ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 20:16
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
أين البحث من المادية الجدلية؟
لم تُبنَ هذه الدراسة انطلاقًا من محاولة إسقاط مفاهيم المادية الجدلية بصورة ميكانيكية على التحولات التي يشهدها العالم المعاصر، ولم يكن هدفها إثبات انتمائها إلى مدرسة فكرية بعينها من خلال تكرار مصطلحاتها. وإنما انطلقت من افتراض أكثر جوهرية: أن التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية لا يمكن فهمها خارج الشروط المادية التي تنتجها، وأن هذه الشروط لا تبقى ثابتة، بل تتحرك بفعل تناقضاتها الداخلية، فتنتج بدورها أشكالًا جديدة من العلاقات والقوى والصراعات.
ومن هذا المنظور، فإن البحث في الرقسمالية هو في جوهره محاولة لقراءة التحول الراهن بوصفه عملية تاريخية مادية وجدلية؛ أي بوصفه نتيجة لتطورات مادية تراكمت داخل النظام الرأسمالي، ثم بلغت في مرحلة معينة حدًا أخذت معه تتحول من تغيرات كمية متراكمة إلى تغيرات نوعية في بنية التراكم، وأدوات الهيمنة، وشكل الإمبريالية، والعلاقات بين الدولة والمجتمع والإنسان.
فالرقسمالية، وفق هذا التصور، ليست نظامًا ظهر من خارج الرأسمالية، وليست قطيعة معها، وإنما هي تحول نوعي داخل تطورها التاريخي. لقد احتفظت الرأسمالية بعلاقات الملكية والتراكم والاستحواذ، لكنها غيرت بصورة متزايدة الوسائل التي يتحقق بها هذا التراكم، والمواضع التي تمارس من خلالها الهيمنة. ومن هنا جاء الانتقال من السيطرة على المجال إلى السيطرة على البنية، ومن السيطرة على العناصر إلى السيطرة على العلاقات التي تربط هذه العناصر بعضها ببعض.
وهنا تظهر إحدى أهم الحركات الجدلية التي يقوم عليها البحث: القوة التي تنتجها الشبكة تحمل في داخلها مصدر هشاشتها. فكلما اتسعت الشبكة وتعمق الترابط بين أطرافها، ازدادت قدرة النظام على الحركة والتكامل والتراكم، ولكن ازدادت في الوقت نفسه درجة الاعتماد المتبادل وقابلية النظام للصدمات التي يمكن أن تنتشر عبر البنية نفسها. وهكذا لا يظهر التناقض باعتباره خللًا خارجيًا يهدد النظام، بل باعتباره علاقة داخلية في طريقة عمله.
وينطبق الأمر نفسه على التناقض بين القوى الكبرى. فالتنافس لا يؤدي بالضرورة إلى الانفصال، لأن أطراف الصراع أصبحت في حالات كثيرة مرتبطة بالبنية ذاتها التي تتنافس داخلها. ولذلك يمكن أن يجتمع التنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع التعاون، والخصومة الاستراتيجية مع الاعتماد المتبادل، والصراع مع الحاجة إلى استمرار الشبكة. ومن هنا تظهر التحالفات الهجينة وإدارة التناقض بدل إلغائه بوصفهما من السمات التي يفرضها الشكل الشبكي الجديد للعلاقات الدولية.
ولا تقف الحركة الجدلية عند المستوى الدولي. فالتغير في البنية المادية للتراكم ينعكس على الدولة، وعلى مفهوم السيادة، وعلى المجتمع، وعلى العمل، وعلى العلاقات الطبقية، ثم يمتد إلى المجال الإدراكي والإنسان نفسه. ولهذا لا يتعامل البحث مع هذه المستويات بوصفها ظواهر منفصلة، وإنما بوصفها لحظات مترابطة في حركة تاريخية واحدة.
