ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 02:28
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
التمهيد
الاقتصاد الرقمي كامتداد للرأسمال والأساس المادي للرقسمالية
قبل الدخول في تحليل الرقسمالية بوصفها أعلى مراحل الإمبريالية، يجب توضيح الأساس المادي الذي نشأت منه. فالرقسمالية ليست نظامًا اقتصاديًا جديدًا يحل محل الرأسمالية، ولا هي مجرد وصف للاقتصاد الرقمي أو انتشار التكنولوجيا الحديثة، بل هي الانعكاس الهيكلي للهيمنة الرقمية على سياسات وعلاقات المنظومة الدولية.
الإمبريالية في كل طور تاريخي لها أساس مادي: في القرن التاسع عشر كان المصنع والموارد الطبيعية، وفي القرن العشرين كان النفط والجيوش النظامية، وفي القرن الحادي والعشرين أصبح الاقتصاد الرقمي والبيانات والشبكات. ولكن هذا الأساس المادي ليس محايدًا، بل هو محتكر بحكم طبيعته لدول معينة، وهذا الاحتكار ينعكس سياسيًّا كـ"رقسمالية".
1. الاقتصاد الرقمي ليس اقتصادًا إنتاجيًا مستقلًا
تشير الدراسات الاقتصادية المعاصرة إلى أن الإنتاج السلعي المادي ما زال الرافد الرئيسي لدينامومة رأس المال في النظام الرأسمالي العالمي. فرغم التطور الكبير في الاقتصاد الرقمي، إلا أنه لا يشكل بديلاً مستقلًا أو أساسيًا في خلق القيمة الاقتصادية، بل يُعتبر نشاطًا تجارياً تكميلياً يعتمد في جوهره على البنية التحتية والإنتاج السلعي التقليدي.
شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل، أمازون، ومايكروسوفت—أرباحها الضخمة رغم اعتمادها على الخدمات الرقمية، لا يمكن تفسيرها بمعزل عن سلاسل التوريد المادية المعقدة (استخراج المعادن، تصنيع الأجهزة، الشحن والتوزيع). أزمة أشباه الموصلات أثناء جائحة كورونا أكدت هشاشة الاقتصاد الرقمي واعتماده الكلي على القطاعات المادية.
الاقتصاد الرقمي هو امتداد تجاري-خدمي يقوم على إعادة توزيع القيمة المنتَجة في القطاعات المادية. أي تحليلات تتجاهل هذا الأساس المادي تقع في خطأ تحليلي يبالغ في دور الرقمنة.
الإحصاءات الدالة:
الولايات المتحدة: الاقتصاد الرقمي شكّل 10% من الناتج المحلي عام 2010، ارتفع إلى أكثر من 15% في 2023، مع توقعات بتجاوزه 20% قبل نهاية العقد.
الاتحاد الأوروبي: ارتفعت المساهمة من حوالي 7% إلى أكثر من 12% خلال الفترة نفسها.
2. . الاحتكار الرقمي لدول معينة
الاقتصاد الرقمي محتكر بحكم طبيعته لدول محددة بسبب:
التركيز في ملكية المنصات: الولايات المتحدة تملك غوغل، وأمازون، وفيسبوك، وآبل، ومايكروسوفت.
التركيز في الرقائق المتقدمة: تايوان (شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات – تي إس إم سي)، كوريا الجنوبية (سامسونغ)، هولندا (إيه إس إم إل).
التركيز في البنية السحابية: الولايات المتحدة تملك خدمات أمازون السحابية، وغوغل السحابية، ومايكروسوفت أزور.
التركيز في الأنظمة المالية: الولايات المتحدة تملك نظام سويفت للتحويلات المالية وأنظمة الدفع العالمية فيزا وماستركارد.
هذه الدول تملك العقد المركزية في الشبكة العالمية، وتُستخدم الاحتكار الرقمي كأداة هيمنة سياسية:
الولايات المتحدة تستطيع عزل دول عن النظام المالي (عقوبات على روسيا وإيران).
الصين تستطيع فرض رقابة على الفضاء الرقمي الوطني (الجدار الناري).
كلاهما يتنافسان على السيطرة على الرقائق والذكاء الاصطناعي.
النتيجة: الاقتصاد الرقمي ليس مجالًا عالميًّا مفتوحًا، بل هو أداة هيمنة لدول معينة.
3. الرقسمالية: الانعكاس السياسي للهيمنة الرقمية
الرقسمالية هي الصيغة التاريخية التي تُدير عبرها الدول المهيمنة هيمنتها في عصر الشبكات.
الاقتصاد الرقمي على المستوى الاقتصادي-التقني، ويركز على المنصات والبيانات والرقائق والسحابة، ويجيب على سؤال كيف تُنتج القيمة.
والرقسمالية على المستوى السياسي-الإمبريالي، وتركز على التحالفات والحرب والسيادة والإدراك والإنسان، وتجيب على سؤال كيف تُدار الهيمنة.
