أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨















المزيد.....


الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 02:56
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الرقسمالية وإعادة تشكيل الإنسان
من الإنسان المنتج إلى الإنسان الشبكي
إذا كانت الإمبريالية الصناعية قد أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي عبر السيطرة على وسائل الإنتاج والأسواق والموارد، فإنها أعادت في الوقت نفسه تشكيل الإنسان بما يتوافق مع متطلبات ذلك النظام. فالإنسان لم يكن مجرد عنصر داخل العملية الاقتصادية، بل كان أحد منتجاتها التاريخية. فقد تشكلت أنماط حياته، وقيمه، وعلاقاته الاجتماعية، وصورته عن ذاته، وفقًا لمقتضيات المجتمع الصناعي الذي جعل من المصنع مركزًا للإنتاج، ومن الدولة القومية إطارًا للتنظيم، ومن الطبقة الاجتماعية الأساس الذي تُبنى عليه الانتماءات والصراعات.
ولذلك كان الإنسان في عصر الإمبريالية الصناعية يُفهم أساسًا من خلال موقعه داخل عملية الإنتاج. فالعامل هو من يبيع قوة عمله، والرأسمالي هو من يملك وسائل الإنتاج، وكانت العلاقة بين الطرفين تشكل المحور الذي تدور حوله معظم التفسيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحتى عندما تجاوزت الدراسات هذا الإطار لتتناول الثقافة أو التعليم أو الإعلام، فإنها كانت تنظر إليها بوصفها مؤسسات مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإعادة إنتاج ذلك النظام الصناعي.
وقد انعكس ذلك على البنية اليومية للحياة. فالمجتمع الصناعي كان يقوم على الفصل النسبي بين مجالات النشاط الإنساني. فهناك وقت للعمل، ووقت للأسرة، ووقت للتعليم، ووقت للراحة. وهناك حدود واضحة بين مكان الإنتاج ومكان السكن، وبين المجال الاقتصادي والمجال الخاص. ورغم أن هذه الحدود لم تكن مطلقة، فإنها منحت الحياة الاجتماعية قدرًا من الاستقرار، ورسخت إيقاعًا عامًا يستطيع الإنسان من خلاله تنظيم حياته وعلاقاته وتوقعاته المستقبلية.
أما الرقسمالية فتفتح مرحلة تختلف في طبيعتها عن هذا النموذج. فهي لا تنقل مركز الثقل من المصنع إلى المنصة الرقمية فحسب، ولا تستبدل الآلة الصناعية بالخوارزمية فقط، وإنما تعيد تعريف الإنسان ذاته بوصفه جزءًا من البنية التي تقوم عليها عملية التراكم. فالإنسان لم يعد حاضرًا داخل الاقتصاد عندما يعمل فقط، بل أصبح حاضرًا فيه عندما يتواصل، ويبحث، ويقرأ، ويشاهد، ويتحرك، ويستهلك، ويكتب، ويشارك الآخرين تفاصيل حياته اليومية.
إن هذا التحول لا يعني اختفاء العمل المأجور أو انتهاء أهمية الإنتاج الصناعي، فهذه المجالات ما تزال تشكل القاعدة المادية التي يستند إليها الاقتصاد العالمي، ولكنها لم تعد وحدها مصدر القيمة أو النفوذ. فقد أضافت الرقسمالية طبقة جديدة من النشاط الاقتصادي تعتمد على تدفقات البيانات والمعلومات والعلاقات الرقمية، بحيث أصبح النشاط الإنساني المستمر موردًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن النشاط الإنتاجي التقليدي.
ومن هنا فإن الإنسان لم يعد يُختزل في كونه منتجًا للسلع أو مقدمًا للخدمات، بل أصبح أيضًا منتجًا للبيانات، ومولدًا للتفاعلات، وناقلًا للمعلومات، ومساهمًا في تشكيل الشبكات التي تقوم عليها المنصات الرقمية. إن كل عملية بحث، وكل نقرة، وكل تفاعل، وكل حركة داخل البيئة الرقمية، تضيف عنصرًا جديدًا إلى منظومة واسعة من البيانات التي تكتسب قيمة اقتصادية واستراتيجية متزايدة.
