أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم














المزيد.....

التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد الصراعات الدولية المعاصرة قابلة للفهم عبر ثنائية النصر والهزيمة التي حكمت التفكير الاستراتيجي الكلاسيكي. فالتصعيد العسكري، في عدد متزايد من الحالات، لم يعد يُستخدم بوصفه وسيلة للوصول إلى الحسم، ولا باعتباره انزلاقاً غير محسوب نحو الحرب الشاملة، بل كأداة سياسية قائمة بذاتها. هذا النمط من السلوك يمكن تحديده وتسميته بوصفه «التصعيد المُدار».
ويُقصد بـ التصعيد المُدار نمطاً من استخدام القوة يُصمَّم منذ البداية ليبقى دون عتبة الحسم ودون عتبة الانهيار في آن واحد. فهو ليس تصعيداً عشوائياً، ولا حرباً ناقصة، بل ممارسة سياسية واعية تقوم على ضبط مستوى العنف، وتحديد أهدافه الزمنية، والامتناع المتعمّد عن استثمار التفوق العسكري حتى نهايته، من أجل إدارة أزمة سياسية أو شرعية قائمة، لا إنهائها.
يمثّل هذا المفهوم قطيعة مع التصورات التي ترى في التصعيد فشلاً دبلوماسياً أو مرحلة انتقالية نحو حرب أوسع. فالتصعيد المُدار لا يُفهم بوصفه مقدمة لشيء آخر، بل بوصفه غاية وظيفية بحد ذاته. إنه أداة لإعادة توزيع الضغوط، وشراء الوقت، وإعادة ترتيب الداخل، سواء لدى أنظمة تعاني من أزمات شرعية، أو لدى قوى كبرى تدرك أن إسقاط هذه الأنظمة أو حسم الصراع معها سيُنتج فوضى تتجاوز قدرتها على الضبط.
ضمن هذا المنطق، يُعاد تعريف القوة العسكرية. لم تعد القوة هي القدرة على التدمير أو الإخضاع، بل القدرة على التحكم في مستوى العنف، وفي توقيته، وفي نطاقه. والنجاح هنا لا يُقاس بمدى التقدم الميداني، بل بمدى الحفاظ على الصراع داخل حدود يمكن إدارتها سياسياً، دون السماح له بالتحول إلى أزمة شاملة أو انفجار غير قابل للاحتواء.
غير أن التصعيد المُدار يظل بطبيعته ممارسة عالية المخاطر. فهو يقوم على توازن هش بين الضبط والفوضى، ويعمل عند حافة الانفلات باستمرار. وطالما بقيت الفوضى دون عتبة معينة، يمكن لهذا النمط أن يؤدي وظيفته. لكن ما إن تتجاوز هذه العتبة – بفعل فاعل أضعف يفرض إيقاعاً غير متوقع، أو نتيجة صدمة غير محسوبة، أو بسبب انفجار داخلي – حتى ينهار منطق التصعيد المُدار، ويتحوّل إلى عامل تسريع للفوضى بدلاً من ضبطها.
وتكمن المفارقة في أن القوى التي تعتمد هذا النمط تفعل ذلك إدراكاً منها لمخاطر الانهيار، لكنها في الوقت ذاته تُراكم شروطه. فالتصعيد المُدار لا يعالج جذور الأزمات، بل يؤجلها، ويعيد تدويرها في صيغ جديدة. ومع كل جولة تصعيد، يضيق هامش التحكم، وتزداد احتمالات الانفلات، حتى وإن بدا المشهد في لحظة ما خاضعاً للسيطرة.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الحالات الراهنة في الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وشرق آسيا بوصفها أزمات منفصلة أو استثناءات ظرفية، بل بوصفها تعبيرات متزامنة عن نمط واحد لم يُسمَّ ولم يُؤطَّر بما يكفي في الخطاب السياسي السائد. ففي جميع هذه الساحات، نرى استخداماً للقوة دون استثمارها حتى النهاية، وضبطاً متعمداً لمستوى العنف، وإدارةً للأزمات عند حافة الفوضى، في إطار ما يمكن توصيفه بوضوح بأنه تصعيد مُدار.
وعليه، فإن تسمية هذا النمط ليست مجرد إضافة لغوية، بل محاولة لتثبيت مفهوم سياسي تحليلي ضروري لفهم طبيعة الصراعات المعاصرة. فالسؤال لم يعد متى تنتهي هذه الحروب، بل إلى أي مدى يمكن للنظام الدولي الاستمرار في إدارة أزماته عبر التصعيد المُدار، قبل أن يتحول هذا الأسلوب ذاته إلى المصدر الرئيسي لانهيار منظومة الضبط التي يقوم عليها.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التصعيد الأميركي–الإيراني: بين الضربة المحدودة واحتمالات الا ...
- العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الح ...
- تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف
- الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...
- العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغر ...
- الاستراتيجية الأمريكية: نزع الولاء لإيران، لا نزع سلاح الفصا ...


المزيد.....




- غموض وأناقة قاتمة.. فتيات -الغوث- يخرجن عن كلاسيكية سجادة -غ ...
- الديوان الملكي السعودي: الملك سلمان يُجري فحوصات طبية
- زعيمة المعارضة الفنزويلية الحائزة على جائزة نوبل للسلام تهدي ...
- رئيسة فنزويلا بالوكالة تؤكد أن بلادها لا تخشى مواجهة الولايا ...
- الحرب في أوكرانيا: كيف تواجه كييف انقطاع الكهرباء خلال الشتا ...
- اليابان: إقامة مراسم دقّ الأرز التقليدية في قرية ثلجية بمحاف ...
- أخبار اليوم: آلاف المدنيين يفرون من ريف حلب ودعوة لعناصر قسد ...
- سوريا: الجيش يعطي مهلة جديدة لمغادرة مناطق سيطرة الأكراد بري ...
- بوتين يجري اتصالات مع نتنياهو وبزشكيان ويعرض الوساطة
- حكاية مخبز السلايمة في القدس


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم