ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 23:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في العراق، العنف لم يعد انحرافًا عن النظام، بل أصبح قلب عمل الدولة نفسها. منذ تفكك الدولة بوصفها منظمًا للعمل والعيش، أصبح العنف أداة يومية لإدارة الحماية والموارد والانتماء وحل النزاعات. الدولة فشلت في تنظيم الحياة قبل احتكار السلاح، وحين يغيب القانون والعمل، يصبح العنف ضرورة للبقاء.
لم تُبنَ الدولة على قاعدة إنتاج ثم احتكرت العنف، بل ورثت جهازًا أمنيًا بلا أساس اجتماعي، وأصبح السلاح حاضرًا قبل شروط نزعه. الدولة التي لا توفر العمل، الدخل، والحماية، لا تستطيع نزع أدوات العنف، لذلك التعايش معه أصبح قاعدة.
العنف لم يعد عشوائيًا، بل تحوّل إلى تنظيم ضمن فراغ اقتصادي واجتماعي: يحمي العيش، يفرض التوزيع، يؤمّن الانتماء، ويفض النزاعات حين يكون القانون معطّلًا. العشيرة والطائفة والفصيل المسلح ليست بقايا ما قبل الدولة، بل منتجات فراغها. العنف هنا هو شكل ممكن من التنظيم، لا نقيضه.
تُدار الدولة وفق صيغة مزدوجة: قانون رسمي وسلطة فعلية ناتجة عن موازين القوة. العنف لا يُستخدم لإسقاط الدولة، بل للتفاوض داخلها على الموارد والنفوذ والتمثيل. الدولة تتعايش معه وتعيد تدويره، ليصبح جزءًا من آلية الحكم.
خطابات نبذ العنف فشلت لأنها تخاطب النتيجة، لا السبب. العنف لا يُلغى بالوعظ، بل بإلغاء ضرورته الاجتماعية. الهوية تنتج العنف حين تتحول إلى إطار حماية أو شرط بقاء، والعنف يعيد إنتاج الهوية ويشدّد حدودها. دورة مغلقة: عنف يُنتج هوية، وهوية تُبرّر العنف، ولا يُكسر هذا الدور إلا بتفكيك الشروط المادية.
هذا النمط واضح في كل المراحل التي شهد فيها العراق دولة ريعية هشّة أو بعد الاحتلال، حيث السيطرة على الإنتاج وتوزيع الموارد مرتبطة بالقوة. السؤال ليس لماذا ينتشر العنف، بل لماذا لم ينهار المجتمع رغم غياب الدولة؟ الجواب: لأن العنف ملأ الفراغ.
العنف لا يقف خارج الدولة، بل يعمل داخل فراغها. إنه نتيجة دولة فشلت في تنظيم العمل، اعتمدت الريع بدل الإنتاج، وبنت شرعيتها على التوازنات لا الحقوق. العنف، بديل مؤقت، يمنع الانهيار لكنه يمنع تشكّل دولة قابلة للحياة. التحدي الحقيقي لا يكمن في نزع السلاح قبل إعادة شروط العيش، بل في استعادة السياسة عبر إعادة تأسيس الدولة كمنظّم للعمل وضامن للعيش.
العراق في موقعه الحقيقي: كيان أُفرغ من شروط الدولة دون أن يُستعاد كموضوع قابل للإخضاع. المفارقة ليست في الضعف، بل في التعطيل البنيوي الذي يُربك الداخل والخارج. هنا لا تعمل أدوات الضغط، ولا تجدي لغة التهديد، لأن ما تفكك لم يعد يمتلك مركزًا يمكن كسره. هذه ليست حياداً ولا حصانة، بل فراغ سيادي عنيف يُنتج استقرارًا كاذبًا ويؤجّل الانفجار.
للكسر الحقيقي لهذه الدورة، لا بد من إعادة بناء الدولة بوصفها منظّمًا للعمل، ضامنًا للعيش، ومحتكرًا للعنف بعد أن يكون قد احتكر الحياة.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