضًا.
فقد عادت إلى مركز إدارة الشرق الأوسط، وأصبحت الحرب وإعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب ملفات لا يمكن تجاوز الدور الأمريكي فيها.
والقوى الإمبريالية عمومًا؟
نعم.
لأن الحرب فتحت أمامها مجالًا جديدًا لإعادة هندسة المنطقة تحت عنوان الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار.
أما الفلسطينيون، فقد دفعوا الثمن الأكبر.
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا نخاف من قولها.
لا أتهم السنوار بالتواطؤ... بل أتهمه بسوء التقدير
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
ليس ضروريًا أن نقول إن السنوار كان متواطئًا مع إسرائيل حتى ندينه.
بل إن اتهامه بالتواطؤ يضعف النقد بدل أن يقويه، لأنه ينقل النقاش إلى عالم المؤامرة والوثائق السرية.
أما نقد القرار نفسه فهو أقوى.
كان القرار خاطئًا.
وكان التقدير خاطئًا.
وكانت قراءة ميزان القوى خاطئة.
وكانت قراءة قدرة غزة على تحمل الحرب خاطئة.
وكانت قراءة الموقف الأمريكي خاطئة.
وكانت قراءة النتائج السياسية للعملية خاطئة.
والأخطر من ذلك كله أن العملية قدمت لخصوم القضية الفلسطينية ما لم يكونوا قادرين على الحصول عليه بسهولة في الظروف السابقة.
ولهذا فإن إدانة القرار لا تحتاج إلى مؤامرة.
يكفي أن ننظر إلى ما حدث.
التاريخ لا يحاكم النيات وحدها... لنفترض الاتي
ربما كان السنوار يعتقد أنه يفتح طريقًا جديدًا للقضية الفلسطينية.
ربما كان يعتقد أن إسرائيل ستنهار سياسيًا تحت ضغط الأسرى.
ربما كان يعتقد أن المجتمع الإسرائيلي لن يحتمل حربًا طويلة.
ربما كان يعتقد أن الولايات المتحدة لن تتورط إلى هذا الحد.
لكن التاريخ لا يمنح القادة براءة لأنهم أخطأوا بحسن نية.
الخطأ التاريخي يبقى خطأً حتى لو كان صاحبه مؤمنًا بصواب قراره.
وهنا تكمن مسؤولية القيادة.
إن القيادة السياسية ليست مجرد امتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار، وإنما امتلاك القدرة على توقع نتائجه.
وقد أثبت 7 أكتوبر أن الجرأة كانت موجودة، لكن الحكمة الاستراتيجية لم تكن بالمستوى نفسه.
الخلاصة
لقد كسر 7 أكتوبر حاجزًا إسرائيليًا، لكنه لم يكسر النظام الذي يحكم الصراع.
لقد فاجأ إسرائيل، لكنه لم يهزمها.
لقد ضرب الجيش الإسرائيلي في الساعات الأولى، لكنه لم ينتزع منه المبادرة الاستراتيجية.
لقد أسر إسرائيليين، لكنه لم يستطع تحويل الأسرى إلى تسوية سياسية سريعة.
لقد أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة العالم، لكنه أعادها في صورة الحرب والدمار والرهائن والإرهاب، لا في صورة التحرر الوطني والدولة والقدس وإنهاء الاحتلال.
لقد أضعف صورة إسرائيل الأمنية، لكنه في الوقت نفسه أعطى اليمين الإسرائيلي مبررًا تاريخيًا لتوسيع مشروعه.
وهذه هي المفارقة التي لا يجوز أن نخاف من مواجهتها:
قد تكون حماس كحركه قد أرادت ضرب اليمين الإسرائيلي، لكن قرار السنوار قدم له، موضوعيًا، خدمة استراتيجية ضخمة.
ولا نحتاج إلى وثيقة تثبت النية لكي نثبت النتيجة.
فالسياسة تُقرأ في النهاية من خلال موازين القوى التي تنتجها القرارات.
ولهذا فإن القضية الفلسطينية تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحرير نفسها من قداسة الفصائل، ومن تحويل المقاومة إلى حصانة ضد النقد، ومن الخلط بين البطولة والاستراتيجية.
فالمقاومة التي لا تنتج أفقًا سياسيًا للتحرر تتحول إلى إدارة دائمة للخسارة.
والعملية العسكرية التي لا تملك صفحتها الثانية قد تتحول إلى أداة بيد الخصم.
والقيادة التي لا تحسب ميزان القوى الدولي يمكن أن تبدأ الحرب باسم التحرير، ثم تجد شعبها يدفع ثمنًا تاريخيًا لحسابات خاطئة.
7 أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية. كان قرارًا تاريخيًا، والقرار التاريخي يُقاس بما فتحه من طريق، لا بما أحدثه من صدمة في ساعاته الأولى.
والطريق الذي فتحه 7 أكتوبر، حتى الآن، كان طريقًا استفاد منه اليمين الإسرائيلي والإمبريالية أكثر مما استفادت منه القضية الفلسطينية.
وهذا وحده يكفي لإدانة القرار.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطبقية الوجودية: حين يصبح الصراع على الحق في الوجود
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٦
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٥
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج ١٤
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١٣
- الرقسماليه أعلى مراحل ألأمبرياليه... ج١٢
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج١١
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٩
- طوفان الأقصى... عندما تصبح النتائج قرينة على ضرورة إعادة الت ...
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
- من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
- علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟


المزيد.....




- فيديو يُظهر لحظة حادث تصادم مميت بين حافلة مدرسية وسيارة في ...
- شاهد.. إسرائيليون يحيون ذكرى بدء هجوم 7 أكتوبر بالصمت
- -نصر غصب عنك-.. ساويرس يرد على إيدي كوهين بشأن حرب أكتوبر
- كريستا بايك -تستعيد وعيها وتتحدث-، بعد نجاتها من محاولتين لت ...
- تهديد إسرائيلي بتدمير سيناء يشعل الغضب في مصر.. إعلاميون: لن ...
- زلزال نقدي في بغداد.. العراق يخفض قيمة الدينار بـ 15% لمواجه ...
- رداءة الوقود في سوريا تلغي زيارة رسمية لوفد تركي
- في ذكرى 7 أكتوبر الثالثة.. إرث الإخفاق الأمني يلاحق نتنياهو ...
- تحسبا لتوسع أزمة إثيوبيا.. تنسيق أمني وعسكري بين مصر وإريتري ...
- -قضية الرهائن تعرضت للتسييس لتبرير استمرار الحرب-.. هجوم شرس ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - 7 أكتوبر: حين تحولت المقاومة إلى هدية استراتيجية لليمين الإسرائيلي