الرقسمالية ليست مجرد "اقتصاد رقمي"، بل هي:
الانعكاس الهيكلي للهيمنة الرقمية على سياسات الدول.
الانعكاس الهيكلي للهيمنة الرقمية على العلاقات الدولية.
الانعكاس الهيكلي للهيمنة الرقمية على الحرب والسيادة والمجتمع والإدراك والإنسان.
الخلاصة: الاقتصاد الرقمي هو الأساس المادي، والرقسمالية هي الانعكاس البنيوي.
4. نقد الفكرة القائلة بـ«الوهم» أو «الطفيلية»
تتعامل بعض التحليلات مع الاقتصاد الرقمي بوصفه مجرد «رأسمال وهمي» لا ينتج قيمة حقيقية، بينما تذهب تحليلات أخرى إلى اعتباره نشاطًا طفيليًا محضًا. غير أن التمييز بين الوهم والطفيلية ضروري من الناحية النظرية.
فالاقتصاد الرقمي ليس وهمًا بالمعنى الذي يجعله غير موجود أو عديم الأثر؛ إذ إن الشركات الرقمية تحقق أرباحًا هائلة وتمتلك قدرة فعلية على إعادة تشكيل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. لكن هذه الأرباح لا تنشأ أساسًا من إنتاج قيمة جديدة مستقلة عن الاقتصاد المادي، وإنما من السيطرة على تدفقات المعلومات والبيانات والاتصالات ومن إعادة توزيع جزء من القيمة المنتجة في القطاعات الاقتصادية الأخرى.
وبهذا المعنى، فإن الاقتصاد الرقمي يمثل شكلًا جديدًا من الرأسمال الطفيلي الريعي.
وتتجلى طبيعته الطفيلية والريعية في عدة خصائص:
يعتمد في وجوده على البنية التحتية والإنتاج السلعي المادي، ولا يستطيع الاستقلال عنهما.
يستولي على جزء من القيمة المنتجة في القطاعات الأخرى عبر الاحتكار الرقمي والوساطة والمنصات.
يحقق أرباحه أساسًا من الإيجارات الرقمية والعمولات والإعلانات وبيع البيانات واحتكار الوصول إلى الأسواق.
يحول البيانات والانتباه البشري إلى مصدر للريع، تمامًا كما حوّل الرأسمال المالي الدين والفائدة إلى مصدر للتراكم.
ومن هذا المنظور، فإن المنصات الرقمية الكبرى لا تعمل بوصفها مصانع تنتج قيمة جديدة بصورة مستقلة، بل بوصفها مراكز جباية رقمية تستخرج الريع من النشاط الاقتصادي والاجتماعي الذي يجري عبرها.
إن غوغل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت تحقق أرباحًا حقيقية، لكن حقيقة هذه الأرباح لا تنفي طبيعتها الطفيلية؛ فالرأسمال الطفيلي قد يكون شديد الربحية، بل إن ربحه الاستثنائي هو أحد الأدلة على طبيعته الاحتكارية والريعية.
الخلاصة:
الاقتصاد الرقمي ليس «اقتصادًا وهميًا» بالمعنى الماركسي الكلاسيكي، بل هو:
اقتصاد قائم على رأسمال طفيلي ريعي، يستمد قوته من احتكار البنية الرقمية العالمية ومن قدرته على الاستيلاء على جزء متزايد من القيمة المنتجة في الاقتصاد المادي.
ومن ثم فإن ما نشهده ليس انتقالًا من الرأسمالية الإنتاجية إلى اقتصاد ينتج الثروة من العدم، بل توسعًا للرأسمالية نحو أشكال جديدة من التراكم الاحتكاري والريعي والطفيلي، حيث تصبح البيانات والانتباه البشري والوساطة الرقمية أدوات جديدة لاستخراج الريع وإعادة توزيع القيمة لمصلحة المراكز الرأسمالية المهيمنة.
5. توسع ميدان الصراع الرأسمالي: من الموارد إلى السيطرة الشاملة
مع صعود الرأسمالية الصناعية، كانت صراعاتها تتركز على السيطرة على الموارد الطبيعية والأسواق الاستهلاكية. لكن في مرحلة الاقتصاد الرقمي، يتجاوز ميدان الصراع هذه الحدود الجغرافية والاقتصادية التقليدية، ليشمل كل شبر من الأرض عبر آليات تحكم شاملة في:
البيانات: التحكم في معلومات الأفراد.
التواصل: التحكم في منصات الاتصال.
الفضاء السيبراني: التحكم في الهجمات السيبرانية.
البنية التحتية الحيوية: شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات.
هذا التوسع يعني:
التحكم في حياة الأفراد اليومية: هواتفهم وتفضيلاتهم ومعلوماتهم الشخصية—لتوجيه سلوكهم الاقتصادي والسياسي.
