أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج














المزيد.....

الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 00:15
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


مقدمة: الدولة التي لا تحتكر الحياة
تُفهم الدولة الحديثة، نظريًا، بوصفها الإطار الذي يحتكر العنف، ينظم العمل، ويوفّر شروط العيش العامة. غير أن هذا التعريف يفترض مسبقًا وحدة القاعدة الإنتاجية التي تعمل الدولة فوقها، أي وجود نمط إنتاج قادر على تنظيم العمل، توزيع الدخل، وإنتاج الشرعية في آن واحد. لكن في السياقات الريعية، أو في مجتمعات اقتصاد الحرب والتهريب، لا يعمل الإنتاج بوصفه قاعدة مستقرة، بل كسلسلة أنشطة متقطعة ومشوّهة، ما يجعل هذا الافتراض موضع انهيار.
ماذا يحدث إذن حين تُبنى دولة فوق مجتمع منقسم إنتاجيًا؟
النتيجة ليست دولة ناقصة فحسب، بل دولة مزدوجة.
أولًا: من الدولة الواحدة إلى الازدواج البنيوي
حين تعجز الدولة عن تنظيم العمل، وتوفير الدخل، واحتكار العنف، فإن المجتمع لا ينتظر إصلاحها، بل يبتكر بدائله الخاصة. هذه البدائل لا تنشأ من وعي سياسي بديل مكتمل، بل بوصفها حلولًا اضطرارية مؤقتة، غير أنها تتحول مع الزمن إلى بنى دائمة بفعل استمرار الفشل. وهنا تظهر تشكيلات تؤدي وظائف الدولة عمليًا دون أن تحمل اسمها، ليست خارج الدولة ولا مناقضة لها، بل نتاجًا مباشرًا لعجزها البنيوي.
ثانيًا: الدولة من الأعلى والدولة من الأسفل
في هذا السياق، يتشكّل نمطان من السلطة يعملان في آن واحد داخل الحيز نفسه.
الدولة الرسمية، القانونية والشكلية، تعتمد في بقائها على الريع أو الدعم الخارجي، وتمارس سيادتها عبر الخطاب والمؤسسات، أكثر مما تمارسها عبر تنظيم الحياة المادية. في مقابلها، تتشكل دولة اجتماعية–حامية، غير رسمية، قائمة على العشيرة أو الطائفة أو السلاح، تؤمّن العمل والحماية والتوزيع الفعلي، لكنها ليست بالضرورة كتلة متماسكة أو نظامًا مستقرًا؛ فهي في كثير من الأحيان متصارعة داخليًا، وقابلة للتفكك، وتؤدي أحيانًا دورًا تفكيكيًا بقدر ما تؤدي دورًا حمائيًا. هنا لا تعود العشيرة بقايا ما قبل الدولة، بل شكلًا بديلًا للسيادة، نشطًا لكنه هش.
ثالثًا: العنف بوصفه لغة الدولة المزدوجة
في الدولة المزدوجة لا يكون العنف انحرافًا عن النظام، بل وسيلة تفاوض بين سلطتين تعملان داخل فراغ سيادي واحد. غير أن هذا العنف لا يصبح آلية تنظيم إلا حين يكون مضبوطًا ومفهومًا ضمن توازنات القوة؛ فعندما يفلت من هذه التوازنات، يتحول إلى عنف تفكيكي شامل، لا ينظّم الفراغ بل يوسّعه، ويقوّض حتى البنى التي تدّعي الحماية.
رابعًا: لماذا تفشل الإصلاحات؟
تفشل محاولات الإصلاح الإداري أو الدستوري لأن المشكلة لا تكمن في القوانين أو النصوص، بل في غياب الدولة بوصفها منظِّمًا للإنتاج. الإصلاح يتعامل مع الدولة كجهاز فوقي مستقل، لا كنتاج لعلاقة اجتماعية–اقتصادية محددة. لذلك، لا يمكن إصلاح دولة لا تنظّم العمل، بل تعيش فوقه، وتعيد توزيع ريعه دون أن تمسّ شروط إنتاجه.
خامسًا: تعميم النموذج
لا يقتصر هذا النموذج على حالة بعينها. يمكن رصده في العراق، اليمن، لبنان، ليبيا، السودان، وحتى في بعض هوامش الدولة الحديثة. ورغم اختلاف هذه الحالات في نوع الريع، ودرجة التدخل الخارجي، وطبيعة المجتمع الأهلي، فإن ما يجمعها ليس تشابه المسارات التاريخية، بل غياب دولة قادرة على توحيد نمط الإنتاج بوصفه شرطًا للسيادة.
خاتمة: الدولة التي لا تنتج شعبًا
الدولة التي لا توحّد شروط العمل لا تنتج مواطنين، بل تابعين، ولا تحتكر العنف، بل تفاوض عليه. عند هذه النقطة، يصبح سؤال الإصلاح سؤالًا مضلّلًا، لأن المشكلة ليست في كيفية إصلاح الدولة، بل في كيفية إنهاء ازدواجها. ولا يتحقق ذلك عبر النمو أو الاستثمار بمعناهما التقني، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد بوصفه تنظيمًا للعمل ينتج الانتماء والشرعية، ويجعل السياسة ممكنة بوصفها نتيجة، لا بديلًا عن الغياب.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...
- العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغر ...
- الاستراتيجية الأمريكية: نزع الولاء لإيران، لا نزع سلاح الفصا ...
- لا تحوّل استراتيجي في إيران: تكتيكات تعبويّة لا أكثر
- بريطانيا: ملاذ الإخوان وسط تباين غربي يهدد التحالف الأنجلو-أ ...
- هل بدأ ينفذ صبر اليهود الإسرائيليين في الهرم السياسي الأمريك ...
- انتفاضة التقدميين: بيرني ساندرز ونادي القتال يقودان التمرد ا ...


المزيد.....




- ظهور طفلة محجبة مع لاعبي المنتخب الفرنسي بكأس العالم يُغضب ا ...
- Ideology: What Is It, Why Have It?
- From the Street to the Picket Line
- Islamic Institutions in Europe between Integration and Forei ...
- السر الحيوي وراء نجاح الحزب الشيوعي الصيني
- نافورة الدموع في باختشيساراي… آيات قرآنية بين الرخام وإلهام ...
- لم يعد حكرا على الفقراء.. لماذا يفضل العراقيون سوق -البالة-؟ ...
- فرنسا: استراتيجية إسلاموية تمهد لصعود اليسار.. وحق المواطنة ...
- العدد 659 من جريدة النهج الديمقراطي
- كامالا هاريس تتقرّب لليسار وأنصار فلسطين تحضيرا لسباق 2028


المزيد.....

- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج