أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نقاش














المزيد.....

حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نقاش


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 00:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


. العراق كنظام لادولة: تسوية أم قدر تاريخي؟
نظام اللادولة في العراق لم يعد توصيفًا تحليليًا، بل واقعًا منتهي التشكّل. التفاهمات الدولية والإقليمية التي حكمته لم تكن مشروع استقرار، بل صيغة إدارة مؤقتة لفراغ السيادة. ما تغيّر اليوم ليس التشخيص نفسه، بل السياق الذي جعله ممكنًا. ومع استقرار خريطة القوة الجديدة في المنطقة، لم تعد هذه الصيغة قابلة للاستمرار، لا لأنها فشلت، بل لأنها أدّت وظيفتها وانتهى دورها.
ما نشهده ليس بداية أزمة عراقية جديدة، بل بداية تفكيك منظّم لترتيب قديم. التفاهمات التي ضمنت تحييد العراق لم تُبنَ على أسس ثابتة، بل على توازن هش بين قوى كبرى وإقليمية قبلت بتجميد الصراع داخله مقابل حماية مصالحها. هذا التوازن نفسه تغيّر: أولويات القوى تبدّلت، كلفة إدارة الفراغ ارتفعت، وأدوات الضبط التي كانت فعّالة تحوّلت إلى عبء سياسي وأمني.
2. حين تنهار التفاهمات: العراق بين التفكيك وإعادة التوزيع
في هذه المرحلة، لا تعود إدارة الفراغ خيارًا عقلانيًا. القوى التي كانت راضية بتقاسم النفوذ غير المحسوم، باتت تبحث عن ترتيب أكثر وضوحًا وأقل التباسًا. ومع هذا التحوّل، يصبح العراق ليس ساحة حياد، بل حقل اختبار لإعادة التموضع. ليس المطلوب إسقاطه أو احتلاله، بل إعادة تعريف وظيفته داخل الخريطة الإقليمية الجديدة.
تفكيك نظام اللادولة لا يتم دفعة واحدة، ولا عبر حرب شاملة، بل عبر آليات متدرجة. تبدأ أولًا بتآكل دور الوكلاء المحليين؛ النخب التي أُنيط بها ضبط التوازن لم تُبنَ لتدير مرحلة انتقال، بل لتجميد الصراع. ومع تغيّر الشروط، تفقد هذه النخب وظيفتها، وتتحوّل من عنصر استقرار إلى عنصر تعطيل. الأمر نفسه ينطبق على الفصائل المسلحة، التي لعبت دور أدوات الضبط داخل النظام السابق، لكنها في مرحلة التفكيك تصبح فائض قوة غير قابل للإدارة بنفس الصيغة.
في هذا السياق، لا يجري الصراع على العراق بوصفه دولة، بل بوصفه شكلًا لم يُحسم بعد. القوى الإقليمية والدولية لا تتنافس على “السيادة العراقية”، بل على طبيعة الكيان الذي سيخلف نظام اللادولة: هل سيكون دولة ضعيفة بوظائف محدودة؟ أم ساحة نفوذ مُعاد تنظيمها؟ أم تركيبًا هجينًا جديدًا يوزّع السلطة بطريقة مختلفة؟ هذه الأسئلة لا تُطرح علنًا، لكنها تحكم السلوك السياسي الفعلي.
الأخطر أن العراق يدخل هذه المرحلة بلا أدوات ذاتية. الدولة التي جرى تفريغها طويلًا لا تملك قدرة تفاوضية، والنخب التي تعايشت مع دور الوكيل لا تملك مشروعًا بديلًا، والمجتمع الذي أُقصي عن السياسة لا يُستدعى إلا بوصفه عامل ضغط أو مادة اضطراب. هكذا يُعاد تشكيل النفوذ فوق أرض بلا تمثيل حقيقي، وبلا قدرة داخلية على فرض شروط مختلفة.
ما يعنيه هذا عمليًا هو أن التغيّر القادم في خارطة النفوذ داخل العراق ليس احتمالًا نظريًا، بل نتيجة حتمية لتحوّل ميزان القوى في المنطقة. ومع استقرار هذا الميزان الجديد، ستُعاد صياغة التفاهمات، ليس على أساس تحييد العراق، بل على أساس إدخاله في ترتيب جديد، أكثر صراحة وأقل التباسًا. في هذه اللحظة، سينتهي وهم “الهدوء المريب”، ويظهر الثمن الحقيقي لإدارة الفراغ طويلًا.
