أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟















المزيد.....

علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 23:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السياسة في عهدنا الراهن لم تعد مجرد “مكرٍ لتدجين العقول” كما كان يُقال في وصف المراحل الكلاسيكية من اشتغال السلطة، بل تحولت إلى مستوى أكثر حدّة وتعقيداً: “مكرٍ لاستغباء العقول”.
فلم يعد المطلوب من الخطاب السياسي أن يروض الوعي أو يعيد تشكيله داخل حدود القبول، بل أن يُنتج وعياً مُفرغاً من أدوات الفهم نفسها؛ وعياً يستهلك التناقضات بوصفها بديهيات، ويتعامل مع الانفصال بين القول والفعل كأنه انتظام طبيعي، ويقبل بتعدد الروايات دون أن يمتلك القدرة على اختبار أيٍّ منها.
بهذا المعنى، لم تعد السياسة تعمل على تشكيل الإنسان داخل منطقها، بل على دفعه إلى قبول منطق لا يحتاج حتى إلى الإقناع المتماسك.
ومن هنا تحديداً، يصبح الحديث عن كيفية إدارة العراق المعاصر ضرورة لفهم طبيعة السلطة الدولية في زمننا، لا مجرد نقاش محلي حول اسم رئيس وزراء أو خلاف بين الكتل السياسية.
إن من يحاول التعامل مع السياسة الدولية بوصفها سلسلة بيانات علنية وتصريحات صحفية فقط، لا يفهم كيف يُدار العالم فعلاً. فالدول الكبرى لا تتحرك دائماً عبر المؤتمرات والكاميرات، بل عبر التفاهمات المغلقة، والإشارات، والضغوط غير المعلنة، وإعادة ترتيب المواقف خلف الستار.
وحين نعيد النظر في تسلسل الأحداث الأخيرة، يصبح من الصعب تجاهل الترابط الزمني والسياسي الواضح بين أزمة ترشيح نوري المالكي، وتصاعد الخلاف الأمريكي مع الإطار التنسيقي، ثم الإعلان عن الزيارة الملكية البريطانية إلى واشنطن، وصولاً إلى العدول عن المالكي والانتقال نحو ترشيح علي فالح الزيدي.
لقد دخل العراق في ذروة أزمة سياسية بعد إصرار الإطار التنسيقي على إعادة المالكي، وهو ما قوبل برفض أمريكي حاد وصل إلى مستوى التهديدات السياسية المباشرة. وبعد أسابيع من الانسداد والتوتر، أُعلن رسمياً في 31 آذار 2026 عن الزيارة الملكية البريطانية إلى الولايات المتحدة، ثم بدأت الزيارة فعلياً يوم 27 نيسان، وهو اليوم ذاته تقريباً الذي حُسم فيه الانتقال داخل الإطار من خيار المالكي إلى ترشيح الزيدي.
وهنا لا يعود الحديث عن مجرد تقارب زمني عابر، بل عن تزامن سياسي كثيف وقع في لحظة كانت فيها واشنطن تضغط بقوة لمنع عودة المالكي، وسط إعادة ترتيب أوسع للمشهد الإقليمي المرتبط بإيران والعراق والنفوذ الغربي في المنطقة.
ثم ماذا حدث؟
خلال أيام قليلة فقط، بدأ مسار التراجع داخل الإطار، وانتهى الأمر بإسقاط خيار المالكي بالكامل، والانتقال إلى ترشيح الزيدي بوصفه “مخرج الأزمة”.
إن القول إن كل هذا مجرد صدفة زمنية هو تبسيط ساذج لطبيعة السياسة الدولية. فالتزامن هنا ليس عادياً، بل كثيف ومركّب ومنطقي ضمن سياق الضغط الغربي على المشهد العراقي. ولا يحتاج الإنسان إلى وثيقة مسربة مختومة حتى يفهم أن مراكز القوة الدولية تتحرك غالباً بمنطق التفاهمات غير المعلنة.
العالم لا يُدار أمام الكاميرات فقط، بل في المساحات المعتمة بين العواصم الكبرى، وما جرى في العراق خلال تلك الفترة يبدو أقرب إلى إعادة ضبط دولية للمشهد، أكثر منه مجرد خلاف داخلي بين أطراف الإطار التنسيقي.
إن حالة علي فالح الزيدي ليست حادثة سياسية عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة النظام العراقي كله.
فالرجل لم يصل بوصفه زعيماً جماهيرياً، ولا قائداً حزبياً واسع الحضور، ولا شخصية تشكّلت شرعيتها عبر المجال العام المفتوح.
لقد ظهر على رأس السلطة التنفيذية كنتاج مباشر لبنية سياسية تصنع قراراتها داخل التفاهمات المغلقة، ثم تعلن نتائجها للجمهور باعتبارها “استحقاقات دستورية”.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
النظام العراقي لا يكتفي بالابتعاد عن الإرادة الشعبية، بل يحاول دائماً تغليف هذا الابتعاد بلغة قانونية ودستورية تمنحه مظهراً شرعياً، حتى حين يكون مناقضاً لروح التمثيل السياسي نفسه.
لقد كانت انتخابات 2010 اللحظة الأكثر وضوحاً في كشف هذا التناقض.
حينها فاز إياد علاوي انتخابياً بصورة صريحة، لكن السلطة لم تذهب إليه.
ومنذ تلك اللحظة ترسخت قناعة واسعة بأن نتائج الاقتراع ليست هي التي تحسم الحكم فعلاً، بل إن السلطة تُعاد صناعتها بعد الانتخابات عبر التحالفات والضغوط والتفسيرات القضائية المسيسة.
وهنا برز الدور الخطير للقضاء السياسي في العراق، لا بوصفه مؤسسة ضامنة للدستور، بل كأداة مرنة تُستخدم لإعادة تأويل النصوص وفق حاجة القوى النافذة.
فالمحكمة الاتحادية التي يفترض أن تكون حارساً دستورياً تحولت، في نظر قطاع واسع من العراقيين، إلى جزء من آلية إنتاج السلطة نفسها.
ولهذا فإن الحديث عن “الشرعية الدستورية” في العراق يبدو أحياناً أقرب إلى الاستخدام الدعائي للمصطلح، لا إلى حقيقة قانونية مستقرة.
فالنظام ذاته يخترق الدستور مراراً حين تعيق نصوصه مصالح القوى المهيمنة، ثم يعود ليستدعي الدستور انتقائياً عندما يحتاج إلى تبرير سياسي أو غطاء شكلي.
ومن هنا تصبح حالة الزيدي ذروة هذا المسار كله.
ليست المشكلة في شخصه بحد ذاته، بل في أن وصوله كشف درجة الانفصال التي بلغتها السلطة عن المجتمع.
فالعراقيون لم يشاهدوا صعوداً سياسياً طبيعياً له، ولم يعيشوا نقاشاً عاماً حقيقياً حول مشروعه أو ثقله الشعبي، بل وجدوا أنفسهم أمام رئيس وزراء خرج من قلب البنية المغلقة للنظام، لا من المجال الجماهيري المفتوح.
لقد بدا بيان إسناد المنصب، بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى بيان انقلاب هادئ على روح الديمقراطية نفسها.
ليس انقلاباً عسكرياً تقليدياً، بل انقلاب بنيوي يجعل الانتخابات قائمة شكلياً فيما تنتقل السلطة الفعلية إلى مكان آخر.
وفي هذه اللحظة تحديداً، ظهرت الحقيقة الأكثر قسوة:
أن العراق لا يعيش أزمة تداول سلطة فقط، بل أزمة سيادة أيضاً.
فحين يشعر المجتمع أن أعلى منصب تنفيذي في الدولة يمكن أن يُنتج خارج إدراكه السياسي المباشر، تتولد قناعة خطيرة بأن الدولة نفسها لم تعد تُدار بالكامل من داخل إرادتها الوطنية المستقلة، بل ضمن شبكة معقدة من الإرادات الخارجية والوظائف الإقليمية والتوازنات الدولية.
وهكذا لم يعد علي فالح الزيدي مجرد رئيس وزراء جديد، بل تحول إلى رمز مكثف للحظة تاريخية بلغ فيها الانفصال بين النظام والمجتمع ذروته.
لحظة يمكن وصفها بأنها الأكثر غرابة في تاريخ التجارب السياسية المعاصرة، وبما يفتح سؤالاً بالغ الخطورة حول موقع القرار الحقيقي:
هل ما تزال بغداد تنتج سلطتها من داخلها، أم أن الحكم فيها بات يُدار فعلياً بين واشنطن ولندن ثم يُعلَن محلياً بصيغ دستورية؟