ومن هنا يمكن فهم الانتقال من السيادة القانونية إلى مفهوم السيطرة البنيوية. فالدولة قد تحتفظ بأرضها ومؤسساتها وجيشها وقوانينها، لكنها قد تجد أن قدرتها الفعلية على ممارسة هذه السيادة مرتبطة ببنى تحتية وتقنية ومالية لا تملك السيطرة الكاملة عليها. وهنا لا تختفي الدولة، وإنما يتغير الشرط المادي الذي تمارس من خلاله سيادتها.
وبالمثل، فإن التحول في بنية التراكم لا يظل محصورًا في الاقتصاد. فإذا أصبحت البيانات والانتباه والتفاعل والسلوك والنشاط الشبكي جزءًا من عمليات استخراج القيمة، فإن المجتمع نفسه يدخل بصورة متزايدة في دائرة التراكم. ولا يعود الفرد مجرد مستهلك للمنصة أو الشبكة، وإنما يصبح في الوقت نفسه مستخدمًا، ومنتج بيانات، ومنتج محتوى، ومصدر انتباه، وعقدة داخل البنية التي يعمل من خلالها التراكم.
ومن هنا أيضًا تأتي مسألة الطبقات. فالتغير في أدوات التراكم لا يعني اختفاء العلاقات الطبقية، وإنما يعيد تركيبها ويغير مواقعها وأشكالها. فإذا انتقلت بعض مصادر القوة والثروة إلى امتلاك المنصات والبنى الرقمية والبيانات والخوارزميات، فإن السؤال الطبقي لا يعود متعلقًا فقط بملكية المصنع ووسائل الإنتاج المادية التقليدية، بل يمتد إلى من يملك البنية التي تمر عبرها عملية الإنتاج والتبادل والاستهلاك والتواصل نفسها، ومن يعمل داخلها، ومن ينتج البيانات والقيمة، ومن يستولي عليها.
وهنا تتخذ مسألة التكنولوجيا معناها المادي الجدلي الحقيقي. فالتكنولوجيا ليست قوة مستقلة تعمل خارج العلاقات الاجتماعية، كما أنها ليست مجرد أداة محايدة. إنها جزء من قوى الإنتاج، ولكنها تعمل داخل علاقات ملكية وتراكم وصراع اجتماعي محددة. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا تفعل التكنولوجيا بالمجتمع؟ بل أيضًا: كيف يعيد النظام الاجتماعي تشكيل التكنولوجيا، وكيف يعيد تطور قوى الإنتاج الرقمية بدوره الضغط على علاقات الإنتاج القائمة؟
ومن هذه العلاقة يظهر تناقض آخر أكثر عمقًا: فالتطور التقني يرفع القدرة على الإنتاج والأتمتة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يقلل الحاجة إلى العمل البشري المباشر. وهنا ينشأ التناقض بين ازدياد القدرة الإنتاجية للنظام وبين قدرته على استيعاب قوة العمل التي أنتجها تاريخيًا. ومن هذا التناقض تبرز مسألة «فائض البشر» بوصفها واحدة من النتائج المحتملة للتحول الجاري: نظام أنتج الإنسان بوصفه قوة عمل، يبدأ في إنتاج شروط تقلل حاجته إلى هذه القوة.
كما أن انتقال البحث من الاقتصاد والسياسة إلى الإدراك والإنسان ليس خروجًا من المادية إلى المثالية. فالوعي هنا لا يُطرح بوصفه أصل التحول، وإنما بوصفه نتيجة تاريخية لتغير الشروط المادية والاجتماعية التي يتشكل داخلها. فإذا تغيرت البنية التي يعمل فيها الإنسان، وتغيرت علاقات القوة والتراكم، وتغير المجتمع، تغيرت بالضرورة البيئة التي يتشكل داخلها الإدراك.
ومن هنا يصبح الانتقال من احتكار المعلومة إلى إدارة سوق الحقائق، ومن السيطرة على مضمون المعرفة إلى السيطرة على شروط إنتاجها وانتشارها، امتدادًا منطقيًا للتحول المادي السابق. فالقوة لا تحتاج دائمًا إلى أن تفرض حقيقة واحدة؛ يكفيها أحيانًا أن تؤثر في البيئة التي تتحدد داخلها قابلية الحقائق للظهور والانتشار والتأثير.
