أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً عاجزاً عن التحول؟














المزيد.....

الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً عاجزاً عن التحول؟


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 21:03
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


لم تعد الحروب الحديثة تُفهم بوصفها مجرد صدامات عسكرية بين دول تتنازع الحدود أو النفوذ، بل باتت تكشف عن وظيفة أعمق تتصل ببنية المجتمع نفسه. فالحرب، في كثير من صورها المعاصرة، لا تستهدف فقط إضعاف الخصم الخارجي، بل إعادة تشكيل الداخل: توزيع موارده، ضبط تناقضاته، وتوجيه طاقاته بعيداً عن إمكانات الفعل المستقل. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب نقيضاً للصراع الطبقي، بل أحد الأشكال التي يُدار بها هذا الصراع حين يعجز عن التعبير عن نفسه مباشرة.
الفكرة التي تستحق التوقف عندها هنا هي أن الحرب الحديثة تحمل جدلية مزدوجة. فمن جهة، كثيراً ما يصبح اندلاعها أكثر سهولة حين يكون التنظيم الطبقي ضعيفاً أو مفككاً؛ أي حين تغيب النقابات المستقلة، وتضعف الأحزاب الاجتماعية، ويتشتت الوعي الجماعي، وتتحول المطالب الشعبية إلى شكاوى متناثرة بلا أداة جامعة. ففي مجتمع يفتقر إلى الوسائط القادرة على فرض كلفة سياسية داخلية، ترتفع قدرة الدولة والنخب والتحالفات الجيوسياسية على الذهاب نحو خيارات الحرب أو التصعيد.
ومن جهة أخرى، ما إن تبدأ الحرب حتى تتحول إلى قوة تعيد إنتاج هذا الضعف نفسه. فهي لا تستهلك الموارد فقط، بل تعيد توجيهها نحو الأمن والعسكرة، وتفرض خطاب “الوحدة الوطنية” الذي يجمّد التناقضات الاجتماعية مؤقتاً، وتدفع الناس إلى الانشغال بالبقاء اليومي، وتبرر القيود على التنظيم والاحتجاج باسم الطوارئ. وهكذا لا تكون الحرب نتيجة لأزمة التنظيم الطبقي فحسب، بل أداة لإدامة هذه الأزمة.
في هذا المستوى، تنتقل الحرب من ساحة المعركة إلى الحياة اليومية. فالعقوبات، والضغط المالي، وتعطيل سلاسل التوريد، ورفع كلفة المعيشة، وتقييد المجال العام، كلها أدوات لا تقل أثراً عن السلاح المباشر. إنها تنقل المجتمع من سؤال السياسة إلى سؤال النجاة. حين يصبح العمل، والدواء، والوقود، واستقرار العملة، هي معارك الناس اليومية، تتراجع قدرتهم على الانشغال بالفعل الجماعي لصالح إدارة الضرورات الفردية.
وهنا يتشكل أحد أخطر وجوه الحرب الحديثة: تحويل الطاقة الاجتماعية من طاقة احتجاج إلى طاقة استنزاف. فالمجتمع الذي ينفق جهده في التكيف مع الأزمة، لا يبقى لديه فائض كافٍ للتنظيم أو المبادرة. يتوزع الأفراد بين البحث عن دخل إضافي، حماية ما تبقى من مدخراتهم، تأمين حاجات أسرهم، أو الهروب الفردي عبر الهجرة والانكفاء. ومع الوقت، يصبح التشتت الاقتصادي شكلاً من أشكال التفكيك السياسي.
غير أن المعاناة، مهما اتسعت، لا تتحول تلقائياً إلى فعل. فالغضب الاجتماعي يظل مادة خاماً ما لم يجد وسيطاً تنظيمياً قادراً على جمعه وتوجيهه: نقابات مستقلة، أحزاباً فاعلة، شبكات ثقة، أو أطر تضامن حقيقية. وفي غياب هذه الأدوات، يتخذ السخط أشكالاً فردية أو متقطعة: احتجاجات قصيرة، انفجارات موضعية، اقتصاد ظل، هجرة صامتة، أو انسحاب نفسي من الشأن العام. أي أن الأزمة تبقى قائمة، لكن قدرتها على التحول تبقى معطلة.
ومن المفارقات أن هذا العجز قد يخدم أكثر من طرف في آن واحد. فالخصم الخارجي قد يرى فيه نجاحاً للضغط دون كلفة المواجهة الشاملة، إذ يكفيه أن يبقى المجتمع مرهقاً ومقيَّداً. أما السلطة الداخلية، فقد تجد فيه فرصة لإعادة إنتاج السيطرة عبر إدارة الندرة، وتوسيع شبكات الولاء، وتقديم نفسها بوصفها الحاجز الأخير أمام الفوضى. وهكذا يتحول المجتمع إلى مساحة يتقاطع فيها ضغط الخارج مع آليات الداخل، بينما يبقى المواطن هو الحلقة التي تُستنزف من الجانبين.