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال ...
- من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع ...
- قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة ...
- ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف ...
- الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- حرب إيران: الغموض السياسي بين ترامب وطهران، يُغذّي مضاعفة أر ...
- حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتح ...
- من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع ...
- لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف ...
- الغموض الاستراتيجي في تجنب الجزر الإيرانية: تحليل لحرب مضيق ...
- الصواريخ متعددة الرؤوس: حين يتحول السلاح إلى قرار دولي مؤجل
- إيران تُعاد صياغتها: من دولة إقليمية إلى «لادولة مُدارة»
- إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في ز ...
- المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف م ...
- التزامن الدبلوماسي في جنيف: تأكيد الترابط الجيوسياسي بين أوك ...
- العراق: سيادة بروتوكولية وساحة نزاع النفوذ المتعدد
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...3


المزيد.....




- فايننشال تايمز: إيران تهزم ترمب في -فن الصفقة- عبر مضيق هرمز ...
- معضلة ترمب وطموح طهران.. من يربح سباق المفاوضات؟
- زلزال بقوة 6.9 درجة يضرب شمال تشيلي
- ترامب: اليورانيوم الإيراني المخصب سيتم تدميره أو نقله
- الحج مشيا.. حين أرعب -ركب الحج المغربي- جيش نابليون
- قطر تنفي مزاعم بعرض 12 مليار دولار على إيران لضمان التوصل لا ...
- بعد 341 عاما.. فرنسا تواجه إرث -المرسوم الأسود- وتاريخها الا ...
- الولايات المتحدة تنفذ -ضربات دفاعية- في جنوب إيران
- نقل نتنياهو إلى مستشفى في القدس
- في بيان لـCNN.. الجيش الأمريكي يعلن شن -ضربات دفاعية- استهدف ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