وفي هذه النقطة يصل البحث إلى الإنسان. فالإنسان الذي يعيش داخل هذه البنية لم يعد مجرد مستخدم لها، وإنما أصبح جزءًا من آلية عملها. ومن ثم تنتقل المسألة من سؤال الحرية المجردة إلى سؤال أكثر تركيبًا:
من الذي يصمم البيئة التي تتشكل داخلها خيارات الإنسان؟
وهنا تصبح الحرية نفسها مسألة ذات بعد بنيوي؛ لا بمعنى إلغاء الإرادة الإنسانية، وإنما بمعنى البحث في الشروط المادية والاجتماعية التي تتشكل داخلها الإرادة والاختيار.
وعلى هذا الأساس، فإن المادية الجدلية في هذا البحث لا تظهر في استعمال مصطلحاتها فحسب، وإنما في طريقة بناء العلاقة بين الظواهر: بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبين التراكم والملكية، وبين القوة والتناقض، وبين البنية والدولة، وبين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع والوعي، وبين الوعي والإنسان.
إن المسار الذي يحاول البحث الكشف عنه يمكن اختزاله في الحركة التالية:
تطور القوى المادية → تراكم التناقضات → تحول نوعي في بنية التراكم → الرقسمالية → إعادة تشكيل الإمبريالية → إعادة تشكيل علاقات القوة والطبقات → إعادة تشكيل الدولة والمجتمع → إعادة تشكيل الإدراك → إعادة تعريف موقع الإنسان.
ومن هذه الزاوية، فإن الرقسمالية ليست مجرد وصف لاقتصاد رقمي، ولا مجرد تسمية لمرحلة تكنولوجية، وإنما هي محاولة لتحديد لحظة تاريخية في تطور الإمبريالية، حيث أصبحت الشبكة والبنية والتدفق والعقدة أدوات مركزية في ممارسة القوة والتراكم.
وهنا تظهر الجدلية المغلقة للرقسمالية: فهي تحتاج إلى توسيع الشبكة لكي تزيد قدرتها على التراكم والسيطرة، لكنها كلما وسعت الشبكة زادت درجة اعتمادها المتبادل عليها، وكلما ازدادت درجة الاعتماد ازدادت هشاشتها أمام التناقضات والأزمات التي تنتج داخلها.
ومن ثم فإن البحث لا ينظر إلى الرقسمالية بوصفها نظامًا مكتمل الاستقرار، وإنما بوصفها نظامًا يحمل تناقضاته داخله؛ تناقضًا بين الترابط والانفصال، وبين التراكم والتكنولوجيا، وبين الأتمتة والعمل، وبين السيادة القانونية والسيطرة البنيوية، وبين حرية الاختيار وهندسة شروط الاختيار، وبين القوة والهشاشة.
وبهذا المعنى، فإن المادية الجدلية ليست فصلًا منفصلًا عن البحث، وإنما هي المنطق الذي يحاول البحث أن يتحرك من خلاله: البحث عن الشروط المادية، والكشف عن التناقضات الداخلية، وتتبع تحولاتها الكمية والنوعية، وربط الاقتصاد بالسياسة والمجتمع والوعي، ثم النظر إلى الإنسان بوصفه نتاجًا وفاعلًا داخل هذه الحركة التاريخية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينتهي إليه البحث ليس فقط:
ما هي الرقسمالية؟
وإنما:
أي تناقضات مادية أنتجتها، وأي تناقضات جديدة تنتجها هي بدورها؟ وإلى أين يمكن أن تقود هذه الحركة التاريخية النظام والمجتمع والإنسان؟
فهنا تحديدًا تلتقي أطروحة الرقسمالية مع المادية الجدلية: ليس في القول إن العالم قد تغير فحسب، وإنما في محاولة فهم كيف ولماذا يتغير، وما التناقضات التي تدفعه إلى التغير، وكيف تنتج المرحلة الجديدة بدورها الشروط المادية لتجاوزها أو إعادة إنتاجها في صورة جديدة.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