ولا يكمن التحول الأساسي في كمية البيانات المنتجة، بل في طبيعة العلاقة الجديدة التي تنشأ بين الإنسان والنظام الاقتصادي. ففي المجتمع الصناعي كان الإنسان يدخل عملية الإنتاج ويغادرها. أما في الرقسمالية فإن وجوده داخل البيئة الشبكية يجعله مشاركًا في إنتاج القيمة بصورة مستمرة، سواء كان يعمل، أو يستهلك، أو يتعلم، أو يتواصل، أو حتى يقضي وقت فراغه.
وهذا الاتساع في مجال التراكم يؤدي إلى تحول أعمق في مفهوم الإنسان نفسه. فلم يعد يُنظر إليه بوصفه قوة عمل فحسب، بل باعتباره موردًا متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية. إن حضوره داخل الشبكة، وعلاقاته، واهتماماته، وأنماط استهلاكه، وتفضيلاته، جميعها تتحول إلى عناصر يمكن الاستفادة منها في تنظيم الأسواق، وتوجيه الاستثمارات، وإدارة التدفقات، وتعزيز النفوذ.
ولهذا فإن الرقسمالية لا تكتفي باستغلال النشاط الاقتصادي المباشر، بل تمتد إلى استثمار النشاط الإنساني في صورته الشاملة. فهي لا تنتظر أن يدخل الإنسان إلى المصنع حتى يصبح جزءًا من عملية التراكم، وإنما تجعل حياته اليومية نفسها جزءًا من البيئة الاقتصادية التي يعاد إنتاجها بصورة مستمرة.
ومن هنا فإن إعادة تشكيل الإنسان لا تعني خلق إنسان جديد من العدم، بل تعني إعادة ترتيب موقعه داخل النظام العالمي. فالإنسان الصناعي كان يُقاس أساسًا بما ينتجه داخل موقع العمل، أما الإنسان الشبكي فيُقاس أيضًا بقدرته على إنتاج البيانات، وبموقعه داخل شبكات الاتصال، وبحجم اندماجه في البنى الرقمية التي أصبحت تشكل أحد أهم مصادر القوة في العصر الراهن.
ولهذا فإن الانتقال من الإمبريالية الصناعية إلى الرقسمالية لا يمثل مجرد انتقال في أدوات الهيمنة، بل يمثل انتقالًا في موضوع الهيمنة ذاته. فبعد أن كان الاهتمام ينصب على تنظيم العمل والإنتاج، أصبح يمتد إلى تنظيم النشاط الإنساني في مجمله، بحيث تغدو الحياة اليومية نفسها جزءًا من المجال الذي تعمل داخله آليات القوة والتراكم.
إن الإنسان في عصر الرقسمالية لا يعيش خارج الاقتصاد ثم يدخل إليه عند الحاجة، بل يعيش داخل بيئة اقتصادية متصلة، تتشابك فيها المعرفة والاستهلاك والتواصل والعمل والترفيه في منظومة واحدة. وبهذا يصبح الاقتصاد أقل ارتباطًا بالمصنع، وأكثر ارتباطًا بالحياة نفسها.
ولذلك فإن السؤال المركزي في هذا الفصل لا يتمثل في معرفة كيف تغيرت أوضاع العامل أو كيف تطورت أدوات الإنتاج، بل في فهم الكيفية التي أصبح بها الإنسان ذاته أحد ميادين التحول التاريخي. فإذا كانت الإمبريالية الصناعية قد أعادت تشكيل العالم انطلاقًا من السيطرة على الموارد والمصانع والأسواق، فإن الرقسمالية تتجه بصورة متزايدة إلى إعادة تشكيل الإنسان الذي يعيش داخل هذا العالم، لأن السيطرة على الإنسان لم تعد تمر فقط عبر ما ينتجه، بل عبر الكيفية التي يعيش بها، ويتفاعل بها، ويدرك بها ذاته والآخرين.
