أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة














المزيد.....

العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 22:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عدم تأثّر العراق بكل ما جرى ويجري في المنطقة ليس علامة استقرار، ولا دليل عافية سياسية، بل قرينة تورّط مكتمل الأركان. ففي إقليمٍ تعرّض لإعادة تشكيل عنيفة، سقطت فيه دول، واهتزّت أنظمة، وتحوّلت حدوده إلى خطوط اشتباك مفتوحة، يبدو العراق ثابتًا على نحوٍ مريب؛ لا يُستهدف كما غيره، ولا يُعاد بناؤه، ولا يُترك لينفجر. هذا الثبات لا يُعبّر عن توازن، بل عن تحييد مقصود، وعن تسوية صامتة تُدار فوق المجتمع لا باسمه، وتُفرض عليه بوصفها قدرًا سياسيًا طويل الأمد.
في السياق الإقليمي، لم يعد العراق حالة طبيعية داخل منظومة الدول، بل تحوّل إلى استثناء سلبي: بلد حاضر جغرافيًا، غائب سياسيًا، متخم بالقوى المسلحة، وفقير بالسيادة. وبينما كانت الصراعات الإقليمية تُدار عبر الحروب المباشرة أو الانقلابات أو العقوبات، جرى التعامل مع العراق بطريقة مختلفة: إبقاؤه في حالة لا حرب ولا دولة، لا سيادة ولا احتلال، لا استقرار فعلي ولا انفجار شامل. هذه الصيغة لم تكن فشلًا في الإدارة، بل نجاحًا لتفاهم غير معلن.
تتجلّى هذه الحقيقة بوضوح في السلوك الأميركي، وتحديدًا في مرحلة دونالد ترامب؛ الرئيس الذي لم يتردّد في استخدام القوة العارية، وخرق القانون الدولي، وابتزاز الحلفاء والخصوم على حد سواء. في سوريا، في إيران، في الصين، في فنزويلا، كان الخطاب عدائيًا مباشرًا، والتهديد سافرًا. لكن أمام العراق، ينقلب هذا السلوك إلى لامبالاة حذرة، خالية من التصعيد، وكأن هذا البلد خارج جدول الاشتباك. ليس لأن العراق محمي، بل لأنه مُقيَّد باتفاق غير مكتوب، ولأن أي عبث به يهدّد شبكة مصالح متداخلة لا تريد القوى الكبرى تفجيرها.
إن سحب ما تبقّى من الجنود الأميركيين لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار. لم يكن انسحابًا أخلاقيًا، ولا اعترافًا بالخطأ، بل انتقالًا من إدارة مباشرة إلى إدارة عن بُعد. فالنفوذ الأميركي لم ينتهِ، بل أعيد تموضعه، تاركًا الساحة لفاعلين محليين وإقليميين يؤدّون وظيفة الضبط بدل الاحتلال. هكذا لم يعد العراق دولة تُدار، ولا ساحة تُحتل، بل فضاء جرى التوافق على ضبطه بأقل كلفة ممكنة.
في قلب هذا الترتيب، أخذت كل قوة موقعها: الولايات المتحدة ضامنة للتوازن العام من الخلف، إيران لاعبًا داخليًا متغلغلًا في بنية السلطة والسلاح، تركيا طرفًا حدوديًا متداخلًا اقتصاديًا وأمنيًا، فيما قبلت قوى أخرى بهذا الواقع ما دام يوفّر استقرارًا نسبيًا ويحمي مصالحها. هذا كله جرى على حساب الدولة العراقية نفسها، التي جرى تفريغها من مضمونها السيادي، والإبقاء عليها كهيكل إداري لا أكثر.
في هذا السياق، لم تعد النخب الحاكمة نخبَ دولة، بل وكلاء نظام. وظيفتهم ليست بناء مؤسسات أو حماية سيادة، بل إدارة التوازن الهش، ومنع انهياره الكامل. لم تعد الفصائل المسلحة أدوات مقاومة أو مشروع تحرّر، بل أدوات ضبط داخلي، يُسمح لها بالقوة بقدر ما تلتزم بسقف التفاهمات. أما المجتمع، فقد جرى إقصاؤه بالكامل من معادلة القرار، وتحويله إلى كتلة صامتة تُدار بالخوف، والرواتب، والوعود المؤجّلة.
بهذا المعنى، فقد العراق شكله كدولة من دون أن يتحوّل إلى كيان قابل للإخضاع، لأن إخضاعه لم يعد ضروريًا. لقد استُبدلت السيادة بتفاهمات، واستُبدل الاحتلال بتقاسم أدوار، واستُبدلت الدولة بإدارة فراغ طويلة الأمد. في هذا النظام، تُستثمر الفوضى كأداة حكم، ويُدار اللاقرار بوصفه الاستقرار الأمثل، طالما أن ميزان القوى الإقليمي والدولي يسمح بذلك.
غير أن هذا الترتيب، مهما بدا صلبًا، ليس ثابتًا ولا أبديًا. فالتفاهمات الدولية التي أُقيم عليها نظام اللادولة في العراق نشأت في لحظة توازن معيّنة، ضمن خريطة قوى إقليمية ودولية كانت تسمح بإدامة هذا الجمود. اليوم، ومع تغيّر موازين القوة في المنطقة، وصعود لاعبين وتراجع آخرين، وتبدّل أولويات القوى الكبرى، فإن هذا التفاهم لا يمكنه أن يبقى على حاله.
استقرار خريطة القوة الجديدة في الإقليم لا بد أن ينعكس، عاجلًا أم آجلًا، على العراق. ومع تغيّر هذه الخريطة، ستتغيّر بالضرورة خرائط النفوذ داخله. ليس لأن العراق قرّر ذلك، بل لأن نظام اللادولة الذي فُرض عليه لم يكن خيارًا سياديًا، بل تسوية ظرفية، وكل تسوية من هذا النوع تحمل في داخلها لحظة انتهائها. عندها، لن يكون السؤال عمّا إذا كان العراق سيتأثر، بل كيف وبأي كلفة، ولصالح من.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقايضة الروسية-الإيرانية: كيف يكافئ حسم أوكرانيا إيران بثم ...
- التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم
- التصعيد الأميركي–الإيراني: بين الضربة المحدودة واحتمالات الا ...
- العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الح ...
- تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف
- الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...


المزيد.....




- بوتين يتلقى دعوة للانضمام إلى -مجلس السلام-.. وتكهنات باستبد ...
- هكذا احتفلت دوللي بارتون بعيد ميلادها الـ 80
- ترامب يؤكد أن الولايات المتحدة ستنفذ -بنسبة 100%- تهديداتها ...
- انفلات أمني في سجن الشدادي.. -قسد- تعلن فقدان السيطرة ودمشق ...
- -إيران لن تعود إلى ما كانت عليه-.. نتنياهو يحذر طهران ويُعلن ...
- من داخل ثلاث كنائس.. أكثر من 150 مصلّيًا في قبضة مسلّحين شما ...
- أخبار اليوم: السيسي يطالب بخطاب ديني جديد يمنع تحويل الدين ل ...
- موجة قطبية تجتاح 12 دولة عربية.. ثلوج وصقيع وتحذيرات للمواطن ...
- -أغلى حجر في التاريخ-.. ياقوتة سريلانكية بـ 400 مليون دولار ...
- أردوغان: ندعم وحدة سوريا وآن الأوان لحل خلافات المنطقة دون ق ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة