أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟














المزيد.....

من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 13:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ عقود طويلة اعتاد العالم أن يفهم الحروب الكبرى من خلال الصور التقليدية التي رسختها الحربان العالميتان: جيوش ضخمة، وتحالفات معلنة، وجبهات واضحة، وإعلانات حرب رسمية. لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد يعمل بهذه الطريقة. فالقوى الكبرى تعلمت أن تخوض صراعاتها بأدوات أكثر تعقيداً، وأن تدير مواجهاتها عبر ساحات متفرقة ووكلاء متعددين ورسائل استراتيجية يصعب على المتابع العادي التقاط معناها الكامل.

ولهذا السبب يبدو كثير من المراقبين عاجزين عن فهم ما يجري في الشرق الأوسط. فهم ما زالوا يبحثون عن البيانات الرسمية والاعترافات المباشرة، بينما تتحرك الوقائع على الأرض في اتجاه مختلف تماماً.

فالمواجهة التي بدأت بوصفها صراعاً بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد تبدو كذلك اليوم. فكل تطور جديد يكشف أن نطاق الأزمة أكبر بكثير من الرواية المعلنة، وأن القوى المنخرطة فيها تتجاوز الأطراف التي تظهر أسماؤها في العناوين اليومية.

لقد دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، وأوسع شبكة قواعد، وأحدث منظومات قتالية. ومع ذلك فإن معيار النجاح في السياسة ليس حجم القوة المستخدمة، بل القدرة على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية ملموسة. وهنا تكمن المفارقة الأساسية.

فالولايات المتحدة استطاعت أن تستخدم قوتها العسكرية، لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي نهائي. ومع مرور الوقت ظهرت وقائع جديدة، من بينها خسائر عسكرية نوعية اضطرت واشنطن نفسها إلى الاعتراف بها، وعمليات إنقاذ معقدة، ثم ردود عسكرية محسوبة ومحدودة لا تنسجم مع صورة القوة المطلقة التي اعتاد العالم رؤيتها.

إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإسقاط طائرة أو مروحية بحد ذاته، بل بما يكشفه ذلك من حدود غير معلنة للقوة الأمريكية. فالدول العظمى لا تغيّر سلوكها الاستراتيجي بسبب حادث عابر، بل بسبب إدراكها أن كلفة التصعيد أصبحت أعلى مما كانت تتوقع.

ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل كانت الولايات المتحدة تواجه إيران وحدها بالفعل؟

إن الإجابة لا تتطلب ظهور جيوش أجنبية على خطوط النار، ولا تحتاج إلى مؤتمرات صحفية تعلن فيها القوى الكبرى انخراطها المباشر. فالصراعات الحديثة لا تُدار بهذه الطريقة. النفوذ التكنولوجي، والدعم الاستخباري، والغطاء السياسي، والرسائل الاستراتيجية، كلها أدوات تدخل ضمن بنية الصراع حتى وإن بقيت بعيدة عن الأضواء.

ولعل ما جرى على الساحة اللبنانية يقدم مثالاً لافتاً على هذا النوع من الأسئلة. فبينما كان حزب الله يتعرض لضربات عسكرية قاسية، ويواجه اختراقات استخبارية أصابت أجزاء من بنيته التنظيمية والأمنية، ظهرت في المقابل قدرات تقنية جديدة أربكت حسابات الجيش الإسرائيلي وفرضت عليه إعادة النظر في بعض تقديراته العملياتية. ومن بين هذه التطورات برز الحديث عن استخدام تقنيات تعتمد على الألياف الضوئية في تشغيل أو توجيه بعض المنظومات غير المأهولة، بما قلل من فعالية وسائل التشويش والحرب الإلكترونية التي لطالما شكلت أحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي.

واللافت هنا ليس الجانب التقني بحد ذاته، بل التناقض الظاهري بين واقع الاستنزاف العسكري والأمني الذي كان يعيشه التنظيم وبين استمرار ظهور حلول تقنية نوعية في ميدان المعركة. وهذا التناقض يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يستطيع تنظيم يتعرض لكل هذه الضغوط أن يواصل تطوير أدوات قادرة على إرباك واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تقدماً في المنطقة؟

إن هذا السؤال لا يقود بالضرورة إلى إجابة واحدة، لكنه يضيف قرينة أخرى إلى مجموعة القرائن التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري يتجاوز الحدود التقليدية للنزاعات المحلية، وأن وراء بعض التحولات الميدانية شبكات أوسع من الخبرة والدعم والتفاعل الاستراتيجي مما يظهر للعلن.