الإنسان بين قوة العمل والمورد الشبكي
لم يكن الإنسان في الرأسمالية الصناعية مجرد عامل داخل المصنع، بل كان يمثل الحلقة الأساسية في عملية إنتاج القيمة. فالمصنع، مهما بلغت درجة تطوره، لم يكن قادرًا على العمل بمعزل عن قوة العمل البشرية التي تشغله وتمنحه قدرته على الإنتاج. ولهذا انصب اهتمام الرأسمالية الصناعية على تنظيم العمل، ورفع الإنتاجية، وتقسيم المهام، وتطوير وسائل الرقابة والانضباط داخل مواقع الإنتاج، لأن القيمة كانت تُنتج بصورة رئيسية من خلال العملية الإنتاجية ذاتها.
ومن هذا المنطلق تركزت أدوات الهيمنة حول السيطرة على شروط العمل. فالصراع كان يدور حول الأجور، وساعات العمل، وملكية وسائل الإنتاج، وظروف التشغيل، وحقوق العمال، وهي القضايا التي شكلت الأساس النظري للحركات العمالية والنقابات والأحزاب الجماهيرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وحتى عندما توسعت الرأسمالية إلى مجالات الخدمات والتمويل، بقي العمل المأجور هو المرجع الأساسي لفهم العلاقة بين رأس المال والإنسان.
غير أن الرقسمالية لا تلغي هذه العلاقة، وإنما تعيد صياغتها داخل بنية أكثر تعقيدًا. فالإنسان ما يزال يعمل وينتج، لكن دوره لم يعد يقتصر على بيع قوة عمله، بل أصبح يولد أشكالًا أخرى من القيمة لا ترتبط مباشرة بالعملية الإنتاجية التقليدية. وهنا يظهر تحول نوعي في طبيعة العلاقة بين الإنسان ورأس المال، إذ لم يعد النشاط الاقتصادي محصورًا بما ينتجه الإنسان داخل مكان العمل، بل امتد إلى أنماط حياته اليومية بوصفها مصدرًا متواصلًا للمعرفة والبيانات والتفاعلات.
لقد أصبح الإنسان، في البيئة الشبكية، ينتج آثارًا رقمية بصورة مستمرة. فكل عملية استخدام للهاتف، وكل تنقل عبر تطبيقات الملاحة، وكل عملية شراء إلكترونية، وكل تفاعل على منصات التواصل، وكل عملية بحث أو مشاهدة أو قراءة، تترك وراءها بيانات تكشف عن أنماط السلوك والاهتمامات والعلاقات. وهذه البيانات لا تظل مجرد آثار تقنية، بل تتحول إلى مورد اقتصادي يمكن تحليله واستثماره وتوظيفه في توجيه الأسواق وتطوير الخدمات وصناعة القرارات.
ومن هنا لا يصبح الإنسان منتجًا للقيمة بسبب عمله فقط، وإنما أيضًا بسبب حضوره داخل الشبكات. فهو يشارك في إنتاج مورد جديد يتمثل في المعرفة المتراكمة عن السلوك الإنساني، وهي معرفة تزداد قيمتها كلما ازدادت دقتها واتساعها وقدرتها على التنبؤ.
ولا يعني ذلك أن البيانات أصبحت بديلًا عن العمل أو أن الاقتصاد الرقمي استغنى عن الإنتاج المادي، فالمصانع، والزراعة، والطاقة، والنقل، وسلاسل الإمداد، ما تزال تمثل الأساس المادي الذي لا يمكن الاستغناء عنه. غير أن الرقسمالية تضيف إلى هذا الأساس مستوى جديدًا من التراكم، يقوم على امتلاك القدرة على تنظيم التدفقات الرقمية التي تنتجها المجتمعات بصورة يومية.
ولهذا فإن المورد الحقيقي لا يتمثل في البيانات الخام وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام. فالقيمة لا تنشأ من كثرة المعلومات فحسب، وإنما من امتلاك الوسائل التقنية والخوارزمية التي تجعل هذه المعلومات أداة للتوقع والتوجيه واتخاذ القرار. ومن هنا تنشأ مراكز جديدة للقوة لا تعتمد فقط على ملكية المصانع أو الموارد الطبيعية، بل على امتلاك البنية الرقمية القادرة على جمع البيانات وتحليلها وإعادة توظيفها.