تحويل الفضاءات الاجتماعية إلى ساحات صراع: منصات مثل Twitter وFacebook أصبحت أدوات في الصراعات السياسية.
انكشاف هشاشة السيادة الوطنية التقليدية: دول صغيرة لا تستطيع مقاومة شركات تكنولوجيا عملاقة.
أمثلة واقعية:
الخلاف الأمريكي–الصيني حول هواوي: تنافس استراتيجي على الهيمنة التقنية العالمية.
فضيحة كامبريدج أناليتيكا: استخدام بيانات ملايين المستخدمين للتأثير على الانتخابات الأمريكية 2016.
الحروب السيبرانية: هجمات تستهدف البنى التحتية الحيوية للدول (مثل هجمات على روسيا وأوكرانيا وإيران).
السيطرة على الفضاء الرقمي الوطني: التجربة الصينية في فرض رقابة (الجدار الناري)، ودول غربية تفرض قواعد على شركات التكنولوجيا (GDPR في الاتحاد الأوروبي).
6. اندماج رأس المال الرقمي والسلطة السياسية
أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى (أمازون وجوجل وفيسبوك ومايكروسوفت) تظهر علنيًا على المسرح السياسي الأمريكي عبر:
تمويل الحملات الانتخابية: تنفيذيو شركات التكنولوجيا يمولون حملات سياسية.
التأثير على السياسات العامة: فرق ضغط قوية ومتخصصة.
ظهور إعلامي وسياسي لكبار التنفيذيين: CEOs مثل Jeff Bezos وMark Zuckerberg وElon Musk أصبحوا شخصيات سياسية.
هذا الاندماج يعكس دور شركات التكنولوجيا في:
تشكيل السياسات الرقمية العالمية: قوانين الخصوصية ومكافحة الاحتكار والأمن السيبراني.
التأثير على حرية التعبير والرقابة: منصات مثل Twitter تلغي حسابات سياسيين، Facebook يحدد ما يُنشر.
إنشاء أنظمة تنظيمية خاصة: "دولة خاصة رقمية" (مثل قوانين منصات داخل المنصات نفسها).
تهديد السيادة الوطنية والديمقراطية: السيطرة على المعلومات والتقنيات الحيوية.
النتيجة: الرأسمال الرقمي والسلطة السياسية اندماجًا كاملًا، وليس علاقة منفصلة.
7. من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإنسان كليًا
بينما كان المنجم وحقل النفط هما المستهدفان في سعي رأس المال، زاد اعتماد الاقتصاد الرقمي ووسّع هدف الرأسمال ليشمل الإنسان—كأفراد. لم يعد الصراع على الموارد الطبيعية فقط، بل على السيطرة على البنى الذهنية والسلوكيات الاجتماعية للأفراد.
في الدول المتخلفة:
المواطن بات رقمًا استثماريًا بلا مقابل: بياناته تُباع، وسلوكه يُوجَّه، واختياره يُحَدَّد.
"الحكومة الرقمية" فخّ: يهدد أمن الدولة الاقتصادي والاجتماعي.
الممرات البرية والبحرية باتت شرايين للتحكم في تدفقات البيانات والطاقة: قناة السويس، زنغزور، موانئ شرق أفريقيا.
الخطر الأكبر:
استدرجت المنصات حركات المعارضة إلى العالم الافتراضي، فتدجين الاحتجاج وإفراغه من فاعليته السياسية. الفرد يتوهّم أنّه يمارس فعلًا سياسيًا عبر التدوين، بينما الفعل يبقى محصورًا في فضاء افتراضي مأمون، بعيدًا عن تأثير فعلي في ميزان القوى.
8. الخلاصة: من الاقتصاد الرقمي إلى الرقسمالية
المستوى الأول: الأساس — الاقتصاد الرقمي — الأساس المادي للهيمنة.
المستوى الثاني: الاحتكاري — دول معينة (الولايات المتحدة والصين) — تملك العقد المركزية.
المستوى الثالث: السياسي — الرقسمالية — الانعكاس الهيكلي للهيمنة على العلاقات الدولية.
المستوى الرابع: البنيوي — التحالفات والحرب والسيادة والمجتمع والإدراك والإنسان — مجالات إعادة التشكيل.
الخلاصة النهائية:
الاقتصاد الرقمي → الأساس المادي.
الاحتكار الرقمي لدول معينة → مصدر الهيمنة.
الانعكاس السياسي → الرقسمالية.
الرقسمالية ليست "رأسمالية جديدة"، بل هي أعلى مراحل الإمبريالية في عصر الاقتصاد الرقمي. وهي ليست مجرد تطور تقني، بل هي تحول في منطق الهيمنة نفسه: من السيطرة على المجال الجغرافي إلى السيطرة على البنية التي تنظم ذلك المجال.
وهذا هو الأساس المادي الذي يُبنى عليه تحليلنا التالي للرقسمالية بوصفها أعلى مراحل الإمبريالية.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