أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في زمن الهيمنة المقيدة














المزيد.....

إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في زمن الهيمنة المقيدة


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 00:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن التصعيد العسكري الأمريكي ضد المنشآت النووية الإيرانية مجرد رسالة ردع ظرفية، بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في مقاربة واشنطن للملف الإيراني. فالمسار الذي بدأ بمحاولة احتواء شامل — يجمع النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي ضمن معادلة واحدة — انتهى إلى حصر التفاوض في النووي فقط، مع إخراج ملف الصواريخ من الطاولة المباشرة. هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن سؤال أكبر: هل نحن أمام تراجع أمريكي، أم أمام إعادة تعريف واقعية لحدود القوة؟
من الاحتواء الشامل إلى منع الاختراق
الاستراتيجية الأمريكية في مرحلتها السابقة انطلقت من فرضية واضحة: لا يمكن ضمان أمن المنطقة ولا استقرار النظام الدولي دون تقليص شامل لأدوات القوة الإيرانية. لكن التجربة العملية أظهرت أن جمع الملفات في سلة واحدة يعني رفع سقف التفاوض إلى درجة تجعله مستحيل التحقيق. فكل ملف من هذه الملفات يرتبط ببنية سيادية وأمنية داخل إيران، وليس مجرد ورقة قابلة للمساومة التقنية.
الانتقال إلى حصر الجدال في النووي فقط لا يعني قبولًا بالدور الإقليمي الإيراني، بل اعترافًا بأن منع العتبة النووية هو الهدف القابل للتحقيق ضمن موازين القوى الحالية. هنا تتبدل طبيعة الصراع: من محاولة تغيير سلوك شامل إلى إدارة خطر محدد. وهذا بحد ذاته مؤشر على تحوّل في تعريف الأولويات، لا بالضرورة في تعريف الخصم.
الردع بدل الحسم
الضربات العسكرية لم تُنهِ الصراع، لكنها أنهت وهم الحسم. فالقوة الصلبة أثبتت قدرتها على إبطاء البرنامج النووي، لكنها لم تثبت قدرتها على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لإيران. بذلك انتقل مركز الثقل من منطق “التفكيك” إلى منطق “الردع المُدار”.
الردع هنا ليس حالة استقرار، بل توازن هش يقوم على حسابات دقيقة:
إيران تُواصل التخصيب ضمن حدود محسوبة،
والولايات المتحدة تُبقي التهديد العسكري قائمًا دون انزلاق إلى مواجهة شاملة.
هذه المعادلة لا تعني انتصار أحد، بل اعترافًا متبادلًا بأن كلفة الحسم أعلى من كلفة الإدارة.
روسيا والصين: تقاطع مصالح لا تحالف صلب
يُغري المشهد الحالي بالحديث عن محور دولي مضاد للهيمنة الأمريكية، لكن القراءة الدقيقة تكشف صورة أكثر براغماتية. فالدعم الروسي–الصيني لإيران لا ينبع من التزام أيديولوجي أو تحالف استراتيجي صلب، بل من تقاطع مصالح ظرفي.
الصين تنظر إلى إيران من زاوية الطاقة والممرات التجارية واستقرار الإمدادات.
روسيا تراها ورقة موازنة تُقيد التفرد الأمريكي.
لكن أياً منهما لا يسعى إلى مواجهة عالمية بسبب طهران.
هذا يعني أن إيران ليست أداة خالصة بيد محور مضاد، كما أنها ليست حليفًا معزولًا بالكامل. هي أقرب إلى “عقدة توازن” تُستخدم لضبط حدود القوة بين الأقطاب دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
هل انتهت الثنائية؟
قد يبدو أن دخول موسكو وبكين على خط الأزمة أنهى الطابع الثنائي الأمريكي–الإيراني. غير أن الأدق هو القول إن الثنائية أصبحت مُقيّدة لا منتهية. القرار النهائي في مسار التصعيد أو التهدئة ما يزال أمريكيًا–إيرانيًا في جوهره، لكن قدرته على الحسم باتت مشروطة ببيئة دولية أكثر تعقيدًا.
بمعنى آخر، الصراع لم يتحول إلى تعددية كاملة، بل إلى ثنائية تعمل داخل إطار دولي متعدد القيود. وهذا فارق جوهري: فنحن لسنا أمام نظام جديد مكتمل المعالم، بل أمام مرحلة انتقالية تتآكل فيها قدرة القوة العظمى على فرض منطقها منفردة.