ويترتب على ذلك تحول آخر في موقع الإنسان داخل العملية الاقتصادية. ففي المجتمع الصناعي كان العامل يعلم، في الغالب، متى يكون داخل عملية الإنتاج ومتى يكون خارجها. أما في الرقسمالية فإن هذه الحدود تصبح أقل وضوحًا، لأن النشاط اليومي ذاته يتحول إلى مصدر مستمر للبيانات والتفاعلات. وهكذا يصبح الإنسان مشاركًا في إنتاج مورد اقتصادي حتى في الأوقات التي لا يمارس فيها عملًا مأجورًا.
ولا يعني هذا أن كل نشاط إنساني يحقق قيمة اقتصادية بصورة مباشرة، فالكثير من التفاعلات يبقى بلا أثر اقتصادي يذكر. لكن الاتجاه العام يشير إلى اتساع المجالات التي يمكن إدماجها داخل عمليات التراكم، بحيث تصبح مساحات واسعة من الحياة الاجتماعية قابلة للاستثمار الاقتصادي بصورة لم تكن مألوفة في المراحل السابقة.
إن هذا التحول لا يغير طبيعة الاقتصاد وحدها، بل يغير أيضًا طبيعة الإنسان بوصفه فاعلًا اقتصاديًا. فهو لم يعد مجرد بائع لقوة العمل، بل أصبح في الوقت نفسه منتجًا لمورد آخر يتمثل في حضوره الرقمي، وهو حضور يكتسب قيمة متزايدة كلما ازداد اندماج المجتمعات في البنية الشبكية.
ولهذا يمكن القول إن الرقسمالية لا تستبدل مفهوم قوة العمل بمفهوم جديد، وإنما توسعه ليشمل أبعادًا لم تكن تدخل سابقًا في عملية التراكم. فالإنسان لم يعد يساهم في الاقتصاد من خلال ما يصنعه بيديه أو بعقله داخل المؤسسة الإنتاجية فحسب، بل أيضًا من خلال ما يتركه من آثار رقمية، وما ينتجه من تفاعلات، وما يضيفه من معلومات إلى الفضاء الشبكي الذي أصبح أحد أهم ميادين المنافسة والهيمنة في العصر الحديث.
ومن هنا فإن التحول الحقيقي لا يكمن في أن الإنسان أصبح أقل إنتاجًا أو أكثر إنتاجًا، بل في أن معنى الإنتاج نفسه قد اتسع. فالإنتاج لم يعد مقصورًا على السلع والخدمات، وإنما أصبح يشمل إنتاج المعرفة عن الإنسان ذاته، وهي معرفة أصبحت تمثل أحد أهم الموارد الاستراتيجية التي تقوم عليها الرقسمالية في إعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع وإعادة إنتاج الهيمنة على المستوى العالمي.
من إدارة العمل إلى إدارة السلوك
إذا كانت الإمبريالية الصناعية قد ركزت على تنظيم العمل بوصفه المصدر الرئيس لإنتاج القيمة، فإن الرقسمالية تتجه إلى توسيع مجال التنظيم ليشمل السلوك الإنساني نفسه. فالغاية لم تعد تقتصر على زيادة إنتاجية العامل داخل موقع العمل، وإنما تمتد إلى التأثير في أنماط الاختيار، والاستهلاك، والتواصل، والتفاعل، وهي المجالات التي أصبحت تؤدي دورًا متزايدًا في إعادة إنتاج الاقتصاد الشبكي.
وفي المجتمع الصناعي كانت أدوات الضبط ترتبط أساسًا بالمؤسسات الكبرى؛ فالمصنع ينظم ساعات العمل، والمدرسة تنظم التعليم، والدولة تنظم المجال العام، وكانت لكل مؤسسة حدود واضحة واختصاصات محددة. أما في الرقسمالية فإن هذه الحدود تصبح أكثر تداخلًا، لأن البيئة الرقمية تسمح باستمرار التفاعل بين الإنسان والشبكات على مدار اليوم، وبذلك تنتقل عملية التأثير من فضاءات محددة إلى فضاء اجتماعي واسع لا ينقطع تقريبًا.