وفي هذا السياق تكتسب المواقف الصينية الأخيرة أهمية خاصة. فحين تعرب بكين عن قلق شديد تجاه ما يجري في المنطقة، فإنها لا تتحدث بوصفها مراقباً محايداً ينظر إلى نزاع محلي محدود، بل بوصفها قوة كبرى تدرك أن ما يجري يمس التوازنات الدولية التي تقوم عليها مصالحها الاستراتيجية. إن اللغة الدبلوماسية قد تبدو هادئة في ظاهرها، لكن قراءة السياسة لا تتم عبر الكلمات وحدها، بل عبر توقيتها وسياقها وما يرافقها من تحولات على الأرض.

إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المراقبين هو التعامل مع ساحات الصراع باعتبارها ملفات منفصلة. فهم ينظرون إلى إيران بمعزل عن الخليج، وإلى لبنان بمعزل عن إيران، وإلى مضيق هرمز بمعزل عن الصراع الدولي الأوسع. لكن الوقائع تشير إلى أن هذه الساحات أصبحت مترابطة بصورة متزايدة، وأن ما يحدث في إحداها ينعكس مباشرة على الأخرى.

ولذلك فإن توصيف ما يجري باعتباره مجرد أزمة إقليمية لم يعد كافياً. فالمشهد الأوسع يوحي بأن الشرق الأوسط تحول إلى إحدى ساحات الصدام العالمي الدائر حول مستقبل النظام الدولي. وليس المقصود هنا حرباً عالمية بالمعنى التقليدي المعروف، بل مواجهة كبرى تخاض بأدوات جديدة، وتتحرك تحت سقف الردع النووي، وتدار عبر الأزمات الإقليمية والنفوذ الاقتصادي والتقني والعسكري.

إن العالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يمر اليوم بمرحلة اختبار حقيقية. وما نشهده ليس مجرد صراع على حدود أو نفوذ محلي، بل صراع على شكل التوازن الدولي نفسه. ولهذا فإن الأحداث الجارية يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع من حدود الشرق الأوسط، لأنها قد تكون أحد المؤشرات الأولى على ولادة نظام عالمي جديد، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لمصلحة توازنات أكثر تعقيداً وتشابكاً.

من هرمز إلى بيروت، ومن الخليج إلى شرق آسيا، تبدو الخيوط أكثر ترابطاً مما يعتقد كثيرون. ومن يكتفي بقراءة التصريحات الرسمية قد لا يرى سوى نزاعات متفرقة، أما من يقرأ حركة الوقائع ومآلاتها فقد يجد نفسه أمام مشهد مختلف تماماً: صدام عالمي يتشكل بهدوء، ويعيد رسم خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
- إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال ...
- من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع ...
- قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة ...
- ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف ...
- الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- حرب إيران: الغموض السياسي بين ترامب وطهران، يُغذّي مضاعفة أر ...
- حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتح ...
- من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع ...
- لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف ...
- الغموض الاستراتيجي في تجنب الجزر الإيرانية: تحليل لحرب مضيق ...
- الصواريخ متعددة الرؤوس: حين يتحول السلاح إلى قرار دولي مؤجل
- إيران تُعاد صياغتها: من دولة إقليمية إلى «لادولة مُدارة»
- إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في ز ...
- المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف م ...
- التزامن الدبلوماسي في جنيف: تأكيد الترابط الجيوسياسي بين أوك ...
- العراق: سيادة بروتوكولية وساحة نزاع النفوذ المتعدد
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4


المزيد.....




- شاهد.. مشجع يتعرض لضرب مبرح ودهس من قبل مشجعي فريق الخصم بعد ...
- نجل مخرج شهير متهم بقتل والديه يطالب بحصة من الميراث للدفاع ...
- شاهد كيف تثير الحرب انقساماً في آراء اللبنانيين حول حزب الله ...
- إيران: نراجع المفاوضات مع أمريكا بعد ضربات الليلة الماضية
- لماذا يُعدّ إتقان -القرفصاء الآسيوية- مهماً لصحتنا؟
- -بوتين وترامب عالقان فوق جزيرة من الوهم- - مقال في الغارديان ...
- الولايات المتحدة: عرض للقوات الجوية الفرنسية يحيي 250 عاما ع ...
- -ليس نشاطاً خيرياً-.. نائبة بريطانية تطالب بشطب 32 مؤسسة تمو ...
- طبيبة: شرب القهوة على معدة فارغة يسبب مرضا خطيرا خلال شهر فق ...
- ألبانيا ليست للبيع – بصيص أمل لأوروبا


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