حدود الهيمنة في النظام الدولي
ما يكشفه الملف الإيراني ليس فقط تحوّلًا في السياسة الأمريكية، بل تحولًا في طبيعة الهيمنة ذاتها. فالهيمنة لم تعد تعني القدرة على إعادة تشكيل الخصوم، بل القدرة على منعهم من تجاوز خطوط معينة. إنها إدارة حدود، لا توسيع نفوذ مطلق.
هذا النمط يعكس انتقالًا من أحادية مريحة إلى تعددية حذرة؛ تعددية لا تقوم على توازن مستقر بين أقطاب متكافئة، بل على شبكة من القيود المتبادلة تمنع الانفجار الكبير دون أن تنتج نظامًا متماسكًا.
السيناريوهات المفتوحة
أمام هذا المشهد يمكن تصور مسارين:
الأول: أن يكون خفض السقف الأمريكي مجرد تعديل للوسائل مع بقاء الهدف النهائي — منع التحول النووي الكامل — ما يعني استمرار لعبة الردع المؤجل واحتمال جولات تصعيد محدودة كلما اقتربت إيران من العتبة.
الثاني: أن يكون التحول أعمق، أي اعترافًا طويل الأمد بأن إعادة هندسة الإقليم غير ممكنة، فتتحول الأزمة إلى نموذج لإدارة تنافس دائم لا يُحسم بل يُضبط.
الفارق بين المسارين لن يتحدد بالخطاب السياسي، بل بالمؤشرات العملية: مستوى التخصيب، طبيعة الضمانات الأمنية، شكل العقوبات، ومدى انخراط روسيا والصين في حماية إيران من العزلة.
خاتمة
ليست المسألة إذن تراجعًا أمريكيًا بسيطًا، ولا انتصارًا إيرانيًا صريحًا. ما نشهده هو لحظة إعادة تعريف للقوة وحدودها. فالخرائط لا تُعاد رسمها عبر الانفجار، بل عبر تثبيت خطوط ردع جديدة تُدار ببرودة وحساب.
الخطورة لا تكمن في التصعيد نفسه، بل في تحوّل الأزمات إلى أدوات توازن دائمة. ففي عالم لا يستطيع فيه أحد الحسم، يصبح السلام مؤقتًا، والحرب مؤجلة، والهيمنة مقيدة بحدود لا تعلن نفسها صراحة، لكنها تفرض منطقها على الجميع.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف م ...
- التزامن الدبلوماسي في جنيف: تأكيد الترابط الجيوسياسي بين أوك ...
- العراق: سيادة بروتوكولية وساحة نزاع النفوذ المتعدد
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...3
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي ليث الج ...
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي
- تهديدات سافايا… لماذا يراها العراقيون ابتزازًا لا سياسة
- إدارة الفوضى بدل بناء الدولة: قراءة في مسار التفكيك من بغداد ...
- العراق: الفراغ السيادي كقوة تعطيل
- حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نق ...
- العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة
- المقايضة الروسية-الإيرانية: كيف يكافئ حسم أوكرانيا إيران بثم ...
- التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم
- التصعيد الأميركي–الإيراني: بين الضربة المحدودة واحتمالات الا ...
- العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الح ...
- تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف
- الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...


المزيد.....




- تضارب بين ترامب والاستخبارات بسبب تصريحه عن -تطوير إيران لصو ...
- إيطاليا: قتيلان و40 مصابا في انحراف ترام بميلانو
- بنعبد الله يعزي الرفيقة جمعة واركي في وفاة شقيقتها
- أكراد إيران ـ -خط ثالث- أم حليف محتمل لواشنطن ضد نظام الملال ...
- بعد فنزويلا.. ترمب يدرس الاستيلاء -ودّيا- على كوبا
- أهالي دمشق يُحيون تراث الأجداد في رمضان
- مليونية في عدن تؤكد دعم الزبيدي وترفض إقصاء -الانتقالي-
- كارثة ترام تهز ميلانو.. قتيلان وعشرات الجرحى في قلب المدينة ...
- واشنطن ومسقط تبحثان نووي إيران.. إشادة بدور الوساطة العُماني ...
- بغداد تحت اختبار صعب: لقاء المالكي - براك يعمّق الجدل حول رئ ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في زمن الهيمنة المقيدة