ولا يعني ذلك أن الإنسان أصبح فاقدًا لإرادته أو أنه يتحول إلى كائن تتحكم به الخوارزميات بصورة مطلقة، فالسلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في استجابات آلية. غير أن الرقسمالية توسع قدرتها على التأثير في البيئة التي تتشكل داخلها الاختيارات، بحيث يصبح توجيه السلوك قائمًا بدرجة أكبر على تنظيم الاحتمالات والفرص والمحفزات، لا على إصدار الأوامر المباشرة.
ومن هنا يبرز اختلاف جوهري بين أساليب الهيمنة في المرحلتين. فالإمبريالية الصناعية كانت تعتمد بصورة أكبر على الانضباط المؤسسي؛ إذ كان المطلوب هو إنتاج عامل منضبط يلتزم بمواعيد العمل وقواعد المصنع وتسلسل السلطة. أما الرقسمالية فتحتاج إلى إنسان يبقى متصلًا بالشبكات بصورة دائمة، ويتفاعل معها باستمرار، ويعيد إنتاج التدفقات التي تقوم عليها المنصات والأسواق الرقمية.
ولهذا تتزايد أهمية ما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه. ففي بيئة يغمرها فائض هائل من المعلومات، لا تصبح المنافسة مقتصرة على إنتاج السلع أو تقديم الخدمات، بل تمتد إلى جذب انتباه الإنسان والمحافظة عليه لأطول مدة ممكنة. فالانتباه مورد محدود، وكلما ازداد الاعتماد على البيئة الرقمية، ازدادت قيمته الاقتصادية والاستراتيجية.
ولذلك لا تتنافس المنصات على عرض المحتوى فحسب، بل على تنظيم الطريقة التي ينتقل بها الإنسان بين المعلومات والصور والأخبار والإعلانات والخدمات. فالخوارزميات لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تساهم في تشكيل بيئة التفاعل ذاتها، من خلال ترجيح بعض الخيارات، وإبراز موضوعات معينة، وتقليل ظهور موضوعات أخرى، وفق معايير اقتصادية أو تقنية أو تجارية تختلف باختلاف المنصة وأهدافها.
ولا ينبغي فهم هذه العملية بوصفها مؤامرة مركزية تتحكم بكل تفاصيل الحياة الاجتماعية، بل باعتبارها نتيجة لبنية اقتصادية تقوم على تعظيم التفاعل وتعظيم استخدام المنصات. فكلما طال زمن التفاعل، وازدادت كثافة الاستخدام، ارتفعت القيمة الاقتصادية التي تولدها البيئة الشبكية، سواء من خلال الإعلانات، أو الخدمات، أو البيانات، أو غيرها من الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
ويترتب على ذلك تحول تدريجي في طبيعة المجال العام. ففي المجتمع الصناعي كانت وسائل الإعلام، رغم اختلاف توجهاتها، تعمل ضمن إيقاع زمني يسمح نسبيًا بتراكم النقاشات وتطورها. أما في البيئة الشبكية فإن تدفق المعلومات المتواصل يجعل الاهتمام العام أكثر سرعة في الانتقال من قضية إلى أخرى، ويزيد من صعوبة الحفاظ على تركيز جماعي طويل الأمد حول موضوع واحد.
ولا يعني هذا أن الرقسمالية تمنع تكوين الرأي العام أو التعبئة الاجتماعية، فقد أثبتت التجارب أن المنصات الرقمية قد تسهم في تنظيم الاحتجاجات أو نشر المعرفة أو بناء شبكات تضامن واسعة. إلا أن البيئة نفسها تتسم بسرعة التحول والتشظي، الأمر الذي يجعل كثيرًا من موجات التعبئة قصيرة العمر وأكثر عرضة للتقلبات المستمرة.
ومن هنا فإن الهيمنة في عصر الرقسمالية لا تقوم، في كثير من الأحيان، على منع الفعل الاجتماعي، وإنما على إدارة الإيقاع الذي يتحرك داخله ذلك الفعل. فالقدرة على التأثير في سرعة تداول المعلومات، وفي أولويات الاهتمام، وفي مسارات التفاعل، تصبح جزءًا من إدارة المجال الاجتماعي، حتى عندما يبقى الأفراد أحرارًا في التعبير عن آرائهم واختيار مواقفهم.
