ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 00:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم يكن ظهور الصواريخ التي تتوزع إلى عدة رؤوس في سماء المواجهة حدثًا عسكريًا عابرًا، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة الصراع نفسه. فهذه الأسلحة لم تُستخدم في الأسابيع الأولى، بل تأخر إدخالها حتى الأسبوع الرابع، وهو تأخير لا يمكن تفسيره بمنطق التدرج العسكري فقط، بل بمنطق إدارة التصعيد ضمن سقف سياسي محسوب.
من الناحية التقنية، ما ظهر يندرج ضمن صواريخ ذات رؤوس متعددة أو تقنيات تفريغ حمولة في الجو، وهي تقنيات تزيد من صعوبة الاعتراض وتمنح الصاروخ قدرة على إرباك أنظمة الدفاع. غير أن الأهم ليس في طبيعة السلاح بحد ذاته، بل في دلالات امتلاكه واستخدامه. فمثل هذا المستوى من التعقيد لا يُقرأ عادةً كنتاج صناعة محلية خالصة، بل كجزء من بنية تكنولوجية أوسع تتقاطع فيها الخبرات والمواد والمعرفة العابرة للحدود.
هنا يبرز البعد الحاسم:
إن استخدام هذا النوع من الصواريخ لا يبدو كقرار سيادي منفرد، بل كخطوة تقع ضمن هامش مسموح به دوليًا أو شبه متوافق عليه ضمن شبكة حلفاء. فالدول التي تمتلك أو تنقل مثل هذه التقنيات لا تتعامل معها كسلاح تقليدي، بل كـ أداة ضمن توازنات دقيقة. ومن هذا المنطلق، يصبح من المرجّح أن إدخال هذا السلاح إلى ساحة المواجهة تمّ بضوء أخضر ضمني من طرف دولي داعم، تبدو روسيا فيه المرشح الأكثر اتساقًا مع سياق العلاقات والتقاطعات القائمة.
أما التوقيت، فهو بيت القصيد.
إدخال هذا السلاح في الأسبوع الرابع تحديدًا يكشف أن الصراع لم يكن يتجه نحو حسم عسكري، بل نحو إعادة ضبط إيقاعه. فالسلاح هنا لم يُستخدم لتحقيق تفوق ميداني مباشر بقدر ما استُخدم كـ أداة ضغط نوعية، تُدخل عنصرًا جديدًا في المعادلة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوقيت يعكس لحظة نضج القرار السياسي، حيث تصبح الرسالة أهم من الضربة، والتأثير النفسي والاستراتيجي أهم من الأثر التدميري المباشر.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم هذه الصواريخ بوصفها مجرد تطور في ترسانة إيران، بل يجب قراءتها كجزء من لعبة أوسع تُدار على مستوى دولي، حيث تتقاطع الإرادات، وتُستخدم الأطراف الإقليمية كمساحات اختبار وضغط. فحتى عندما يُطلق الصاروخ من منصة محلية، فإن سقفه السياسي قد يكون مرسومًا خارج حدوده.
الخلاصة
ما جرى في الأسبوع الرابع لم يكن تصعيدًا متأخرًا، بل إعلانًا محسوبًا عن دخول عامل دولي في إدارة الصراع. الصواريخ متعددة الرؤوس لم تكن مجرد سلاح جديد، بل كانت إشارة إلى أن الحرب لم تعد تُدار فقط بين أطرافها المباشرة، بل ضمن توازنات أعمق تحدد متى يُستخدم السلاح، وكيف، ولماذا في ذلك التوقيت بالذات.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