من هنا تظهر الجدلية المركزية بوضوح: ضعف النضال الطبقي يسمح بالحرب، والحرب تعيد إنتاج ضعف النضال الطبقي. أي أننا أمام حلقة مغلقة تبدأ بتفكك اجتماعي وتنظيمي، ثم تسهّل فرض خيارات الحرب من أعلى، ثم تنتهي إلى مزيد من إضعاف التنظيم المستقل، بما يجعل المجتمع أكثر قابلية لأزمات جديدة أو حروب لاحقة.
لكن هذا لا يعني أن كل حرب تُفسَّر حصراً بالطبقة؛ فثمة عوامل قومية وأمنية وجيوسياسية حقيقية لا يمكن إنكارها. غير أن السؤال الأعمق ليس لماذا تقع الحرب فقط، بل لماذا تصبح ممكنة بهذا الشكل، ولماذا تميل آثارها إلى تكريس العجز الداخلي. وهنا يظهر الوزن الحاسم لمسألة التنظيم الاجتماعي وقدرته على فرض حدود على منطق الحرب.
إن أخطر نتائج هذا النمط من الحروب لا تكمن في الخراب المادي وحده، بل في إعادة صياغة أفق المجتمع نفسه. فحين يعتاد الناس على الطوارئ، ويتكيفون مع التراجع، ويستبدلون الطموح بإدارة الخسارة، يصبح العجز جزءاً من الحياة العادية. عندها لا تكون الحرب قد دمرت البنية التحتية فقط، بل أصابت البنية النفسية والزمنية للمجتمع: أضعفت ثقته بالمستقبل، وقلصت قدرته على التخيل، وجعلت النجاة الفردية بديلاً عن الفعل العام.
لهذا، قد يكون الوجه الأكثر خفاءً للحرب الحديثة أنها لا تنتصر دائماً عبر الحسم، بل عبر الإدامة؛ لا عبر السيطرة المباشرة، بل عبر إنتاج مجتمع عالق بين الألم والعجز. مجتمع لا يموت ولا ينهض، بل يستمر في حالة معلّقة من الاستنزاف. وفي مثل هذا المجتمع، يصبح استمرار الأزمة هو النصر الحقيقي لمن يديرها.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- حرب إيران: الغموض السياسي بين ترامب وطهران، يُغذّي مضاعفة أر ...
- حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتح ...
- من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع ...
- لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف ...
- الغموض الاستراتيجي في تجنب الجزر الإيرانية: تحليل لحرب مضيق ...
- الصواريخ متعددة الرؤوس: حين يتحول السلاح إلى قرار دولي مؤجل
- إيران تُعاد صياغتها: من دولة إقليمية إلى «لادولة مُدارة»
- إيران بين خفض السقف الأمريكي وحدود القوة: إدارة التوازن في ز ...
- المفاوضات الإيرانية الأمريكية: ترتيب قواعد المواجهة ومخاوف م ...
- التزامن الدبلوماسي في جنيف: تأكيد الترابط الجيوسياسي بين أوك ...
- العراق: سيادة بروتوكولية وساحة نزاع النفوذ المتعدد
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...4
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي...3
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي ليث الج ...
- الدولة كطبقة: في نقد الماهية والهيمنة وإمكان التماهي
- تهديدات سافايا… لماذا يراها العراقيون ابتزازًا لا سياسة
- إدارة الفوضى بدل بناء الدولة: قراءة في مسار التفكيك من بغداد ...
- العراق: الفراغ السيادي كقوة تعطيل


المزيد.....




- العدد 653 من جريدة النهج الديمقراطي
- The Mirage of Security: The Dangerous Bukele Model
- Ethnogenesis Mania — National Identity and Pseudoscience in ...
- The Invisible Women’s Labor: Fuel of the Silent Economy
- The Environmental and Social Impacts of Fish Farming and Ind ...
- The Free Speech Recession and Cancel Culture
- Waterboarding for Dollars in Cuba
- Oppose the War and Its Machinery
- كير ستارمر على حافة السقوط: تمرد داخل حزب العمال وأزمة اقتصا ...
- كيف تحوّل انقسام حزب العمال إلى طوق نجاة لستارمر؟


المزيد.....

- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً عاجزاً عن التحول؟