إن الرقسمالية، بهذا المعنى، لا تعيد تشكيل الإنسان عبر إخضاعه بصورة مباشرة، بل عبر إعادة تشكيل البيئة التي يعيش ويتحرك داخلها. فهي تجعل السلوك الإنساني أكثر ارتباطًا بالتدفقات الرقمية، وأكثر تأثرًا بإيقاعها، وأكثر اندماجًا في منظومة تعتمد على الاتصال المستمر والتفاعل الدائم.
ولهذا فإن التحول الأساسي لا يكمن في انتقال السلطة من الدولة إلى المنصة أو من المصنع إلى الخوارزمية، بل في اتساع مجال التنظيم ليشمل الحياة اليومية نفسها. فبعد أن كان الاهتمام ينصب على إدارة العمل، أصبح يمتد إلى إدارة السلوك، لا باعتباره سلوكًا فرديًا معزولًا، بل بوصفه جزءًا من شبكة واسعة يعاد من خلالها إنتاج الاقتصاد والمجتمع والهيمنة في عصر الرقسمالية.
الهوية الشبكية وإعادة تشكيل الذات
إذا كانت الإمبريالية الصناعية قد ساهمت في تشكيل هوية الإنسان من خلال موقعه داخل مؤسسات المجتمع الكبرى، فإن الرقسمالية تعيد تشكيل هذه الهوية داخل فضاء مختلف، يقوم على الشبكات الرقمية والتدفقات المستمرة للمعلومات. فالإنسان لم يعد يعرف نفسه فقط من خلال مهنته، أو طبقته، أو انتمائه المحلي، بل أصبح يعرّف ذاته أيضًا من خلال حضوره داخل الفضاء الشبكي، ومن خلال العلاقات التي يقيمها عبر المنصات الرقمية، ومن خلال الصورة التي يعرضها عن نفسه داخل هذا الفضاء.
ولا يعني ذلك اختفاء الهويات التقليدية، فالدولة، والأسرة، والدين، واللغة، والطبقة، ما تزال جميعها عناصر مؤثرة في تكوين الشخصية الاجتماعية. غير أن الرقسمالية أوجدت مستوى جديدًا من الهوية يتفاعل مع هذه المستويات جميعًا، ويعيد ترتيبها باستمرار وفق إيقاع البيئة الشبكية. فالفرد قد يحتفظ بانتمائه الاجتماعي، لكنه أصبح في الوقت نفسه عضوًا في عشرات الشبكات التي تتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسات التقليدية.
ولهذا تتراجع تدريجيًا فكرة الهوية المستقرة التي تلازم الإنسان طوال حياته، لتحل محلها هوية أكثر مرونة، تتغير تبعًا للبيئات الرقمية التي يتحرك داخلها، وللعلاقات التي ينسجها، وللأدوار التي يؤديها في كل شبكة من الشبكات. فالفرد قد يقدم نفسه بصورة مختلفة في كل منصة، وقد يشارك في مجتمعات رقمية لا تربطه بها أي علاقة مكانية أو مهنية، وهو ما يجعل الهوية أكثر قابلية لإعادة التشكيل بصورة مستمرة.
ومن هنا يصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطًا، بدرجات متزايدة، بالحضور داخل الفضاء الشبكي. فبعد أن كان الاعتراف يعتمد أساسًا على الموقع الاجتماعي أو المهني أو السياسي، أصبح يتأثر أيضًا بمدى حضور الفرد في البيئة الرقمية، وقدرته على التأثير والتفاعل وإنتاج المحتوى وبناء العلاقات. ولا يحل هذا الشكل من الاعتراف محل الأشكال التقليدية بصورة كاملة، لكنه يضيف إليها معيارًا جديدًا يزداد تأثيره مع اتساع الاقتصاد الرقمي.
ولا يقتصر هذا التحول على الأفراد، بل يمتد إلى الجماعات أيضًا. فالحركات الاجتماعية، والمجتمعات المهنية، والجماعات الثقافية، باتت تعتمد بصورة متزايدة على الشبكات الرقمية في تنظيم نفسها والتعبير عن مطالبها. غير أن هذا الاعتماد يمنحها قدرة أكبر على الانتشار من جهة، ويجعلها أكثر عرضة للتقلب والتشظي من جهة أخرى، لأن البيئة الشبكية تقوم على تدفقات سريعة يصعب تثبيتها ضمن أطر تنظيمية مستقرة.