3. الفاعلون في العراق: إعادة التدوير داخل نظام اللادولة
وظهور هذا الفاعل، في ظل غياب أي جهة سياسية عصامية قادرة على إنتاج ذاتها خارج شروط الهيمنة، لن يكون تعبيرًا عن إرادة داخلية خالصة، بل نتيجة منطقية لبنية «اللادولة» نفسها. فالنظام الذي فُرِّغ من قدرته على إنتاج معارضة حقيقية، أو نخبة مستقلة، لا يلد إلا فاعلًا من داخله، من محيطه المباشر، من طبقته الإدارية أو الأمنية أو الاقتصادية، فاعلًا لا يكسر النظام بل يعيد تدويره.
وهذا الفاعل، بحكم موقعه وبحكم شروط ولادته، سيكون مدعومًا من القوة الدولية الخارجية الأقوى، لا بوصفه خيارًا أيديولوجيًا، بل بوصفه أداة إدارة. فالدول الكبرى لا تبحث في حالات «اللادولة» عن مشروع، بل عن وظيفة: من يضمن استمرار التوازن الهش، من يمنع الانفجار غير المنضبط، من يدير الفوضى دون أن يحولها إلى تهديد إقليمي.
بهذا المعنى، لا يعود العراق ساحة صراع مفتوح كما يُروَّج، بل ساحة تفاهمات مؤجلة، تُدار فيها التناقضات بدل أن تُحسم، وتُرحَّل الأزمات بدل أن تُحل. لكن هذه التفاهمات، مهما بدت راسخة، ليست أبدية. فاستقرار «نظام اللادولة» في العراق كان انعكاسًا لخريطة قوة إقليمية ودولية سابقة، خريطة بدأت تتآكل.
ومع تغيّر موازين القوى في المنطقة، ومع صعود فاعلين جدد وتراجع آخرين، ومع اهتزاز قواعد الردع والتحالف، يصبح من المستحيل أن تبقى التفاهمات الدولية في العراق على حالها. إن أي إعادة ترتيب للقوة في الشرق الأوسط ستنعكس حتمًا على خارطة النفوذ داخل العراق، لا لأن العراق فاعل، بل لأنه عقدة، ولأن «اللادولة» هي أول ما يُعاد التفاوض عليه حين تتغير شروط القوة.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق المحصن بالغموض: نظام اللادولة وتفاهمات النفوذ المؤقتة
- المقايضة الروسية-الإيرانية: كيف يكافئ حسم أوكرانيا إيران بثم ...
- التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم
- التصعيد الأميركي–الإيراني: بين الضربة المحدودة واحتمالات الا ...
- العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الح ...
- تفريغ مخيم الهول: من إدارة الفوضى إلى لحظة الانكشاف
- الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
- الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة ...
- نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشع ...
- ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة ...
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب


المزيد.....




- ترامب: ماكرون وستارمر-يصبحان فظّين عندما لا أكون موجودًا لكن ...
- ترامب عن الخيار العسكري ضد إيران: -لا أستطيع التنبؤ بما سيحد ...
- تونس: أمطار غزيرة وفيضانات تتسبب بمقتل أربعة أشخاص وتعليق ال ...
- في الذكرى السنوية الأولى لعودته إلى الرئاسة... ترامب يجدد دع ...
- نهائي كأس الأمم الإفريقية..هل توفي رجل أمن مغربي بعد الاعتدا ...
- ترامب: أحمد الشرع قوي ويعمل بجد وعملت على منع الاقتتال بين م ...
- الداخلية السورية: قسد أصبحت أداة من الماضي
- ترامب يعلن دعم عمليات الجيش السوري ضد قسد
- تطورات الحالة الصحيّة للفنّانة المصرية سهير زكي
- البرلمان الأوروبي يجمّد المصادقة على الاتفاق التجاري مع الول ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - حين تبدأ التفاهمات بالانهيار: العراق كحقل تفكيك لا كموضوع نقاش