إن الرقسمالية لا تلغي هوية الإنسان، لكنها تجعلها أكثر ارتباطًا بالحركة المستمرة داخل الشبكات، وأكثر تأثرًا بالبيئة الرقمية التي أصبحت وسيطًا رئيسيًا في تكوين العلاقات الاجتماعية. وبهذا لا يعود الإنسان مجرد عضو في مجتمع محلي أو وطني، بل يصبح أيضًا عقدة داخل شبكة عالمية تتداخل فيها الانتماءات والمصالح والرموز بصورة لم تعرفها المراحل السابقة.
ويترتب على ذلك تحول في مفهوم الذات نفسه. ففي المجتمع الصناعي كانت الذات تتشكل بدرجة كبيرة من خلال الاستقرار النسبي في العمل والعائلة والمجتمع المحلي. أما في الرقسمالية فإن الذات تتعرض بصورة مستمرة لتدفقات هائلة من المعلومات والصور والخبرات، الأمر الذي يجعل عملية بناء الهوية أكثر انفتاحًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة للتقلب وعدم الاستقرار.
ولهذا فإن إعادة تشكيل الإنسان في عصر الرقسمالية لا تقتصر على موقعه داخل الاقتصاد، بل تمتد إلى الطريقة التي يدرك بها نفسه، وإلى الكيفية التي يبني بها علاقاته مع الآخرين، وإلى الأسس التي يستند إليها في تعريف هويته داخل مجتمع أصبحت الشبكات أحد أهم مكوناته البنيوية.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٧
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه... ج٦
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٥
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه.... ج٤
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.. ج٣
- الرقسماليه أعلى مراحل الإمبرياليه... ج٢
- الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه
- من هرمز إلى بيروت: الحرب العالمية بصيغتها الجديدة؟
- علي فالح الزيدي ...وكيف تُدار بغداد بين واشنطن ولندن؟
- إسرائيل تسابق الزمن: كيف تحوّل ترامب إلى آخر نوافذ النظام ال ...
- من التحالفات الصلبة إلى الشبكات الهجينة: الاقتصاد الرقمي وإع ...
- قمة بكين مايو 2026: اختبار حدود الاحتواء الأمريكي في مواجهة ...
- ترامب يتقصد الفشل في إدارة الحرب: طموح استراتيجي أم خلل وظيف ...
- الحرب الحديثة وتعطيل النضال الطبقي: كيف تُنتج الأزمة مجتمعاً ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- الحرب الإيرانية–الأمريكية وإعادة تشكيل البنية الطبقية: أزمة ...
- حرب إيران: الغموض السياسي بين ترامب وطهران، يُغذّي مضاعفة أر ...
- حرب بلا حقيقة: كيف تحوّلت المواجهة بين إيران والولايات المتح ...
- من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع ...
- لماذا دخلت باكستان الآن للوساطة بين إيران وأمريكا؟ السر الخف ...


المزيد.....




- بيان مشترك تضامنا مع الرفيق حمّه الهمامي ضدّ الدعوة لاغتياله ...
- بـلاغ اخباري حول تطورات معركة الكرامة في المديرية الحهوية لل ...
- ساويرس يرد على هجوم بسبب توزيع هدايا على -لاعبي مصر الأغنياء ...
- موسكو تحتج رسميا على هدم النصب التذكاري السوفييتي في إستونيا ...
- صعود الاشتراكيين الديمقراطيين يشعل معركة هوية داخل الحزب الد ...
- بورنهام يخلف ستارمر في زعامة حزب العمال.. ما أسباب التوافق ع ...
- الرجل -عالي التستوستيرون- أو الحملة الجديدة لوزير الدفاع الأ ...
- Albania’s Flamingo Revolution Tests the New Western Order
- The People of Asia Demand Sovereignty and Solidarity
- No to Crypto


المزيد.....

- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية / رزكار عقراوي
- مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ ... / كوران عبد الله
- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - ليث الجادر - الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج٨